العنوان الخط الملتهب في العلاقات الصومالية- الإثيوبية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
مشاهدات 65
نشر في العدد 1327
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
بعد نضال طويل، تمكنت القومية الصومالية من تحقيق أول أهدافها وهو التخلص من السيطرة الأجنبية التي فرضت على الصومال بالقوة والقهر.. فقد انتهت الأحداث في القسم الخاضع لبريطانيا إلى استقلاله في يوم ٢٦ من يونيو 1960م، وفي اليوم الأول من يوليو ١٩٦٠م نال الصومال الجنوبي أيضًا استقلاله من إيطاليا واتحد الإقليمين -الشمالي والجنوبي- في اليوم نفسه نتيجة للإصرار الشعبي على الوحدة التي كانت أمل الشعب الصومالي على مر السنين وتكونت الجمهورية الصومالية، لكن المشكلة التي خلقها الاستعمار ظلت قائمة، وهي التقسيمات التي لم تراع إلا مصلحة المستعمر دون مراعاة حقوق الشعب الصومالي الواحد، وقد اتخذت الجمهورية الصومالية لنفسها علمًا ذا لون أزرق فاتح تتوسطه نجمة بيضاء ذات خمسة أطراف ترمز إلى أجزاء الصومال الخمسة.
ورأت الدولة الوليدة أن من واجبها مساعدة الصوماليين عبر الحدود بالتأييد المادي والمعنوي، ونصت في دستورها الأول عام ١٩٦٠م مادة «٦» على سعيها إلى تحقيق وحدة الأراضي الصومالية، ومن هنا دأبت على أن تحمل معها مشكلة الصومال الغربي إلى المحافل الدولية والإقليمية، وكان ذلك مبدءًا لا يمكن لأي حكومة أن تحيد عنه بأي حال من الأحوال، فهو أمر مصيري منصوص عليه في الدستور.
موقف إثيوبيا والصومال
أولًا: الموقف الإثيوبي:
لأن إقليم الصومال الغربي خاضع للاستعمار الإثيوبي، فإن إثيوبيا تبذل قصارى جهدها للحصول على سند يدعم موقفها حتى يستمر احتلالها للإقليم، لذلك كانت تلجأ إلى مزاعم واهية لا ترقى إلى مصداق الحجج الدامغة والمقنعة، وهذه هي المزاعم:
۱- ضرورة فرض الأمر الواقع وتقبل الحدود القائمة بدعوى أنها حدود دائمة، وأن إعادة النظر في الحدود من شأنه أن يؤدي إلى تمزيق كيانها، حيث إنها تتكون من أخلاط متباينة دينيًّا وعرقيًّا ولغويًّا، وأن المساس بالحدود القائمة يعتبر سابقة انفصالية تحتذي بها الجماعات الأخرى.
2- الزعم بعدم وجود أمة أو دولة صومالية من الناحية التاريخية.
3- الزعم بأن المشكلة القائمة بينها وبين الصومال إنما هي مشكلة الحدود فقط، ولا تتعلق على الإطلاق بحق تقرير المصير الشعب الصومال الغربي.
ثانيًا: الموقف الصومالي:
1- لم تكن الحبشة دولة في الأرض الصومالية في أي زمن من الأزمان، بل إن أول جزء احتلته هو مدينة هرر كان في عام ۱۸۸۷م، كما أن شعوب المنطقة تحارب ضد قوات الحبشة للاستقلال عنها.
2- الحدود التي تزعمها إثيوبيا لم تعترف بها الصومال أبدًا، بل قاومت هذا الزعم بكل السبل والوسائل.
3- إن قرارات الأمم المتحدة المتكررة قبل الاستقلال لم تعترف أيضاً بالحدود الحالية، بل كانت تسميها منطقة الحدود المؤقتة.
4- الإقليم كان تابعًا لبريطانيا في مرحلة معينة على أساس اتفاقية الحماية البريطانية عام ١٨٨٤م، مع سكانه الصوماليين، وانتفت فيها أي علاقة إثيوبية بالإقليم، وأثبتت فيها الاعترافات والمعاملات الدولية الضمنية منها والصريحة كيانه المستقل عن إثيوبيا.
5- إن الاتفاقيات الاستعمارية بين إثيوبيا والدول المستعمرة الأوروبية وبخاصة بريطانيا ترمي إلى نقل أجزاء من القطر الصومالي إلى إثيوبيا، وبموجب المبدأ القانوني الأساسي أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن الاستعمار الأوربي لا يتمتع بالملكية القانونية على القطر الصومالي، ولا يملك السند الصحيح لنقله إلى طرف ثالث وهو في هذه الحالة إثيوبيا.
٦- لم يكن الشعب الصومالي على علم بهذه الاتفاقيات الاستعمارية والتي استولت بموجبها إثيوبيا على القطر الصومالي، ولم يسأل عنه أبدًا في هذه المسألة، وحين أدرك الخيانة البريطانية عام ١٩٣٤م، قتل الضابط المسئول عن ترسيم الحدود في القطاع الشمالي من الصومال.
7- إن هذه الاتفاقيات الاستعمارية تناقض حق تقرير المصير الذي جاء في ميثاق الأمم المتحدة.
8- إن إثيوبيا كانت ولا تزال تشكل قوة استعمارية، ولا فرق بين استعمار أوربي أو إفريقي، فكل سلطة أجنبية تفرض على السكان دون أخذ رأيهم أو موافقتهم هي استعمار صريح، من هنا، فالمسألة الأساسية ليست مسألة حدود، وإنما مسألة استعمار ينطبق عليه كل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.
9- إن الصومال لا يقف حجر عثرة أمام إقليم الصومال الغربي، إذا ما اختار أن يكون لنفسه دولة مستقلة عن الصومال الأم، المهم أن يخرج الشعب من يد الاستعمار، ويختار هو ما يريده، وليس على الصومال إلا أن يحترم إرادة هذا الشعب، كما أن الصومال سعى لتحرير جيبوتي من الاستعمار الفرنسي، وارتضى أن تكون جمهورية مستقلة عن الصومال بعد استقلالها.
۱۰- وإذ تمد الصومال إلى شعب الصومال الغربي يد المساعدة حتى يقرر مصيره بنفسه، فلا ترى إلا أن ذلك قدرها وكذلك العهد الذي قطعته على نفسها عندما نالت استقلالها وهي أن تساعد حركات التحرير وعلى رأسهم الصومال الغربي.
وخلاصة القول إن شعب الصومال الغربي هو صاحب كلمة الفصل فيما يتعلق بمستقبله حسبما يريده، المهم أن ينال استقلاله وكيانه السياسي، وأن مطالب هذا الشعب واضحة من العرائض والالتماسات والتي قدمتها الأقاليم الصومالية الخمسة، ومن دون الاستثناء طالبة الاستقلال والوحدة، إلى لجنة الدول الأربع الكبرى التي جاءت للتحقيق في يناير ١٩٤٨م إلى مقديشو.
المواجهات العسكرية
كان التوتر والاضطرابات مستمرين على طول الحدود، منذ أن استقل الصومال وتكونت الجمهورية الصومالية في عام ١٩٦٠م، وكانت العلاقة بين الصومال وإثيوبيا تتدهور سريعًا بسبب إقليم الصومال الغربي، ويسبب وجود الثوار فيه، فأعلنت القوات الإثيوبية حال التأهب القصوى نتيجة لتحرشات جرت في الحدود، وطوال العامين ١٩٦١- ١٩٦٢م كانت المشكلة تزداد حدة وسط تصاعد حملات الإذاعة والصحافة من الجانبين.
المواجهة الأولى ١٩٦٤م، وفي ١٦ من يونيو ١٩٦٣م انفجر الكفاح المسلح معلنًا بذلك بداية ثورة شعب الصومال الغربي، وفي غضون عشرة أشهر استطاعت الثورة أن تهز أركان الإمبراطورية الحبشية، بما ألحقته بقواتها من خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، مما دفعها إلى القيام بهجوم مفاجئ على جمهورية الصومال الوليدة في فبراير ١٩٦٤م.
وكان هدف إثيوبيا من وراء هذا الهجوم كالتالي:
1- الإيحاء للعالم بأن هناك حربًا مباشرة بين دولتين هما إثيوبيا والصومال.
۲- ضرب مصدر الدعم المادي والمعنوي للثورة، وتهديد استقلال وسيادة جمهورية الصومال الوليدة التي لم يمض على استقلالها سوى ثلاث سنوات، ولا سيما على قيام جيشها الوطني الذي يحبو في سنواته الأولى، بالمقارنة مع جيش الإمبراطورية الإثيوبية الذي مضى على قيامه عشرات السنين.
ووسعت إثيوبيا العمليات الحربية على الحدود لتشتيت الجهد الحربي للجيش الصومالي الوليد، ولا تنس في هذه الحرب أن أمريكا كانت تمد إثيوبيا بالسلاح والخبرة، حيث كان هناك ضباط أمريكيون، كما يقال إن الطائرات الحربية كانت بقيادة طيارين إسرائيليين، ورغم ذلك كان النصر للصوماليين، حيث ألحقوا بالجيش الإمبراطوري العتيق الهزيمة الساحقة.
تقييم الموقف حتى قيام حرب ۱۹۷۷م:
بعد توقف القتال عام ١٩٦٤م، بعد وساطة السودان، ظل الموقف هادئًا، ما عدا فترات محدودة، فعلى سبيل المثال حشدت إثيوبيا قواتها في ربيع ١٩٦٥م، من جديد على امتداد الحدود. كما فرضت إجراءات قمع مشددة ضد الشعب في المناطق المحتلة.
المواجهة الثانية ١٩٧٧م:
بدأت المواجهة الثانية بتفجير جبهة الصومال الغربي الموقف في مايو ۱۹۷۷م، حيث أعلنت سيطرتها على سبع مدن من الإقليم، وكانت قوات الجبهة قد أظهرت كفاءة قتالية عالية.
وفي الوقت الذي كانت تتهم إثيوبيا الصوماليين بالعصابات، فإن الصومال كانت هي الأخرى تتهم الطيران الإثيوبي بضرب القرى قرب الحدود، وأن ما يسميه الإثيوبيون بحرب العصابات، ما هو إلا العمليات الحربية التي تقوم بها جبهة تحرير الصومال الغربي.
ووصل الصدام إلى ذروته حين أعلن الجيش النظامي الصومالي دخوله إلى المعركة في ١٣ من يوليو ۱۹۷۷م، وخلال الشهور الثلاثة الأولى من دخول الجيش الصومالي للحرب، تمكن من تحرير معظم مناطق الصومال الغربي.
وقد أذهل هذا الانتصار السريع العالم، غير أن هذا الانتصار لم يدم طويلًا، حيث إنه انقلب وبسرعة مذهلة إلى هزيمة منكرة وخروج الجيش الصومالي من الإقليم كله، إلا أننا لا نستغرب ذلك، خصوصًا إذا ما عرفنا أن الذين ساعدوا الأثيوبيين هم الذين دربوا الصوماليين وأمدوهم بالسلاح، مما أتاح لهم معرفة كل صغيرة وكبيرة عن القوة الصومالية وأنواعها.
وكان لهذه الهزيمة آثارها البعيدة على أوضاع الصومال الداخلية، لدرجة أنها تعتبر سببًا رئيسًا من أسباب انهيار الصومال، ومن المعروف أن أي هزيمة تتعرض لها دولة ما لا بد من أن يعقبها امتعاض عام، واتهامات متبادلة فيمن يتحمل مسئولية الحرب، أو كان السبب لتلك الهزيمة. ولذلك جرت بعد الهزيمة بعض المحاولات الانقلابية أهمها المحاولة التي وقعت في ۱۹۷۸م، إلا أنها فشلت وفر بعض المتآمرين إلى إثيوبيا، وهناك تأسست جبهات المعارضة المسلحة ضد الحكومة الصومالية، ومن أهم تلك الجبهات جبهة الخلاص الديمقراطي الصومالي «SSDF»، والحركة القومية الصومالية «SNM»، المؤتمر الصومالي الموحد «USC».
المواجهة الثالثة ١٩٨٢م:
انفجر الموقف من جديد في يوليو عام ١٩٨٢م، وكان البادئ بالطبع هو القوات الإثيوبية، حيث استهدف هذا الهجوم الأراضي الصومالية ذاتها، وقامت بغزوها وبالأسلحة السوفييتية، وبمساعدة الكوبيين وغيرهما، ولم يكن للصومال حليف قوي، بالإضافة إلى أنها خرجت من الحرب وهي في حالة ضعف شديد، ثم إن أمريكا التي كانت من المفترض أن تساند الصومال اكتفت بإبداء قلقها إزاء هذه التطورات.
وقامت الطائرة الإثيوبية بغارات على كثير من المدن الصومالية، واستمرت المناوشات في منطقة الحدود حتى أواخر ديسمبر ١٩٨٤م.
محاولات التسوية:
لقد أنهكت الحرب كلًّا من الدولتين، كما أن قيام الجبهات المعارضة المسلحة كانت ورقة يساوم بها كل منهما، وقد مرت هذه المحاولات بمراحل متعددة، واتسمت بالتعقيدات بسبب تراكمات المشكلة وجذورها الغائرة.
وكان أول لقاء بين الرئيسين الصومالي والإثيوبي سنة ١٩٨٦م، وعلى هامش اجتماع رؤساء منظمة إيجاد، وقد تمخض عن هذا اللقاء تكوين لجنة مشتركة لتحديد نقاط الخلاف. واجتمعت اللجنة في عاصمتي البلدين، ثم وضعت الصومال شروطها للسلام في أكتوبر سنة ١٩٨٧م وكانت كالآتي:
- وقف إطلاق النار، وإبعاد القوات المسلحة ١٥ كم.
- تبادل الأسرى بين البلدين، وتبادل التمثيل الدبلوماسي.
- وقف الدعاية الإعلامية وتوفير سلام وثقة.
وقد وافق الجانب الإثيوبي بشرط الاعتراف بالحدود الحالية لإثيوبيا، وهو ما تم تأجيله إلى ما بعد اللقاء الرئاسي.
ويلاحظ من هذه المحاولات أنها كانت تبتعد عن السبب الحقيقي للصراع وهي مشكلة الصومال الغربي، فجميع المشاكل الأخرى ما هي إلا تفريخ من المشكلة الرئيسة، غير أن النقطة الوحيدة الإيجابية هي أن إثيوبيا، ولأول مرة في تاريخها، تعترف بوجود هذه المشكلة، وإمكانية بحثها في المستقبل.
خلاصة القول.. تعتبر مشكلة الصومال الغربي والمواجهات التي تمخضت عنها، والتي بلغت ذروتها عام ۱۹۷۷ تعتبر العامل الأساسي لانهيار حكومتي الصومال وإثيوبيا عام ١٩٩١م.
انهارت الصومال بعد هروب سياد بري عام ۱۹۹۱م، وكانت الفوضى والمجاعة وما أعقبه من تدخل أجنبي، ومع ذلك استمر الحال على عدم وجود دولة مركزية للصومال.
وهرب منجستو عام ۱۹۹۱م، واستقلت أريتريا عن إثيوبيا وانكمشت إثيوبيا إلى دولة حبيسة، وبقيت إثيوبيا على تماسكها ما عدا أريتريا رغم أنها تتكون من أعراق مختلفة، ولكن من السهولة بمكان إدراك ذلك، حيث إن القوى المؤثرة لم تكن تسمح بتفكك إثيوبيا أكثر من ذلك على الأقل في الفترة الحالية.
وهكذا استمرت العلاقة العدائية بين الصومال وإثيوبيا، واتسمت بالتوتر والمواجهات المتتالية، وكان هذا العداء مثل الخط المنحني يرتفع مرة وينخفض أخرى.
وقد انعكس ذلك سلبًا على شعوب المنطقة بأسرها، حيث كرست الجهود كلها على النواحي العسكرية، وبناء القدرات استعدادًا لمواجهات محتملة، وكان هذا كله على حساب التنمية في شتى النواحي، ناهيك عما كانت تسببه هذه المواجهات من إراقة للدماء وتشريد كثيرين.
«خلاصة رسالة ماجستير أعدها الباحث: موسى فارح حسين، معهد البحوث والدراسات العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم».