; الخلافات الشيعية من إيران إلى لبنان «الحلقة الثالثة والأخيرة» | مجلة المجتمع

العنوان الخلافات الشيعية من إيران إلى لبنان «الحلقة الثالثة والأخيرة»

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

مشاهدات 60

نشر في العدد 742

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

تناولنا في الحلقتين الأولى والثانية من حديثنا حول الخلافات الشيعية كلًا من النموذجين الإيراني والعراقي، وقد بينا أطر الخلاف بين الأطراف المختلفة داخل الحركة الشيعية الإيرانية والعراقية، ونتناول في هذه الحلقة جوانب الخلاف داخل الحركة الشيعية اللبنانية باعتبارها أحد الأطراف الفاعلة داخل جسم الحركة الشيعية العامة، كما هو حال مثيلاتها في كل من إيران والعراق..

ثالثًا: النموذج اللبناني:

تعتبر الطائفة الشيعية من أكبر الطوائف اللبنانية، ورغم ذلك فإن شيعة لبنان لم يكن لهم دور سياسي فاعل على الساحة اللبنانية، حيث كان التمثيل الشيعي محصورًا بالزعامات العائلية الإقطاعية، التي كانت تتصدى لمنصب رئاسة مجلس النواب الذي خصص بموجب ميثاق 1943م للطائفة الشيعية، وكان جوهر الخلاف بين هذه الزعامات العائلية الشيعية يدور حول الترشيح لهذا المنصب، الذي كان يتوارثه كل من كامل الأسعد الذي يهيمن على شيعة الجنوب تارة، وصبري حماده الذي كان يهيمن على شيعة البقاع تارة أخرى.

وبين هذا وذاك كانت الطائفة الشيعية توزع ولاءاتها السياسية تلقائيًّا بدون النظر إلى أهلية هذين الفريقين في تمثيل الطائفة، وذلك لعدم توفر الوعي السياسي.

واستمر حال الطائفة الشيعية على هذا النحو إلى أن كان الظهور المفاجئ للإمام موسى الصدر في أوائل الستينات، والذي تغيرت بقدومه الخارطة السياسية للطائفة الشيعية في لبنان.

الصدر وبداية الخلاف:

رغم أن ظهور موسى الصدر كان يشكل نقطة تحول تاريخية بالنسبة للطائفة الشيعية في لبنان، إلا أن ذلك لا يعني أن احتواء القاعدة العريضة للطائفة تم بدون عقبات كما يظن البعض، ويمكننا القول: إن الطائفة لم تعرف معنى الخلاف إلا بعد وصول موسى الصدر، وبدء تحركه على الساحة الشيعية في الجنوب، فقد وضع موسى الصدر منذ وصوله - أو بالأحرى وضعت له حتى من قبل وصوله - خطة متكاملة - من قبل القوى التي يسرت له الطريق من إيران إلى لبنان - تتضمن أهم الأهداف التي أرسل من أجلها، وتتعلق باحتواء الطائفة الشيعية اللبنانية، وسحب البساط من تحت أقدام القيادات السابقة.. إلخ، وبالطبع فإن تحقيق هذه الأهداف لم يكن ليصل إليه الصدر بسهولة وخاصة أن الطائفة الشيعية في لبنان استقرت على أسلوب سياسي معين لفترة تاريخية طويلة.

ولذلك فإن تحرك موسى الصدر ولَّد خلافات عديدة داخل الطائفة بسبب رفض العديد من الشرائح الشيعية لتحركات الصدر السياسية، وكان أهم هذه الخلافات تتركز بين موسى الصدر والقيادات السياسية التي كانت تهيمن على الطائفة الشيعية لفترة طويلة من أمثال حمادة والأسعد ومن يدور في فلكهما، بسبب شعور هذه القيادات بخطورة التحرك الذي يقوم به الصدر داخل الطائفة على مستقبلها السياسي، ولكن هذه القيادات لم تتمكن من الصمود أمام التحرك الفاعل للصدر الذي أسقط جميع هذه القيادات، وسحب البساط من تحت أقدامها، ومن ثم حصر قيادة الطائفة في شخصه فقط.

ودخل الصدر أيضًا في خلافات مع القيادات الشيعية الحزبية التي كانت تلتزم بمناهج سياسية متناقضة مع أطروحات الصدر، ومعظمها كان ينتمي لليسار اللبناني، ورغم خبرتهم الطويلة في العمل السياسي إلا أن الصدر تمكن في النهاية من احتواء معظم قواعدهم الشيعية، وقد عاشت الطائفة نتيجة للتناقض بين الصدر والقيادات السياسية الشيعية مرحلة من الخلاف والصراع طوال فترة الستينات وبداية السبعينات.

المرحلة الثانية من الخلاف:

كان الخلاف داخل الطائفة الشيعية في مراحله الأولى محصورًا بين الصدر وبين القيادات السياسية الشيعية المختلفة، إلا أن المرحلة الثانية من الخلاف تميزت بأنها كانت بين الصدر واتجاهات شيعية لا تختلف في منطلقاتها وشعاراتها عن منطلقات الصدر وشعاراته، وقد ظهر ذلك بعد أن أعلن الصدر عن تشكيل ما سمي بالمجلس الشيعي الأعلى، وإنشاء حركة أمل؛ لتكون بمثابة المليشيات المسلحة للطائفة، التي يمكن أن تساند الصدر في تحقيق مخططاته وأهدافه، وقد ظهرت أول بوادر الخلاف داخل الطائفة حين أعلن عن تشكيل ما سمي بالتنظيم الثوري الشيعي، الذي كان يعترض على وضع جميع أمور الطائفة الشيعية في يد الصدر. كما أثارت هيمنة الصدر على الطائفة حفيظة زعامات شيعية أخرى لم يرق لها ما يفعله موسى الصدر، فكان الخلاف معه حتميًّا لا بد منه، وكان الإمام حسن الشيرازي أحد أهم الوجوه الشيعية المعارضة لموسى الصدر، مع أنه كان من أصل إيراني كما هو الحال بالنسبة لموسى الصدر، وكان الشيرازي قد حضر إلى لبنان في نهاية الستينات في مهمة تتعلق بأوضاع الشيعة اللبنانيين!! وهي نفس الادعاءات التي قيلت عند ظهور موسى الصدر.

وقد ظهر أن خطط الشيرازي لم تكن متفقة مع خطط الصدر، ولهذا قام الشيرازي بتشكيل هيئة أخرى مقابل المجلس الشيعي الأعلى أطلق عليها اسم جماعة العلماء الشيعة في لبنان، ويقول الشيرازي في معرض تعليقه على الاختفاء الغامض لموسى الصدر: «لقد انقطعت أخباره وانتهى..»، وهذا يعني ترحيبه الضمني بهذا الاختفاء، ويقول الشيرازي أيضًا ردًا على سؤال صحفي حول اختفاء موسى الصدر: «من الأفضل كتمان المعلومات الحقيقية»، وقد قتل الشيرازي غيلة في عام 1980م، ومن المحتمل أن يكون لموقفه المعارض لخط الإمام موسى الصدر دخل في عملية الاغتيال. 

ويقول الشيخ عبد الأمير قبلان المفتي الجعفري في معرض تعليقه على الخلاف داخل الطائفة في مقابلة له مع مجلة الأسبوع العربي: «إن وجود الخلافات داخل الطائفة أمر حقيقي، ولكني أعتقد أنه حين تتعرض الطائفة للخطر، فإن جميع الأطراف تعمل على إنهاء هذه الخلافات». 

ويؤكد المفتي الجعفري قبلان في معرض رفضه للأطراف الشيعية الأخرى المتواجدة على الساحة اللبنانية: «أن المجلس الشيعي الأعلى وحركة أمل هما خط الإمام موسى الصدر الذي يمثل الشيعة في لبنان». 

ولكن الشيخ محمود فرحات أحد الوجوه القيادية في الطائفة الشيعية يؤكد على أن هناك اتجاهات مغايرة ومخالفة لخط موسى الصدر، فيقول: «لقد حاولت حين كان الإمام موسى الصدر موجودًا بيننا رأب الخلافات التي كانت قائمة بينه وبين خصومه الدينيين والسياسيين في الطائفة الشيعية». 

وكان الشيخ فرحات يرى أن المجلس الشيعي الأعلى لا يمثل جميع الأطراف الشيعية، بل هو طرف من هذه الأطراف، وفريق من الفرقاء داخل الطائفة، ولذلك عمد فرحات إلى الإعلان عن تكوينه «تجمع علماء الطائفة الشيعية» بهدف إلغاء المحاور، وتذويب الخلافات داخل الطائفة كما يقول فرحات، ويبرر اتجاهه هذا بأنه لاحظ كثيرًا من شباب الطائفة يفتشون عن أطر أخرى لتحقيق طموحاتهم بعيدًا عن المجلس الشيعي الأعلى.

المرحلة الثالثة من الخلاف:

لاحظنا في تعرضنا للمرحلتين السابقتين من الخلاف داخل الطائفة الشيعية أنه تميز بكونه خلافًا سياسيًّا أو شخصيًّا، بينما تتميز المرحلة الثالثة من الخلاف بين الأطراف المختلفة داخل الطائفة الشيعية بأنها خلافات منهجية، وقد ظهرت هذه الخلافات بوضوح على الساحة الشيعية اللبنانية ما بين عامي 82 - 83 من خلال الانشقاق الذي حصل في حركة أمل، وظهور ما سمي بحركة أمل الإسلامية التي تزعمها حسين الموسوي، الذي كان أحد القيادات البارزة في حركة أمل التي أسسها موسى الصدر، وتزعمها من بعده نبيه بري، وأيضًا ظهور تنظيم شيعي آخر أطلق عليه اسم حزب الله، ومن قادته الشيخ إبراهيم الأمين وصبحي الطفيلي، ويعتبر الشيخ محمد حسين فضل الله الموجه الديني والتربوي لحزب الله.

ومن هنا يمكن القول: إن تطور الخلافات داخل الطائفة الشيعية حصرت الطائفة في تنظيمات ثلاث هي:

حركة أمل: بزعامة نبيه بري. 

حركة أمل الإسلامية: بزعامة حسين الموسوي.

حزب الله: بزعامة محمد حسين فضل الله.

وبينما تتفق معظم أطروحات أمل الإسلامية وحزب الله، نرى أن هذه الأطروحات تتناقض مع حركة أمل، وقد تعرضنا في أعداد سابقة من «المجتمع» إلى المنطلقات والتوجهات الفكرية لهذه المنظمات الشيعية - ويمكن العودة إليها - ومع ذلك يمكن تذكير القارئ بأن أمل الإسلامية وحزب الله تتبنى بالكلية الخط الإيراني، وتعتبر نفسها امتدادًا للثورة الإيرانية، ورديفًا مباشرًا لها، ومن هنا فإن نظرتها للقضية اللبنانية تنطلق من هذا المنطلق، بينما تقف حركة أمل التي يقودها نبيه بري العلماني النزعة الأمريكي التوجه على العكس من ذلك، فرغم ادعائها بقبول زعامة الخميني إلا أنها تقول: إنها تقبل فقط بالزعامة الروحية، بينما تتحرك على الساحة اللبنانية من منطلقات مغايرة تمامًا لمنطلقات حزب الله، ولأمل تحالفات مشبوهة على الساحة الداخلية؛ فهي تتحالف مع الأحزاب العلمانية والدروز، وتقبل بالرئاسة المسيحية على رأس الدولة اللبنانية، ولها تحالفات خارجية مع أطراف عربية وقوى دولية معادية للعالم الإسلامي والحركات الإسلامية، ولهذا يقول الشيخ صبحي الطفيلي الأمين العام لحزب الله: «إن هناك فوارق أساسية بيننا وبين حركة أمل في القرار، والخط السياسي بالنسبة للبنان وخارج لبنان». انتهى

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 321

108

الثلاثاء 19-أكتوبر-1976

محليات (321)

نشر في العدد 316

85

الثلاثاء 07-سبتمبر-1976

لا تتخذوا من حياة الأنبياء تجارة