العنوان الخمر والجهاز العصبي
عنوان تمهيدي الخمر بين الطب و الفقه (8)
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1975
مشاهدات 14
نشر في العدد 259
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 22-يوليو-1975
إصابات الجهاز العصبي الناتجة عن حوادث تقع بسبب تناول الخمور..
إن شارب الخمر معرض باستمرار للسقوط مغشيًا
عليه ولإصابة الجمجمة والجهاز العصبي نتيجة لذلك.
إن شارب الخمر يفقد اتزانه وكثيرًا ما يقع ويتدحرج
أثناء نزوله أو صعوده السلالم كما أن كثيرًا من المعارك تدور في الحانات، وحدث ولا
حرج عن حوادث السيارات الناتجة من فقدان الشارب لقدراته وملكاته في التحكم.
ولن نستطيع الحديث عن جميع الإصابات التي تحدث
لهؤلاء فإنها تحتاج إلى كتاب كامل بل إلى عدة كتب وتشمل معظم جراحة العظام، وجراحة
الأعصاب كما تشمل جزءًا من جراحة الجهاز الهضمي، والجهاز الدوري، وباختصار يشمل
ذلك عدة تخصصات ولسنا نحن بصددها هنا.
ولكننا سنذكر بإيجاز شديد آثار هذه الحوادث
على الجهاز العصبي حتى نستكمل هذا الباب، وهو باب الخمرة.. الجهاز العصبي. وسنناقش
ذلك تحت العناوين التالية:
١ ـ ارتجاج المخ
٢ ـ انضغاط المخ
أ ـ نزف خارج الأم الجافية
ب ـ نزف تحت الأم الجافية
جـ ـ نزف بالمخ
د- كسور الجمجمة وتهتكات المخ ونزفانه.
3- إصابات بالعمود الفقري والنخاع الشوكي.
4- شلل ليلة السبت.
1- ارتجاج المخ:
ويحدث نتيجة ارتطام الراس بجسم ثقيل دون أن
تكون هناك تغيرات تشريحية في المخ.. وفيه تشل وظائف المخ لدقائق.. ويصاب المريض بغيبوبة
تختلف شدتها ولكنها في العادة لا تزيد عن بضع دقائق وربما كانت لثوانٍ معدودات.
ويفقد الشخص المريض ذاكرته للحادثة نفسها أو
ما سبقها من أحداث وغالبًا ما يكون فقدان الذاكرة للحادثة مؤقتًا. وقد يكون ذلك لأمد
طويل.
وفي بعض الحالات الشديدة من الارتجاج يصحبها
أوديما (انتفاخ مائي) كما قد يكون من نتائجها انحلال النخاع في المخ.
وهذا يؤدي إلى صداع مزمن واضطراب في الشخصية.
وبما أن الكحول (الخمور) تفقد المرء توازنه
وتعرضه لمثل هذه الحوادث بكثرة فإنها سبب غير مباشر لمثل هذه الإصابة.
تهتك المخ:
وتكون الإصابة شديدة وعادة ما تكون مصحوبة
بكسور في الجمجمة وتؤدي إلى تهتك بالمخ. ويفقد الشخص المريض وعيه لفترة طويلة من
ساعات إلى أيام بل قد تصل إلى أكثر من شهر.
أما في الحالات الخفيفة فيصاب المرء بالتشوش
الذهني والاضطراب والهذيان.. كما أنه معرض للإصابة بالشلل وتكون المناطق المشلولة
حسب مكان الإصابة وشدتها وما يصحبها من نزف.
ومعظم هذه الحالات تصاب بنوبات صرع قد تحدث
بعد عدة سنوات من الإصابة.
انضغاط المخ:
وينضغط المخ إثر الحوادث إذا كان هناك نزف
بالمخ أو السحايا.
ويفقد المريض وعيه وتزداد درجة الإغماء مع مضي
الوقت وتنقبض حدقة العين في الجهة المصابة من المخ ثم تتسع ثم تظهر التغيرات في
حدقة العين الأخرى.
ويتوفى المصاب في معظم هذه الحالات. وقد ينقذ
بعملية تربنة من الجمجمة وإزالة الدم المتجلط مع ربط الأوعية النازفة.
ويبقى المريض في حالة الإغماء لفترة طويلة قد
تبلغ الشهر أو أكثر، كما يفقد ذاكرته بعد الإفاقة من الإغماء، وخاصة للحادثة
نفسها.
وقد رأينا أحد المرضى الذين أصيبوا في حادثة
تصادم هو وزوجته ونقلا كلاهما إلى المستشفى وبعد أن أجريت لهما عمليات بالمخ أفاقا
بعد فترة إغماء طويلة، ولبث المريض فترة طويلة من الزمن ينكر فيها أن تلك المرأة
المصابة بجانبه هي زوجته بينما كانت هي واثقة أنه زوجها.
وللبث أشهرًا طويلة وهو لا يستطيع أن ينظر
إليها، وبمرور الوقت اقتنع بصدق أقاربه ومن حوله، ولكنه في قرارة نفسه لم يقتنع
كيف أصيبت زوجته وهي في منزلها.. ولم يستطع تذكر الحادثة قط.
وعادة ما يصاب هؤلاء الأشخاص بشلل في الأعصاب،
خاصة العصب السادس المبعد لمقلة العين، كما قد تصاب الأعصاب المغذية لعضلات العين
مثل العصب الثالث أو الرابع، أو عصب الوجه أو عصب السمع (العصب الثامن)، وكثير من
هذه الحالات يصاب بالشلل النصفي. كما أن بعضها قد يصاب بشلل المراكز المخية
المسؤولة عن التنفس وخاصة بعد الحادثة مباشرة أو بساعات.. وتحتاج مثل هذه الحالات
إلى استخدام آلة التنفس الصناعي.
وإذا شُفي المريض تبقى لديه آثار الشلل النصفي
كما يشكو من صداع مزمن ونوبات إغماء متكررة (صرع).
نزيف تحت الأم الجافية:
ويصيب هذا المرض الكبار في السن ومدمني الخمر
على وجه الخصوص، وهو ناتج عن إصابات بسيطة متكررة بالرأس ينتج عنها تمزق في
الأوعية الدموية الشعرية ويضغط الدم المتجمع على المخ وخاصة الفص الأمامي والفص
الصدغي، وكثيرًا ما يكون النزيف مزدوجًا أي في الجانبين من الرأس الأيمن والأيسر.
وتظهر الأعراض عادة بعد أسابيع.. ربما أشهر من
الإصابة التي قد يكون المريض نسي عنها كل شيء.
وتتلخص الأعراض في الصداع والنعاس والارتباك
الشديد واضطراب الشخصية، وتتأرجح هذه الأعراض فتزداد حتى تصل درجة الإغماء وفقدان
الوعي، وتقل حينًا حتى تصبح صداعًا خفيفًا فقط.
وتكون حدقة العينين غير متساوية، فتكون
إحداهما أوسع من الأخرى.. وعادة ما تكون الحدقة الأوسع مصحوبة بسقوط الجفن الأعلى
لتلك العين، أما السائل المخي الشوكي فيكون طبيعيًا لولا زيادة في البروتين وقد
يكون مائلًا إلى الصفرة ويتم التشخيص بعمل أشعة على الجمجمة مع حقن الشريان
السباتي الذي يغذي المخ بمادة ملونة فتظهر الأشعة النزف والدم المتجمع وهو ضاغط
على الأوعية الدموية بالمخ.
ويحتاج العلاج لإجراء عملية لإزالة الدم
المتجلط تحت الأم الجافية. وينصح المريض بالابتعاد عن الخمور.
شلل ليلة السبت:
ومن المعروف أن الانغماس في الشراب مساء السبت
(ليلة الأحد) هو من الأمور الشائعة في أوروبا أو أمريكا باعتبار أن ذلك ليلة
الإجازة.
وينام المخمور عادة على كرسي إما في الخمارة
أو في منزله أو منزل صديقه وتتدلى يده من الكرسي ويحتك العصب الكعبري بحرف الكرسي،
فينضغط العصب.
وعندما يفيق من سباته يجد نفسه مشلول اليد،
ولا يستطيع أن يرفع يده، ويحتاج علاجها إلى جبيرة خاصة مع التمرينات وتنبيه
العضلات بالموجات القصيرة..
كل هذا من نتائج شرب الخمور ومنها ما هو نتيجة
مباشرة ومنها ما هو نتيجة غير مباشرة.
وبهذا نكون قد شرحنا بإيجاز تأثيرات الخمر على
الجهاز العصبي، ورأينا كيف تفتك به من كل جهة، وكيف يتحول المدمن إلى معتوه مشلول
مريض العقل والنفس يتمنى لو يخلصه الموت من براثن هذا الغول المفترس والوحش الكاسر،
وأنى له ذلك وهو يتجرع الموت كل لحظة وما هو بميت حتى تخترمه المنية أو يتوب الله
عليه، فيهيئ له من يساعده على ترك هذه الآفة وهذا السم الزعاف المدعو الخمر.
وفي الحلقات القادمة سندرس إن شاء الله كيف تفعل الخمر بالجهاز الهضمي وبقية أجهزة الجسم.