; الخمر بين الطب والفقه | مجلة المجتمع

العنوان الخمر بين الطب والفقه

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1975

مشاهدات 1

نشر في العدد 250

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 20-مايو-1975


الكحول وعلم الأدوية والسموم الحلقة 3


ALCOHOL PHARMACOLOGY
«
ب» اقرابازين الكحول

الكحول سائل طيار ذو رائحة معروفة. ويستعمل في الطب كمطهر كما يستعمل في بعض الصناعات الكيميائية والمختبرات كمذيب للدهون ولبعض المواد الكيميائية.

ولكن التسمم منه يكاد يكون محصورا في تناول الخمور التي تختلف نسبة الكحول فيها كالآتي:

البيرة 2-8 في المائة

الأنبذة الخفيفة 5-10 في المائة

الأنبذة القوية 10-20 في المائة

الويسكي

الروم 40-60 في المائة

البراندي

العرقي

إن کأسًا من البيرة تحتوي على نصف لتر بها كمية من الكحول تساوي تلك الموجودة بكأس الويسكي ٣٠ سنتي أو كأسا من الشمبانيا أو كأسا من التشيري «الشيري»

فكمية الكحول متساوية تقريبا في أي كأس من هذه الكؤوس كما ترى في الرسم فإن كأس البيرة كبيرة جدا وكأس الويسكي أو البراندي صغيرة جدا وكأس النبيذ القوية تساوي كأس النبيذ الخفيفة.

وبمجرد شرب ثلاث كاسات TARTS أي ما يعادل مائة سانتي من الويسكي أو لتر ونصف من البيرة يؤدي إلى ارتفاع نسبة الكحول في الدم في خلال ساعة ونصف إلى خمسين مليجراما بالمائة ولن يتخلص الجسم من هذه الكمية قبل مضي ثماني ساعات ويستطيع الجسم أن يمثل غذائيا من 10 إلى 15 سنتي من الكحول في الساعة.

ويدخل الكحول إلى الجسم بأي طريق خاضعا لقوانين الانتشار الطبيعية فهو يمتص من الفم والمعدة والاثني عشر. وتتوقف سرعة امتصاصه على نوع المشروب وحالة المعدة عند الشراب. وهو أسرع ما يكون امتصاصا عندما تكون المعدة خالية وتكون نسبة الكحول من 10 إلى 20 في المائة. أما إذا ازدادت نسبة الكحول فتقل سرعة الامتصاص كما تقل سرعة الامتصاص إذا كانت المعدة مليئة بالطعام وخاصة الأطعمة الدهنية وأهم غذاء يؤخر الامتصاص ويعرقله هو الحليب «اللبن» ولذا نجد أن الحليب، اللبن، والخمر على طرفي نقيض في كل الخصائص. والعجيب حقا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار اللبن من جبريل عندما أسري به ورفض أن يشرب من الخمر.

ويوزع الكحول بعد امتصاصه على أنسجة الجسم بنسبة واحدة تقريبا ويتحول الكحول في الكبد إلى استيلهيد بواسطة إنزيم «خميرة» وهذا بدوره يتحول إلى حامض الخليك «الخل».



وبالتالي يتحول إلى ثاني أكسيد كربون وطاقة.. إن كل جرام من الكحول يحتوي على سبع وحدات حرارية. وهذه تتطلب لأكسدتها كمية كبيرة من فيتامين ب 1 وكمية كبيرة من الدهنيات البروتينية.

كما أن حاجة الجسم لمادة الكولين التي تفرزها الكبد في الصفراء تزداد. وهي الضرورية لهضم المواد الدهنية.

وينتج عن ذلك نقص في فيتامين ب ١ ونقص في البروتينات الدهنية. كما يضطرب هضم المواد الدهنية فترسب في الكبد.

وينتج عن نقص فيتامين ب ١ مرض البربري والتهاب الأعصاب الطرفي وغيره من الأمراض التي سنعرض لها في حينها في باب الجهاز العصبي والجهاز الدوري.

وبوجود الكحول في الدم تقل دورة كريب الهامة جدا في أكسدة المواد السكرية والدهنية إلى طاقة وماء.

كما أن حامض البروفيك PYRUVIC ACID يتحول إلى حامض اللبنيك LACTIC ACID بدلا من دخوله في دورة كريب ويزداد بذلك حامض اللبنيك في الدم وتزداد حموضة الدم كما ينتج عن ذلك آثار نقص الجلوكوز بالدم رغم وفرة المواد السكرية في الأصل. ولذا فإن شاربي الكحول من مرضى السكر كثيرا ما يصابون بنوبات إغماء شديدة قد تؤدي بحياتهم بسبب انخفاض مفاجئ في سكر الدم كما أن شرب الخمور يؤدي إلى زيادة الدهون في الدم وفي الكبد. وذلك للأسباب الآتية:

١- تؤثر الخمر على قدرة الكبد على تمثيل الدهون الممتصة من الأمعاء وتقل قدرة الكبد على تكوين مركب دهني بروتيني.

LIPO PROTEINS

2- تأثير مباشر للكحول على ميكروسوم الخلية الكبدية حيث يصنع المزيد من المواد الدهنية مثل التراجلسرين «ثلاثي الحلوين»

TRIGLYCERIDES بدلًا من الدهنيات الفسفورية. PHOSPHOLIPIDS

3- ازدياد كمية الأحماض الدهنية الآتية من مخازن الدهن بالجسم.

وكل هذا يؤدي إلى ترسيب الدهنيات بالكبد. كما يؤدي إلى زيادة الدهنيات بالدم مما يؤدي إلى ترسيبها على جدر الأوعية الدموية ويؤدي ذلك إلى تصلب الشرايين مما سنعرض له في بابه بالتفصيل إن شاء الله.

وقد أوضحنا كيف أن الكحول الأثيلي يتحول إلى استيلد هيد ومن ثم إلى حامض الخليك.

وقد اكتشفت مادة انتابیوس ANTABUSE وإذا أخذها الشخص وتعاطى الكحول الأثيلي فإن الأخير يتحول إلى استيلد هيد ACETALDEHYDE ولا يتحول إلى حامض الخليك ACETIC ACID وهذه المادة ACETALDEHYDE شديدة السمية وتؤدي إلى القيء الشديد المتكرر وإلى صعوبة التنفس وإلى هبوط ضغط الدم مع سرعة ضربات القلب وقد استخدمت مع المدمنين حتى أن المدمن بعد تجربة قاسية من القيء العنيف والدوار يقلع عن شرب الخمر وتكون لديه كراهية شديدة للخمر. إلا أن هذه المادة شديدة الخطورة إذ لو أصر الشخص على شرب كمية كبيرة من الكحول رغم تناوله هذه الحبوب فإنه يقود نفسه إلى حتفه وهلاكه بیده.

ويمثل الجسم ٩٠٪ من الكحول المتعاطاة أما العشرة في المائة الباقية فتفرز وتعرف نسبة الكحول في الدم بطريقتين مع هواء الزفير ومع البول وبتحليل الدم مباشرة.

الأولى التنفس: بواسطة جهاز مقياس الشرب DRINK METER ويحمل الجهاز عادة شرطي البوليس في البلاد المتقدمة ليعرف ما إذا كان السائق مخمورًا أم لا وتعتمد فكرة الجهاز على أن الكحول يتوزع في أنسجة الجسم بنسبة واحدة ويخرج مع هواء الزفير وبمعاملة حسابية بسيطة تعرف كمية الكحول في هواء الزفير وبالتالي في الدم.

والطريقة الثانية: هي بواسطة تحليل الدم وهي أدق ولكن لا يمكن القيام بها إلا في مختبر كيميائي أو طبي وقد اكتشف جهاز جديد إليكتروني يقيس نسبة الكحول في الدم في دقيقة ونصف بدلًا من ۲۰ دقيقة بالطريقة القديمة ويبلغ ثمن الجهاز 3750 دولارًا.

تأثير الكحول على الجهاز العصبي

أهم تأثير للكحول هو تخديره لخلايا المخ جميعًا ولكن أهم الخلايا التي تصاب هي خلايا القشرة CORTEX وهي الخلايا المتحكمة في الإرادة أو ما نعبر عنه بكلمة العقل. وكلمة العقل كما ذكرنا في اللغة العربية من عقل الناقة أي ربطها وشدها.

والعقل هو مجموعة الموانع الأخلاقية التي تتكون لدى الإنسان فالطفل يتبول ويتغوط دونما أي مانع فإذا كبر قليلًا تكون لديه المانع بالتربية وهكذا فإنه لا يمارس الجنس كالحيوانات في قارعة الطريق إلا من ارتكس إلى مرحلة الحيوانات البهيمية التي تتبول وتتغوط كذلك في قارعة الطريق.

بل إن الحيوانات يمكن تربيتها وتأديبها حتى تمنع عن إلقاء قاذوراتها في الشوارع العامة أو في الصالونات وغرف الاستقبال. ويعرف الكلب أو الهرة أن له مكانًا خاصًا ليفرز قاذورات جسمه. فيذهب إليه.

ووظيفة الكحول هي إزاحة هذه الموانع وليس للكحول تأثير تنبيهي قط للخلايا وإنما هو تأثير تخديري وتثبيطي DEPRESSIVE ACTION

على الجهاز العصبي.

فإذا ذهبت الموانع انطلق الشخص دون تحكم فيكثر الكلام ويزداد الهياج ويفقد القدرة على الأعمال التي تحتاج إلى دقة كالطباعة أو سياقة السيارات وتختل الموازين الزمنية والمكانية. فلا يستطيع السائق المخمور أن يتحكم في السرعة وتفادي الحوادث. وتقديره للمسافة مضطرب كما أن تقديره للزمن كذلك. لذا تحرم جميع الدول سياقة السيارات تحت تأثير الخمر وتعاقب على ذلك عقوبات شديدة.

يقول البرفسور الدكتور لورانس رئيس قسم الطب العلاجي أستاذ قسم الفارلماكولجي في جامعة لندن UNIVERSITY COLLEGE-LONDON

في كتابه القيم الاقربازين الإكلينيكية.

CLINICAL PHARMACOLOGY

يقول الدكتور لورانس: «أول ما يفقد من وظائف المخ بواسطة الكحول هو القدرات الدقيقة على الحكم والملاحظة والانتباه أي الخصائص التي حصل عليها الإنسان بالتربية والتعليم التي تشمل مجموع قوى العقل والحكمة في الإنسان. وعند تناول الكحول يجد الخطيب نفسه ينطلق في الحديث دون أن يفكر في العواقب كما أنه يفقد القدرة على التحكم في عواطفه. كما أن الكفاءة العقلية والبدنية تنخفض بتناول الكحول مهما كانت الكمية المتعاطاة قليلة

«وإن الفحوص التي تفوق الحصر قد أكدت هذه الحقيقة. وهي أن الكفاءة والمقدرة لدى الشخص المتعاطي تنخفض بمجرد شرب الكحول حتى ولو كان متعودًا عليها وحتى لو كانت الكمية ضئيلة. ونتائج الفحوص تدل على أن الكحول يقلل من دقة النظر ومن القدرة على السمع الجيد وعلى الشم والطعم كما أن توازن العضلات تفقد وقدرة الشخص على تغيير موقفه وأفعاله الانعكاسية تختل خللًا مشينًا. ويبدأ الدوار VERTIGO والرأرأة NNYSTAGMUS والتخلج ATAXIA كما أن انتباه الشخص وفهم الأمور. والقدرة على اتخاذ القرارات السريعة تختل مهما كانت الكمية المتعاطاة ضئيلة.

ولهذا فإن أي شخص مسئول أو عامل فني أو سائق لسيارة أو طائرة أو مركبة يعرض نفسه والآخرين لأخطار جمة بل يعرضهم للموت المحقق عندما يقدم على شرب الخمور أثناء عمله أو قبله مباشرة.

والأدلة الآن متوافرة على أن شرب الكحول بأي كمية قليلة كانت أم كثيرة «كلما زادت الكمية زاد التأثير» تؤثر في مهارة السائق وقدرته على تفادي الأخطار وفي الواقع أن الخطر الأعظم على الجمهور ليس من الأفراد القليلين الذين يتعاطون كميات ضخمة من الكحول. وإنما الخطر الأعظم هو من الكثيرين اللذين يتعاطون كميات قليلة من الخمر ثم يقومون بسياقة سياراتهم. إذ إن هؤلاء نادرا ما يقعون تحت طائلة القانون. ويحسون بالثقة الكاذبة في أنفسهم فيقومون بسياقة سياراتهم وهم فاقدون لكثير من مهاراتهم وقدراتهم على التحكم.

وتزغلل الرؤية فيرى الواحد اثنين DIPLOPIA وتبدأ الرأرأة NYSTAGMUS ويظهر التخلج في المشي ATAXIa كما يتلعثم الكلام DYSARTHERIA وتكون نسبة الكحول في الدم من ۱۰۰ إلى ۲۰۰ مجم.

3- السكر الطافح:

ويبدأ هذا الدور بالخمول والنعاس وخمود الحركة وتبلد الإحساسات حتى ليصبح الجسم كأنه مشلول تماما ولا يستطيع المصاب القيام إلا بالقليل من الحركات. ويبدأ القيء ويتكرر مع الفواق HICCOUGH ثم تبدأ الغيبوبة وتنخفض درجة حرارة الجسم وفي هذه المرحلة تنشل كرويات الدم البيضاء وتقل مقاومة الجسم للأمراض كما أن مراكز التنفس في المخ تتأثر وتبدأ في مرحلة الشلل.

وكثيرا ما يصاب الشخص بالالتهابات الرئوية في هذه المرحلة وذلك للأسباب الآتية:

1- تدخل مواد القيء من الجوف إلى الرئتين نتيجة شلل الأفعال المنعكسة REFLUX ACTIONS في البلعوم والحنجرة فلا يغطي لسان المزمار أو الغلصمة EPIGLOTTIS على فتحة الحنجرة فتذهب المواد المتجمعة من القيء والإفرازات من الفم إلى الحنجرة إلى القصبة الهوائية فالرئتين.

2- شلل المراكز المخية المسئولة عن التنفس.. ويكون التنفس سطحيا، ومع نزول الإفرازات ومواد القيء إلى الرئتين وشلل مراكز الكحة وطرد البلغم فتتجمع هذه المواد في الرئتين وتسبب التهابها

3- قلة مقاومة الجسم أثناء هذه المرحلة.. حتى أن كرات الدم البيضاء المسئولة عن مقاومة البكتيريا الغازية تنشل وتفقد قدرتها على الدفاع. وكذلك وسائل الدفاع الأخرى تكون غير قادرة على صد العدوان البكتيري والفطري فتهجم هذه الميكروبات على الجسم وترتع فيه دون أن تجد مقاومة تذكر.

وسرعان ما تقضي على الشخص المذكور إلا إذا أسرع بعلاجه وبذل في ذلك جهد ضخم. ومع هذا فرغم الوسائل الطبية الحديثة إلا أن كثيرا من هذه الحالات تخفق رغم ما يبذله الطب.

وخاصة أن هذه الحالات تكون مصحوبة عادة بهبوط القلب نتيجة التسمم الكحولي فإذا ما خرج المريض من داء فإن عليه أن يواجه أدواء أخرى كثيرة كل واحد منها يكفي لقتل إنسان كامل البنية صحيح الجسم. فكيف بمريض تعاورته الأمراض من كل حدب وصوب.. وفقد جسمه القدرة على المقاومة.

وتبلغ نسبة الكحول في الدم ۲۰۰ إلى 300 مليجرام في المائة في هذه الحالة. «1» «والميلجرام واحد على ألف من الجرام» والكمية القاتلة من الكحول هي مائتا سنتي أو ما يعادلها من الخمور أي أربعمائة سنتي من الويسكي أو العرقي مثلا ولكن المدمن لا تقتله أضعاف هذه الكمية لتعود جسمه عليها.. وإن كان قتله بطيئا ففي كل لحظة تموت خلاياه وتهلك ويمشي حثيثا نحو حتفه ونهايته المحتومة.

ملحوظة:

إذا شربت هذه الكمية دفعة واحدة أو خلال ساعة على الأكثر. أما إذا شربت خلال ساعات فلا تكون هذه الكمية قاتلة لأن الكبد يستطيع تمثيل ۱۰ سنتي في الساعة.

الكحول والجلد:

بسبب الكحول توسعا في الأوعية الدموية للجلد نتيجة شلل مؤقت بالمركز الدموي الحركي في النخاع المستطيل.

كما أن هناك تأثيرا مباشرا للكحول بزيادة كمية الماء في الدم ولذا يحتقن وجه شارب الخمر وتحمر وجناته وتحتقن الملتحمة في عينيه. ويحس الشخص بالدفء بعد تناول الكحول. ويفقد الجسم حرارته. ولهذا السبب نفسه يصبح من الخطر على المرء أن يشرب الخمر ويتعرض للجو البارد. فرغم إحساسه بالدفء إلا أنه يفقد حرارة جسمه بسرعة في الجو البارد وينتهي بذلك إلى الغيبوبة فالموت المحقق.

وكثيرون من شاربي الخمور يتعرضون في «أعياد الميلاد ورأس السنة» نتيجة شربهم الخمور وخروجهم إلى الهواء الطلق حيث الجو البارد والثلوج فتهبط حرارة أجسامهم ويلاقون حتفهم من البرد وهم يحسون بالدفء!!

تصور.. يموت الشخص من البرد دون أن يرتجف بل على العكس يموت وهو في منتهى الشعور بالدفء!!

أما الشخص الذي لم يشرب الخمر فيرتجف والارتجاف والارتعاش هو عملية كيميائية معقدة لتحويل الجليكوجين «السكر المخزون» في العضلات إلى سكر جلوكوز وطاقة نتيجة مادة الأدرينالين. ثم تفرز مادة الأدرينالين فتنقبض الأوعية الدموية للجلد تحفظ بذلك حرارة الجسم ويحس الإنسان بالبرد فيفر منه إلى حيث الدفء. وكل هذه وسائل لوقاية الجسم من فقدان حرارته. أما شارب الخمر فإنه يفقد كل هذه الوسائل الفسيولوجية التي منحه الله إياها.. ويفقد حرارة جسمه ويموت من البرد وهو ينعم بالدفء الكاذب.

لذا عندما جاء وفد اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يسمح لهم بشرب الخمر لأن بلادهم باردة في الشتاء. والخمر تساعدهم على الدفء رفض ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى عليهم ذلك. وها هو العلم يثبت بعد ١٤٠٠ عاما أن التدفئة بالخمر ليست إلا خرافة ووهما مثل الخرافات والأساطير الأخرى المنسوجة حول الخمر والتي سنثبت زيفها بالأدلة العملية. وليست الخمر دواء وإنما هي داء. كما أخبر بذلك الرسول صلوات الله عليه. وقد حكي أن مجموعة من الشخصيات الروسية عرضت إسلامهما على الخلافة العثمانية على شرط أن يسمح لهم علماء الشريعة بالخمور بحجة أن بلادهم قارسة البرد. ولكن علماء الإسلام في دار الخلافة رفضوا أن يبيحوا الخمر. وبقيت فتوى هؤلاء العلماء الأجلاء ليثبت الطب بعد قرون صدق ما ذهبوا إليه من أن الخمر لا تدفئ الجسم وإنما تسبب البرد والوفاة من الجو القارس. وإنما هو الدفء الكاذب الذي يعقبه فقدان حرارة الجسم فالموت.

ورغم أن الكحول تؤدي إلى تمدد الأوعية الدموية التي في الجلد وفي الجسم عامة إلا أنها لا توسع الأوعية التاجية «التي تغذي القلب».

وللأسف فإن هذه الحقيقة لا تزال مجهولة حتى بالنسبة لبعض الأطباء الذين لم يطلعوا على منجزات الطب الحديثة. فقد كان الوهم السائد إلى عهد ليس ببعيد أن الكحول توسع الأوعية الدموية بما في ذلك الأوعية التاجية للقلب. ولذا كان الأطباء القدامى يصفونه لمرضى ضيق الشرايين التاجية على أمل أن يحسن ذلك من الدورة التاجية.

ولكن الطب الحديث أثبت أن ذلك الظن ليس إلا من قبيل الوهم. فالكحول لا توسع شرايين القلب التاجية بل على العكس تسبب في تصلب الشرايين التاجية. فالكحول تسبب زيادة في دهنيات الدم من الكريستول والتراجلسيريد CHOLESTEROL AND TRIGLYCERIDES

وهذه تترسب على جدر الأوعية الدموية فتسبب تصلب الشرايين وضيقها.

وهذا بالتالي يؤدي إلى الذبحات الصدرية ANGINA PECTORIS كما يؤدي إلى جلطة القلب CORONARY THROMBOSIS كما أن تضخم عضلة نتيجة الخمور بسبب زيادة في احتياجاتها من الدم وهذا بالتالي يسبب قصورا نسبيا في الدورة التاجية وكما أن هبوط القلب الناتج عن شرب الخمور يؤدي إلى انخفاض قدرة القلب على الضخ وبالتالي يقل الدم في الدورة التاجية.

وهكذا ترى الكحول تسبب نقصا في الدورة التاجية للقلب من عدة طرق. ولا تسبب توسعا في الشرايين التاجية كما كان الوهم سائدا وإنما هي داء وليست دواء. وداء عسير علاجه إلا بالتوقف الفوري عن شرب الخمور. وسنعرض لهذا الموضوع بالتفصيل في باب الخمر والقلب إن شاء الله.

والكحول مدر للبول: لا جدال في ذلك.

وهناك سببان لذلك. أولهما أن الكحول يمنع الغدة النخامية الخلفية POSTERIOR PITUITARY من إفراز الهرمون المضاد للإدرار

ANTI DIURETIC HORMONE «A.D.H»

وهذه الغدة يتحكم فيها المهاد وتحت المهاد من المخ

THALAMUS AND HYPOTHALAMUS

وبما أن الكحول يعطل المناطق المخية فإنه كذلك يعطل وظيفة هذه الغدة فيقل إفراز الهرمون المضاد للإدرار. A.D.H

وثانيهما أن متعاطي الخمور وخاصة البيرة يشرب كميات كبيرة من السوائل فتقوم الكلى بطرد هذه الكميات الزائدة عن حاجة الجسم.

وبالنسبة للمرضع والحامل فإن الخمور تقلل من إفراز مادة الأوكستوسين OXYTOCINE التي تفرزها الغدة النخامية الخلفية.

وهذه المادة هامة لانقباض الرحم بعد الولادة حتى يعود إلى حجمه الطبيعي إذ يبلغ حجم رحم الأم قبيل الولادة أربعين ضعف حجمه الطبيعي بدون حمل. ولا بد من عودة الرحم إلى سابق عهده وإلا تعرض للالتهابات الخطيرة والخمر تعوق ذلك.

كما أن لمادة الأكسيتوسين OXYTOCINE خاصية إنزال اللبن من ثدي الأم. والخمر تمنع ذلك ويؤدي ذلك إلى نقص إدرار اللبن من ثدي الأم التي تشرب الخمر.

كما أن إصابة الأم بنقص التغذية وأمراضها نتيجة لشرب الخمور. يضاعف من أمراض الحمل والولادة كما تقل نسبة إدرار اللبن ويكون الرضيع مصابا بأمراض نقص التغذية وتنزل الخمر في اللبن ويصاب الرضيع بأضرار الخمر وهو لا يزال في المهد.

الخمر والجهاز الهضمي:

إن الكحول بكميات قليلة تهيج الأغشية المخاطية لجدار المعدة وتزيد من إفراز حامض المعدة وهذا يؤدي إذا زاد عن حده إلى قرحة المعدة وقرحة الاثني عشر.

أما إذا شربت الكحول بكميات مركزة مثل الويسكي والبراندي أو بكميات كبيرة من أي نوع ولو كان خفيفا مثل البيرة فإنها تؤدي إلى نقصان وإفراز الحامض وإلـى التهاب المعدة المزمن.

إن كأسا واحدة من الخمر تكفي لإحداث كارثة لمريض قرحة المعدة أو الاثني عشر إذ أنها ربما تسبب نزفا أو انثقابا مما يؤدي إلى الوفاة إذا لم ينقذ المريض بعملية مستعجلة.

وسنذكر بالتفصيل آثار الخمر على الجهاز الهضمي من الفم إلى المريء فالمعدة فالاثني عشر فالأمعاء فالبنكرياس والكبد. وذلك في بابه إن شاء الله.

الخمر والجنس:

هناك وهم شائع وذائع منذ أقدم الأزمنة بأن الكحول تزيد من القدرة الجنسية وواقع الأمر هو كما وصفها شكسبير الشاعر الإنجليزي المشهور بقوله

IT PROVOKES THE DESIRE, BUT IT

TAKES AWAY THE PERFORMANCE

«إنها تحفز الرغبة ولكنها تأخذ معها القدرة على التنفيذ» ولا شك أن الخمور بتخديرها للمناطق المخية العليا تذهب الحياء والاعتبارات الأخلاقية عند الإنسان بل تزيد الرغبة في الجنس وتؤدي في كثير من الأحيان إلى الجرائم الجنسية الغريبة والشاذة إذ أن الوازع الأخلاقي والتفكير في العواقب تشل شللا تاما بالخير.

ولكن الاستمرار في شرب الخمر يؤدي إلى فقدان القدرة على أداء العمل الجنسي وذلك لأن الخمر تؤثر على الجهاز العصبي السمبتاوي -التعاطفي- والنظير السمبتاوي.

وتجد مدمن الخمر لا يكف عن حضــور النوادي الليلية وأماكن العري ويستمتع بالمناظر دون أن تكون لديه القدرة على التنفيذ. بل بلغ الأمر ببعضهم أن يدفع نقوداَ لشباب كي يمارسوا العملية الجنسية أمامه ويستمتع هو بدور المتفرج والمشجع فقط.

وقد أقيمت في مدينة مانشستر بإنجلترا تجربة على أمهر سائقي الأتوبيسات هناك وأعطى كل واحد منهم كمية قليلة من الخمر. ثم سمح لهم بسياقة الأتوبيسات تحت الاختبار ورقم الثقة الزائدة التي كانت تبدو على السائقين إلا أن أخطاءهم كانت مرعبة وستؤدي إلى كوارث.

«ولا يوجد شك في أن الكحول هي السبب الأول في حوادث السيارات والطائرات وما لا يقل عن خمسين في المائة من جميع حوادث السيارات. وللأسف فإن تقارير البوليس هي أقل من هذه النسبة. وذلك لأن إثبات حالة السكر البين ليست بسيرة وخاصة إذا كانت الكمية المتعاطاة قليلة فلا تظهر آثارها كاملة ولا ترتفع نسبة الدم إلى الحد الذي يمنعه القانون. فالقوانين في أوربا وأمريكا تعاقب على شرب الخمور وقيادة السيارات إذا كانت النسبة مائة مليجرام في كل مائة سنتي من الدم.

ويقول الدكتور سيدني كاي في كتابه علم السموم إن الخمر هي السبب المباشر وغير المباشر في خمسين في المائة من مجموع حالات الوفاة التي يفحصها بمعمل الطب الشرعي بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة.

أطوار التسمم بالخمر

ويمكن تقسيم أطوار التسمم بالخمر إلى درجات ثلاث:

١- السكر الخفيف:

وتظهر أعراضه بازدياد الألفة الاجتماعية والابتهاج مع احتقان الوجه وإحساس کاذب بالتنبيه دون ظهور أي خلل عقلي أو عضلي. وفي هذا الطور يقل الوازع الأخلاقي وتنطلق نوازع الأفكار الجنسية. ولذلك كثيرا ما ترتكب الجرائم الجنسية في هذا الطور.

۲- وتتراوح نسبة الكحول في الدم في هذا الدور ما بين خمسين ومائة مليجرام في كل مائة سنتي من الدم.

3- السكر البين:

وتظهر أعراضه بكثرة الكلام واختلال السلوك. وعدم التحكم فيه. فقد يبول الرجل الوقور أمام الناس أو على الأقل يتفوه بكلام بذيء لا يتوقع صدوره منه ويبدأ ظهور الاضطراب على الحركات الدقيقة كالكتابة والرسم والطباعة على الآلة الكاتبة وإن تأخر ظهوره على الحركات الجسمية كالمشي والكلام التي تبدأ في الإضراب فيختلج المشي ويتلعثم الكلام ويثقل اللسان ويتشوش الذهن وتختلط المشاعر والأحاسيس. كما يقل الإحساس بالألم وتقل القدرة على السمع الجيد والشم والطعم. ويزداد احتقان الوجه والعينين.

د. محمد علي البار

الرابط المختصر :