; الخطوة الرابعة: ترك الوهن | مجلة المجتمع

العنوان الخطوة الرابعة: ترك الوهن

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1987

مشاهدات 108

نشر في العدد 803

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 03-فبراير-1987

الوهن صفة من صفات الضعف، والضعيف لا يمكن أن ينتصر حتى يزيل هذا الضعف، والوهن قد ينتج من كثرة الابتلاء، أو كثرة أعداد الباطل، وكثرة عدته، وقد ينتج من سقوط القادة أو قتلهم.

والصبر هو المنقذ من تغلغل الوهن في نفوس الدعاة، ولا يقوى على الصبر إلا نوعية من الدعاة هم الذين ينالون شرف رفع الراية ويكتب الله النصر على أيديهم ..

الربيون  

يقول تعالى (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146).

والربيون كما جاء في تفسير الطبري عن الحسن هم العلماء الفقهاء، وقال الإمام الطبري مفسرًا لقوله تعالى: (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ): «فما عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، ولا لقتل من قتل منهم، من حرب أعداء الله ولا نكلوا عن جهادهم "وما ضعفوا" يقول: وما ضعفت قواهم لقتل نبيهم "وما استكانوا"» يعني وما ذلوا فيتخشون لعدوهم بالدخول في دينهم ومداهنتهم فيه خيفة منهم، ولكن مضوا قدما على بصائرهم ومنهاج نبيهم صبرا على أمر الله وأمر نبيهم، وطاعة لله واتباعاً لتنزيله ووحيه والله يحب الصابرين) يقول: والله يحب هؤلاء وأمثالهم من الصابرين لأمره وطاعة رسوله في جهاد عدوه، لا من فشل ففر عن عدوه، ولا من انقلب على عقبيه فذُل لعدوه لأن قتل نبيه أو مات ولا من دخله وهن من عدوه وضعف لفقد نبيه»(1).

فالربيون أحبهم الله لأنهم فقهوا طبيعة الطريق الذي سلكه الأنبياء وأتباعهم من قبل فلابد من الابتلاء، ولابد من صبر يقابل ذلك الابتلاء، صبر لا يعرف الوهن ولا الضعف ولا الاستكانة، فليست هذه من صفات السالكين لطريق الحق، بل هي صفات أولئك المتذبذبين، الشاكين بـوعـد الله، والجاهلين لطبيعة هذا الطريق.. وإلى هؤلاء كان سيد رحمه الله ينادي بلغة الأخوة:

أخي هل تراك سئمت الكفاح

                         وألقيت عن كاهليك السلاح

فمن للضحايا يواسي الجراح

                        ويرفع راياتها من جديد (2)

فمن لضحايا الظلم والطغيان غير الدعاة إلى الله يواسي جراحهم؟ ومن غيرهم يرفع الراية من جديد؟ فإذا سئم هؤلاء فماذا ينتظر ممن دونهم؟

يألمون كما تألمون

يقول تعالى: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء:104).  

فلا بد للسالكين لهذا الطريق أن يعرفوا بأن الألم الذي يصيبهم بسبب البلاء الواقع عليهم هو ذاته يقع على خصومهم من أصحاب الباطل، فكما أن أصحاب الحق يتألمون نفسيًا وجسديًا فكذلك أصحاب الباطل يتألمون أضعاف أضعاف أصحاب الحق. ومتى ما أدرك أصحاب الحق هذه الحقيقة فلا ينبغي لهم أن يهنوا و يضعفوا المواصلة الصراع، و يفترون في منتصف الطريق.

وعار على أصحاب الحق أن يتحمل أصحاب الباطل هذا الألم وهم لا يتحملوه مع فارق التوجه والغايات.

يقول الأستاذ سيد قطب: «ولريما أتت على العصبة المؤمنة فترة لا تكون فيها في معركة مكشوفة متكافئة.. ولكن القاعدة لا تتغير، فالباطل لا يكون بعافية أبداً حتى ولو كان غالباً!

إنه يلاقي الآلام من داخله.. من تناقضه الداخلي ومن صراع بعضه مع بعض، وفي صراعه هو مع فطرة الأشياء وطبائع الأشياء وسبيل العصبة المؤمنة حينئذ أن تحتمل ولا تنهار وأن تعلم أنها إن كانت تألم، فإن عدوها كذلك يألم.. والألم أنواع والقرح ألوان (وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ).. وهذا هو العزاء العميق. وهذا هو مفرق الطريق»(3).

الله معكم  

يقول تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (محمد:35).

- كيف يهن قوم هم الأعلون عند الله بما عندهم من منهج الله؟

- وكيف يهن قوم ويضعفون ويخافون، ويشكون بالنصر ويتضعضعون في الطريق، والقوة العظمى في جانبهم؟!

- وكيف يهن قوم لا ينقص من أعمالهم شيء وكل شيء مسجل لهم في كتبهم أضعافا مضاعفة؟!

إن على أفراد الحركة الإسلامية أن يعوا هذه القضية فيرفضوا بعد ذلك المهادنة مع أهل الباطل.

يقول علامة القصيم الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي معلقا على الآية الكريمة: «أي لا تضعفوا عن قتال عدوكم، ويستولي عليكم الخوف، بل اصبروا واثبتوا ووطنوا أنفسكم على القتال والجلاد طلبًا لمرضاة ربكم، ونصرًا للإسلام وإغضابا للشيطان (ولا تدعوا الى السلم) والمتاركة بينكم وبين أعدائكم طلبا للراحة.

والحال أنكم  (أنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم) أي ينقصكم (أعمالكم) فهذه الأمور الثلاثة كل منها مقتض للصبر، وعدم الوهن.

أولًا: كونهم الأعلون، أي قد توافرت لهم أسباب النصر، ووعدوا من الله بالوعد الصادق، فإن الإنسان لا يهن إلا إذا كان أذل من غيره وأضعف عددًا أو عُددا وقوة داخلية وخارجية.

الثاني: أن الله معهم، فإنهم مؤمنون والله مع المؤمنين بالعون والنصر والتأييد وذلك موجب لقوة قلوبهم، وإقدامهم على عدوهم.

الثالث: أن الله لا ينقصهم من أعمالهم شيئا، بل سيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله»(4).

ثم يقول فإذا عرف الإنسان أن الله تعالى لا يضيع عمله وجهاده أوجب له ذلك النشاط وبذل الجهاد فيما يترتب عليه الأجر والثواب.

فكيف إذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة؟ فإن ذلك يوجب النشاط التام»(5).

الخطوة الخامسة: الشعور بالعلو

إن من أكبر المشاكل التي تعانيها الحركة الإسلامية، أن من أفرادها من لا يعي بعد طبيعة المنهج الذي يحمله ولا طبيعة الطريق التي يسلكها، ومن ثم فإنه إذا تعرض لأي فتنة مهما صغرت، يعود إلى تصوراته الجاهلية، تلك التصورات البشرية البعيدة كل البعد عن موازين الآخرة، الله يجعل صفات القوة التي يركن إليها ويتمسك فيها، ولهذه الفئة التي يتكرر تواجدها في فئة الحق في كل جيل، يوجه الحق هذا النداء، مذكرا بالقوة التي يملكونها ثم يغفلون عنها في حمأة البلاء المتساقط عليهم من كل صوب وحدب، فيقول لهم: (وأنتم الأعلون)، ويقول لهم: (والله معكم) ويقول لهم: (ولن يتركم أعمالكم).

يقول الأستاذ سيد قطب:

أنتم الأعلون اعتقادا وتصورا للحياة، وأنتم الأعلون ارتباطا وصلة بالعلي الأعلى، وأنتم الأعلون منهجا وهدفا وغاية، وأنتم الأعلون شعورا وخلقا وسلوكا، وأنتم الأعلون قوة ومكانة ونصرة، فمعكم القوة الكبرى والله معكم، فلستم وحدكم، إنكم في صحبة العلي الجبار القادر القهار، وهو لكم نصير حاضر معكم، يدافع عنكم فما يكون أعداؤكم هؤلاء والله معكم؟

وكل ما تبذلون وكل ما تفعلون، وكل ما يصيبكم من تضحيات محسوب لكم، لا يضيع منه شيء عليكم: (ولن يتركم أعمالكم) ولن يقطع منها شيئا لا يصل إليكم ونتيجته وجزاؤه، فعلام يهن ويضعف ويدعو إلى السلم، من يقرر الله سبحانه له أنه الأعلى، وأنه معه وأنه لن يفقد شيئا من عمله، فهو مكرم منصور مأجور(6).

إن الشعور بالعلو والخيرية والارتقاء أمر رئيسي في الانتصار؛ وذلك لأن الشعور بالمهانة والذل والضعف والانحدار لا يسبب إلا الهزائم المتتالية لأن صاحب هذا الشعور لا يرى أنه مستحق للقيادة، من هنا تبرز أهمية الشعور بالاستعلاء، لدى أصحاب الحركة الإسلامية حتى يكون ذاك حافزا للتحرك الدائب الذي يقرب النصر إن شاء الله.  

____________

(1) تفسير الطبري 7/269، 270  

(2) شعراء الدعوة الإسلامية 4/44

(3) الظلال 2/750

(4) (5) تفسير كلام المنان 7/87،88.

(6) الظلال 6/3302.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

222

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

125

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية