العنوان الخمر بين الطب والفقه ١٤
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1975
مشاهدات 15
نشر في العدد 269
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 30-سبتمبر-1975
الخمر بين الطب والفقه 14
للدكتور محمد علي البار
يصاب بعض مدمني الخمور بمرض زيف Zieve's Syndrome وهو مرض خطير لا يصيب سوى المدمنين. وقد ذكرناه في باب أمراض
الكبد ولكن نعيد فنوجز شرحه هنا.
تظهر على المريض علامات فقر دم شديد نتيجة
تكسر كريات الدم الحمراء في مجرى الدم وفي الطحال بكمية هائلة تفوق تلك التي تتحطم
في الشخص الطبيعي مرات عديدة.
ففي الشخص الطبيعي يحتوي كل مليمتر من
الدم- والمليمتر واحد من الألف من اللتر- على خمسة ملايين كرة دم حمراء، وبالجسم
الإنساني خمسة لترات من الدم، ومعدل عمر كرة الدم الحمراء هو مائة وعشرة أيام،
وتتحطم في كل ثانية 2,500,000 -مليونان ونصف- كما يخلق الله مثلها في كل ثانية، أو
مئتا مليار كرة دم حمراء يوميًا. أما المريض بفقر الدم الانحلالي Haemolytic Anaemia فتتحطم أضعاف هذه الكمية، فتصل الكمية المحطمة ومثلها المخلوقة من
جديد ألفًا وأربعمائة مليار كرة دم حمراء يوميًا.
وفي مرض زيف المذكور تزداد الكمية التي
تتحطم من كرات الدم الحمراء حتى ينتج عن ذلك فقر دم -أنيميا- شديد.
وينتج من زيادة تحطيم كرات الدم الحمراء
وما بها من خضاب الهيموجلوبين، ينتج من هذه الزيادة الكبيرة في الخضاب
الهيموجلوبين Haemoglobin زيادة كبيرة في المادة
الصفراء التي تتكون من عملية تحطيم الخضاب، فتزداد هذه المادة الصفراء المسماة
بيليروبين Bilirubin في الدم زيادة كبيرة مما
يسبب اصفرار الجسم والملتحمة بالعينين، ويكون لون البول شديد الصفرة، بل ويضرب
قليلاً إلى الحمرة.
وتتضخم الكبد وتكون مؤلمة عند اللمس،
ويشتكي المريض من ألم في الشق الأيمن لأعلى البطن.
وترتفع دهنية الدم في هذا المرض ارتفاعًا
شديدًا.
كما يصاب كثير من هؤلاء المرضى بالتهاب
البنكرياس الحاد Acute
Pancreatitis
وهو مرض خطير يؤدي إلى الوفاة.
علاقة ارتفاع دهنية الدم بتصلب الشرايين
إن هناك علاقة وثيقة بين زيادة دهنية الدم
وبين الإصابة بتصلب الشرايين؛ فتتجمع الدهنيات وخاصة الكوليسترول تحت غشاء الأوعية
الدموية مما يسبب ضيقها وتصلبها.
وإذا لم يكن الغشاء الداخلي للوعاء الدموي
Intima ناعمًا فإن صفائح الدم Platelets
تترسب على الجدار وتتكسر وتسبب تخثر الدم Thrombosis
أي الجلطة.
وأنت كما ترى من الرسم أعلاه يضيق الشريان
نتيجة ترسب الدهنيات على الغشاء الداخلي للشريان Intima
فتترسب الصفائح وتتكسر فتقرر خمائرها -إنزيماتها- الخاصة بالتجلط والتخثر Clotting فتحدث الجلطة.
وأهم هذه الجلطات هو ما يصيب الأوعية
التاجية وهي الأوعية التي تغذي عضلة القلب، ويعتبر ضيق الشرايين وتصلبها أهم سبب
لجلطات الأوعية الدموية للمخ وما ينتج عنها من شلل ووفاة.
وتعتبر هذه الجلطات أهم سبب للوفاة على
الإطلاق، وتسمى في الولايات المتحدة القاتل رقم 1.
ولا شك أن شرب الخمور يرفع نسبة الدهون في
الدم، وهذا بالتالي يؤدي إلى ترسيب تلك الدهنيات تحت الغشاء الداخلي للأوعية
الدموية فيضيق الوعاء الدموي، ومن ثم يؤدي الضيق إلى الاختناق والجلطة.
وهكذا يتبين أن الخمور تؤدي إلى جلطات
القلب والمخ وإلى تصلب الشرايين بصورة عامة.
وليست كما كان يظن في السابق حتى في
الدوائر الطبية من أنها توسع الشرايين التاجية.
ورغم أن الخمور تساعد مؤقتًا على تمدد
الأوعية الدموية في الجسم عامة وعلى الأخص الأوعية الدموية المنتشرة تحت الجلد،
إلا أنها تفقد هذا التأثير بالنسبة للشرايين التاجية المغذية لعضلة القلب.
فإذا جمعنا أثر الخمور مع أثر التدخين
وكلاهما مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، إذ إننا نادرًا ما نجد من يشرب الخمر ولا يدخن
أما العكس فقد نجده، فإن الأمر يصبح خطيرًا.
والتدخين بما فيه من مادة النيكوتين يسبب
ضيقًا شديدًا في الأوعية الدموية عامة، ويرفع ضغط الدم، ويزيد وجيب القلب -ضربات
القلب-، وتتعاون المادتان الخبيثتان في تضييق الشرايين: واحدة بترسيب الدهون كما
هو في الخمر، والثانية بانقباض في العضلة الموجودة في جدار الوعاء الدموي وهو ما
تفعله السجائر. وبهذه الصورة تكون الخمور -وخاصة مع السجائر- أحد أهم الأسباب
المؤدية إلى الذبحة الصدرية Angina
Pectoris
وجلطة القلب Coronary Thrombosis. وقد زادت جلطات القلب في
العالم زيادة مرعبة، وأصبحت أهم سبب للوفاة على الإطلاق، ولم تعد تصيب المتقدمين
في السن كما كان ذلك في الماضي، بل إنها صارت تصيب الشباب أيضًا. وقد كان من أندر
النادر أن تصاب امرأة شابة بجلطة القلب، أما الآن فلم يعد ذلك نادرًا، وقد رأينا
نحن عدة حالات من هذا النوع. وكانت تلك المرأة الشابة المصابة قد تعلمت التدخين
وهي في سن الخامسة...
نعم، في سن الخامسة من العمر، وابتدأت
تشرب الخمور عندما كانت في السادسة عشرة، وانتهى بها الأمر إلى الجلطة في سن
السادسة والعشرين! ولعل القارئ سيذهل إن قلت له إن هذه المرأة لم نشاهدها في
أوروبا وإنما شاهدناها وقمنا بعلاجها في بلاد عربية مسلمة!
وجلطة القلب هي السبب الرئيسي لموت
الفجأة؛ إذ إن 60 في المائة من الوفيات الناتجة من جلطة القلب تحصل في الساعات
الأولى من الإصابة، و80 في المائة من الوفيات تتم قبل مضي أربع وعشرين ساعة على
الجلطة.
وكلما تقدم الطب زادت هذه النسبة وارتفعت
الإصابة بجلطات القلب -وانخفض السن الذي يصاب به المرء-.
وهكذا يزداد موت الفجأة مصداقًا لحديث
رسول الله ﷺ عن زيادة موت الفجأة في آخر الزمان.
وقد زاد زيادة مرعبة حتى سمي ذلك المرض
"القاتل رقم 1". ورغم تقدم الطب وتقدم وسائله إلا أن هذا القاتل يغتال
الملايين من البشر في جميع أصقاع الأرض وخاصة البلاد المتقدمة مثل الولايات
المتحدة.
هذا ما علمناه من تأثير الخمور على دهنيات
الدم وعلى الجلطات، فهل لدهون الخنزير على وجه الخصوص مثل هذا التأثير؟
لم تتضح بعد -حسب علمي- أي دراسة عن هذا
الموضوع، وإن كانت الدهون الحيوانية متهمة على العموم... ودهن الخنزير Lard
به كثير من ثلاثي الجليسريد Triglycerides وهو مكون من جليسريل +
بالمتات، وبه مواد أخرى كالكوليسترول، فهل لهذه الدهنيات على وجه الخصوص تأثير
خاص؟
لا أستطيع أن أقول إن هناك دراسات خاصة
بذلك، ولكن من المؤكد أن هذه الدهنيات هي مما يسبب تصلب الشرايين وارتفاع دهنية
الدم والجلطات.
وربما يظهر في القريب أن لدهون الخنزير
خصوصية في ذلك، ولن نسبق الحوادث ولكن غدًا لناظره قريب.
هبوط ضغط الدم Postural Hypotension
يتسبب شرب الخمور في انخفاض ضغط الدم عند
الوقوف من وضع الاستلقاء، ويؤدي ذلك إلى الشعور بالدوخة، فإذا انخفض كثيرًا أدى
إلى الإغماء. وقد يصاب المريض أثناء ذلك بجلطة في المخ أو في القلب نتيجة نقص الدم
إلى تلك الأعضاء.
وخاصة إذا كانت تلك الأوعية مصابة بتصلب
الشرايين كما هو معهود في كثير من المدمنين نتيجة زيادة دهنية الدم. وأما سبب
الانخفاض في ضغط الدم فذلك لأن الأوعية الدموية تنبسط وتنقبض حسب حاجة الجسم؛ فإذا
وقف المرء فإن هذه الأوعية تنقبض حتى لا ينخفض الموجود.
وضغط الدم ناتج عن اندفاع الدم في الأوعية
الدموية ومقاومة الأوعية لمروره، فأنت إذا دفعت الماء في أنبوبة فإن ذلك سيولد
ضغطًا على جدار الأنبوبة، ولكن الأنبوبة ثابتة القطر ولا تستطيع أن تضيق قطرها أو
توسعه، أما الأوعية الدموية فقد منحها الله القدرة على الانقباض أو الانبساط حسب
الحالة المطلوبة، وذلك بواسطة الجهاز العصبي المسمى الجهاز السمبتاوي -أي
التعاطفي- Sympathetic Nervous
System.
ويقوم الجهاز السمبتاوي بتغذية جميع
الأوعية الدموية، ويفرز مادة الأدرينالين والنور أدرينالين اللتين تقومان بتضييق
أو توسيع مجرى الدم في الوعاء الدموي، وذلك يجعل العضلة الموجودة في الوعاء الدموي
تنقبض أو تنبسط.
ولكن شرب الخمور يصيب هذا الجهاز العجيب
في الصميم فتنشل الأعصاب السمبتاوية وتبقى الأوعية الدموية بدون تحكم وكأنها
أنبوبة من حديد؛ فإذا وقف المرء تجمع الدم أسفل الجسم وانخفض بذلك ضغط الدم، فيقل
الدم الذاهب إلى المخ أو القلب مما يسبب الإغماء والذبحة الصدرية.
فإذا كان الانخفاض في الضغط شديدًا أدى
ذلك إلى الجلطة.
كما أن للخمور تأثيرًا آخر وهو تمدد
الأوعية الدموية بالجلد والعضلات والأحشاء مما يسبب هبوطًا في ضغط الدم، وهكذا
تتضافر الطريقتان في تسبب هبوط الضغط.
والعلاج يكون بالتوقف الفوري عن شرب
الخمور وعدم الرجوع إليها مطلقا.
كما تُعطى بعض المواد التي ترفع الضغط أو
تُلبس أربطة ضامة أو شراب ضام عند النوم، بحيث إذا وقف المرء لم ينخفض الضغط
انخفاضًا شديدًا.
وينصح المرء بعدم الوقوف مباشرة من وضع
المستلقي، بل عليه أن يجلس أولاً لعدة دقائق ثم يقف بعد ذلك.
أمراض الدم الناتجة عن شرب الخمور
الدم سائل لزج غير شفاف أحمر اللون، يكون
ورديًا إذا كان محملاً بالأوكسجين في الشرايين نتيجة تأكسد -الهيموجلوبين- الخضاب،
كما يكون قاتمًا عند حمله ثاني أوكسيد الكربون في الأوردة، وهو قلوي التفاعل
وكثافته النسبية أكثر من كثافة الماء فتبلغ كثافته 1060.
ويتكون الدم -كما هو معروف- من سائل
-بلازما- الدم ومن خلايا، وتتكون الخلايا من: 1- كرات دم حمراء. 2- كرات دم بيضاء.
3- صفائح.
ويكون الدم 8 في المائة من جسم الإنسان،
وبالإنسان البالغ خمسة لترات من الدم تكون البلازما منها 56 في المائة وتكون
الخلايا الـ 44 الباقية.
وتتكون البلازما -سائل الدم- من ماء
وأملاح وبروتينات هامة هي:
- الزلال -الألبومين- (Albumin)
- والجلوبيولين Globulin
- والفيبرينوجين Fibrinogen
-مولد الليفين-.
كما تحمل كل الأنزيمات -الخمائر- الهامة
والهرمونات.
ووظائف الدم عديدة وأهمها ما يلي: 1- نقل
المواد الغذائية المهضومة من الجهاز الهضمي إلى الكبد وإلى كافة أجزاء الجسم. 2-
نقل الأوكسجين من الرئتين بواسطة الخضاب الهيموجلوبين – Haemoglobin
الموجود بكرات الدم الحمراء إلى خلايا الجسم، فتقوم الخلايا بحرق الجلوكوز الذي
يحمله الدم أيضًا وتحويله إلى طاقة وثاني أوكسيد كربون وماء... ومرة أخرى يقوم
الدم بحمل هذه المنتجات كلها؛ فهو ينقل الحرارة والدفء إلى أجزاء الجسم كلها، كما
أنه ينقل الماء إلى الكلى لإفرازه، وينقل ثاني أوكسيد الكربون بواسطة الخضاب
-الهيموجلوبين- إلى الرئتين لإفرازه مع هواء الزفير. 3- نقل مواد الإخراج أي
المواد السامة التي تنتج عن تمثيل الغذاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل