العنوان الخمر بين الطب والفقه
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1975
مشاهدات 87
نشر في العدد 253
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 10-يونيو-1975
الخمر بين الطب والفقه
وهذه الأنبذة تترك أكثر من ثلاثة أيام بلياليها حتى تتحلل المواد النشوية التي في الحبوب ثم تفعل بها الإنزيمات «الخمائر» فعلها فتحولها أولًا بواسطة إنزيم الدياسيتز Diastase من نشا إلى سكر ثنائي، ثم يتحول السكر الثنائي إلى سكر أحادي مثل الجلوكوز أو الفركتوز، ثم يستمر تحول السكر الأحادي Monosaccharide إلى كحول إيثيلي Ethyl Alcohol ، وثاني أوكسيد كربون CO2 ، ويترك ذلك حتى تتكون الكمية المطلوبة من الكحول من ثلاثة إلى تسعة بالمائة، ثم توقف عملية التخمر وتضاف عندئذ بعض الأعشاب مثل عشب الجنجل ويسمى أيضًا حشيشة الدينار وهو نبات عشبي معمر وله طعم قارص ويعطي الشراب اللذعة المطلوبة عند من يبتغيها.
كما يدخل قطعًا في هذا التعريف الخمور المسماه بالخمور المقطرة Distilled Spirits مثل الويسكي، والبراندي، والروم، والجين، وهو لا شك أشد وأنكى من كل ما ذكرنا من أنواع الخمور أي الأنبذة والمشروبات المخمرة Brewed Beverages ، فهي تحتوي أولًا على نسبة عالية جدًا من الكحول «٤٠ إلى ٦٠ بالمائة»، بينما تحتوي الأنبذة على نوعيها: في المقواة Fortified Wines إلى نسبة عشرين بالمائة، والعادية Ordinary Wins إلى نسبة عشرة بالمائة، أما المشروبات المخمرة Brewed Beverages فلا تحتوي في العادة على أكثر من ستة بالمائة من الكحول.
تعريف الخمر في الكيمياء:
الخمر هي الأشربة التي بها كمية من الكحول، والكحول، أو الغَوْل في أصل اللغة العربية هو ما ينشأ عن الخمر من صداع وسكر؛ لأنه يغتال العقل، وقد نفى الله تعالى عن خمر الجنة هذه الصفة فقال ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾. [الصافات: 47].
أول من اكتشف الغول «الكحول» هم الكيميائيون العرب، وقاموا بتحضيره ثم ترجم الأفرنج عنهم هذه الكلمة فنقلوها إلى لغتهم فصارت Alcohol ، وهذا ما تقرره المعاجم اللغوية الإنجليزية والفرنسية مثل معجم لاروس الفرنسي، والغول «الكحول» هو اسم عام يطلق على جملة من المركبات الكيماوية لها خصائص متشابهة ومكونة من ذرات الهيدروجين والكربون «الفحم»، وآخرها مجموعة هيدروكسيلية أي ذرتي أوكسيجين و هايدروجين (Hydroxyl Group (OH المركبات تدعى «الغولات» -، أو «الأغوال» جمع غول، ومنها الكحول المثيلي Methyl Alcohol ولما كان الكحول الإيثيلي أكثرها شيوعًا واستعمالًا اصطلح العلماء على تخصيصه باسم الكحول، وهو روح الخمر ويدعى بالإنجليزية Spirit أي روح ويقصدون روح الخمر.
والاسبيرتو الذي يستخدم للوقود يحتوي في العادة على كمية من الكحول المثيلي السام إذ تضيفه الحكومات عمدًا حتى لا يشرب، ولذا كان شرب السبيرتو مميتًا في أغلب الحالات على الفور بينما شرب الخمور مميت على المدى الطويل.
والكحول الإيثيلي Ethyl Alcohol سائل طيار ليس له لون وله طعم لاذع، وأقوى الخمور يحتوي في العادة ما بين ٤٠ إلى ٦٠ بالمائة منه، وهي الخمور المقطرة Distilled Spirits مثل الويسكي، والجين، والبراندي.
ويستعمل الكحول في الصناعة كحافظ لبعض المواد، وكمادة منشفة للرطوبة Dehydrating Agent کمذیب لبعض المواد القلوية والدهنية Solvent ، وكمقاوم للتجمد Antifreeze ، كما يستخدم في الطب كمطهر للجلد، ومذيب لبعض الأدوية التي لا تذوب إلا في الكحول، ويستخدم بكثرة كمذيب للمواد العطرية «الكولونيا»، والروائح.
وتتكون الكحول في الخمر بواسطة «أنزيمات» خمائر موجودة في فطر يدعى Yeast تقوم بتحويل المواد السكرية الموجودة في الفواكه مثل العنب والرطب والتين، والنشوية الموجودة في الشعير والذرة والحنطة إلى كحول إثيلي. وذلك بعمليات بطيئة متتابعة.
وقد كانت هذه الطريقة تستعمل منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا للحصول على الخمور وبهذه الطريقة يمكن الحصول على جميع أنواع المشروبات المخمرة Brewed Beverages مثل الجعة «البيرة» من الشعير «Ale» من الحنطة والسكركه من الذرة والبتع من العسل. كما يمكن بهذه الطريقة الحصول على جميع أنواع الأنبذة «بمفهومها اليوم» Wines مثل الشيري والبوردو البورت والشمبانيا والعرق، إلخ. وذلك بإضافة نبات الخميرة Yeast إلى الفواكه مثل العنب والتمر التين، إلخ. وفي العصر الحالي زرع هذه الخميرة في المختبرات تضاف إلى الفواكه بكميات ومقادير محسوبة وتوضع في درجة حرارة ملائمة أي أقل من ستين درجة مئوية لأن الحرارة الشديدة تقتل الانزيمات «الخمائر» كما أن البرودة الزائدة توقف عملها. وهكذا تحفظ هذه الفواكه بعد إضافة الخميرة في درجة حرارة ملائمة حتى تسرع عملية التخمر الذاتي Fermentation وهكذا تحول السكر إلى كحول إثيلي Ethyl Alcohe وثاني أكسيد كربون وماء.
وفي معظم الأنبذة يترك غاز ثاني أكسيد وأكسيد الكربون يتطاير في الهواء هو سبب الزبد أو الرغوة التي تظهر على الخمر عند اشتدادها كما يعرفها الفقهاء ثم تسكن وترقد وذلك لتطاير الغاز المذكور. ولكن هذا الغاز يحبس في الشمبانيا ونبيذ المسكرات مما يسبب فرقعة عند فتح القارورة من هذا الشراب لتطاير الغاز المضغوط فجأة كما أن هذا الغاز هو السبب في الحبب الذي يعلو الخمر عند صبها والذي يعجب به شعراء الخمريات مثل أبي نواس.
أما في العصور الحديثة فقد استخدمت طريقة جديدة مغايرة لتلك الطرق المعهودة منذ أقدم الأزمنة، وذلك باكتشاف عملية التقطير Distillation وتعتمد فكرة التقطير على أن درجة غليان الكحول تتم قبل غليان الماء فالكحول يغلي ويتبخر عند درجة ۷۸ مئوية بينما لا يتبخر الماء حتى تصل درجة حرارته مائة. فإذا تبخر الكحول عند درجة ۷۸ والماء لا يزال سائلًا، يتطاير الكحول بمفرده إلى أعلى الأنبوبة. وهناك يبرد ويتكثف ثانية ويتحول إلى سائل مرة أخرى. وبهذه الطريقة أمكن تقطير النبيذ للحصول على البراندي وتقطير الجعة «البيرة» للحصول على الويسكي، أما الجين فيصنع بطريقة مغايرة: يحضر أولًا كحول بتركيز خمسين في المائة ثم يضاف إليه توت نبات العرعر Juniper Berries وبعض الأعشاب الأخرى وتترك فترة كافية حتى تذوب فيها. أما شراب الروم Rum فيصنع بتقطير الخمر المصنوعة من دبس السكر «المولاس» Molasses وهو المادة اللزجة التي تنفصل عن قصب السكر عند صنع السكر وقد صنع شراب سرًا في بعض البلاد العربية التي تحرم الخمور بهذه الطريقة أي بإضافة سكر وفطر خميرة وماء ثم يقطر محليًا حتى تتركز كمية الكحول وقد اشتهر هذا الشراب باسم صديقي جوس Sidiqi Juice . أما العرق المصنوع في كثير من البلاد العربية سرًا وجهرًا فهو يصنع في العادة من العنب أو التمر بإضافة الماء وفطر الخميرة حتى Yeast يغلي ويعلوه الزيد أي حتى تتحول المواد السكرية إلى كحول ايثيلي وثاني أكسيد كربون. وهو بهذه الصنعة يشبه تمامًا الأنبذة المذكورة مثل الشمبانيا والبورت والكونياك إلخ. وقد أضاف بعض من يصنعون العرق سرًا في بعض البلاد العربية حبوب الداتورة التي بها مادة الاتروبين والهايوسایمین Atropine and Hyoscyamine وذلك للإسراع بغليانه واشتداد مفعوله، وبذلك تزداد سمية هذا المنقوع السام.
كما انتشر في السنوات الاخيرة استعمال حبوب «الامفيتامين» Amphetamine وتعرف عند العامة بحبوب الكونغو لأنها هربت أول الأمر مع بعض من يأتون من الكونغو. ويستعملها بكثرة السواقون وخاصة في أيام المواسم لأنها تساعد على السهر والعمل المتواصل دون كلل أول الأمر. ولكن عاقبتها وخيمة إذ يشبه ذلك ضرب حصان ودفعه إلى الجري حتى يقع مغشيًا عليه، تسبب الإدمان وأول من استعملها على نطاق واسع هو هتلر عندما أعطاها لجنوده فكانوا يقومون بأعمال متواصلة لعدة أيام دون كلل. كما اشتهر بها أنتوني ايدن رئيس وزراء بريطانيا الأسبق وصاحب حملة السويس المشهورة، وأدى ذلك إلى إخراجه من كرسي الحكم ومن رئاسة حزب المحافظين وانتهى به الأمر إلى مصحة.
وقد ذكرنا عنها هذه النبذة لأنها تضاف إلى العرق المصنوع سرًا حتى تزيد مفعوله. لا شك أنها تسبب الهياج الشديد كما تسبب زيادة مؤقتة في النشاط الجنسي ويعقب ذلك رد فعل عنيف فيدخل المرء في سبات عميق بعدها وينتهي الأمر إلى العنة.
كما قد يضيف بعض من يصنعون العرق سرًا مادة مذيب البويه وكحول نشارة الخشب وهما من الكحول المثيلي أشد أنواع الحكول سمية، ويسبب العمى وتسمم عضلة القلب Toxic Myocarditis مما يؤدي إلى الوفاة خلال أيام قلائل.
وهناك العديد من الطرق التي يستخدمها صناع الخمور السرية ليزيدوا من درجة الإسكار وبالتالي درجة السمية Toxicity لهذه المواد التي يبيعونها سرًا فأف لهم وأف لتلك العقول الضالة التي تشتري هذا السم الزعاف بدلًا من شراء القوت الضروري للنفس والأسرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل