; الخطوة الأولى كانت مجاهدة العرب أنفسهم | مجلة المجتمع

العنوان الخطوة الأولى كانت مجاهدة العرب أنفسهم

الكاتب د. عبدالحليم عويس

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1973

مشاهدات 1

نشر في العدد 148

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 01-مايو-1973

كانت ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ معنى جديدًا للحياة مقياسًا جديدًا توزن به الأمور على هذه الأرض...

فباسم الله الذي خلق الإنسان -كل إنسان- يقرأ هذا النبي الكريم، باسم الله الذي خلق كل الناس من أصل واحد ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، فلا أفضلية لجنس على جنس؛ لأن الأصل واحد والخالق واحد.. باسم هذا الإله الخالق -عَزَّ وجلَّ- سوف يقرأ هذا النبي -عليه الصلاة والسلام!

وهذا النبي الكريم ملزم بإنذار عشيرته الأقربين- أولًا.. ملزم بخفض جناحه لأي مؤمن يتبعه، بعيدًا عن جنسه أو أصله-

ثانيًا.. ملزم بالتخلي عن قومه وسلوكهم -إن عصوه- ثالثًا.

ثلاثة مقاييس جديدة -كل جدة- منافية -كل تنافٍ- للمقاييس العربية -كما نرى- بل لقد أصبحت المقاييس السابقة مقاييس مهترئة وفاسدة.

وكان أمرًا واقعِيًا في ظل هذا المقياس الجديد، بل هو أمر مغاير من صورة العلاقات في الحياة التي سادت العالم كله قبل بزوع الإسلام.. كان أمرًا واقعِيًا منسجمًا مع مبادئ الدعوة الجديدة.. أن تكون المعارك الأولى لهذا النبي الكريم -ممثل الدعوة الجديدة- منذ سمح له بالقتال، ضد قوميته وعشيرته ووطنه..

ضد قريش وأتباعها وحلفائها.. وضد مكة التي يسيطر عليها هؤلاء الكفار، أي ضد القومية والوطنية التي تقف في وجه العقيدة.

لقد مر فصل هذا الدين الجديد بين الأخ وأخيه اللذين جمعتهما الرابطة السابقة، وبدأت الحرب بين حاملي الموازين الجديدة، وبين الإصرار على تمثيل القيم الجاهلية العاتية.

وكانت موقعة بدر الكبرى أبرز مسرح تصارع على أرضه الإنسانان الممثلان للقيم المختلفة كل الاختلاف، وقتل المسلمون المعتنقون للقيم السماوية إخوانهم في القومية والوطنية الذين واجهوهم في بدر ممثلين لقيم القومية والجاهلية والتخلف.. فقد قتل زيد بن حارثة حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، وقتل الزبير بن العوام عبيدة بن سعيد بن العاص بن أمية، وقتل علي بن أبي طالب العاص بن سعيد، وقتل عاصم بن ثابت عقبة بن أبي معيط، وقتل حمزة بن عبد المطلب شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، وقتل علي بن أبي طالب عامر بن ربيعة، وقتل عمار بن ياسر الحارث بن زمعة، وقتل علي بن أبي طالب النضر بن الحارث، وقتل عمر بن الخطاب العاص بن هشام، وقتل ثلاثة هم معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوذ بن عفراء، وعبدالله بن مسعود.. قتلوا عمرو بن هشام -أبا جهل.

وهكذا برزت موقعة بدر كأول تطبيق عملي للقيم الجديدة التي فصلت بين الأخ وأخيه في الوطنية والإقليمية، وظهرت بوضوح لأول مرة جماعة لا تنتمي إلى الأرض كرباط بالدرجة الأولى ولا تخدعها قرابة الجنس عن الحقيقة الإنسانية النابعة من القيم الإلهية.. لقد شكلت بدر أوضح وأول صورة من صور تكوين الدولة الإسلامية القائمة على «الأيديولوجية» -على «الفكرة»- على «العقيدة» الضاربة بكل عنف القومية أو الوطنية أو القومي السطحي المحض لا يصب في إطار العقيدة.

ولم تكن بدر إلا فاتحة هذا العهد الجديد الذي سيطرت فيه الحقيقة الإسلامية على الانتماءات المنتمية إلى الجاهلية.. وقد توالت بعد ذلك معارك المسلمين تحارب كل التصورات الخاطئة.. لا تفرق بينها وبين القيم الجاهلية الأخرى.

جاءت «أحد» التي حاولت فيها الجاهلية الانتقام لقيمها المبادة في بدر.. ثم جاءت «الخندق» التي احتشد فيها الممثلون للقيم الجاهلية جميعها في حرب انتحارية ضد الإسلام في دويلة المدينة الناشئة. وانتصر الإسلام في فتح مكة.. فبدأ وكأن قيم الإسلام قد قضت على التصور القبلي والوطني في الجزيرة العربية بأسرها.

وعندما صعدت روح الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى بارئها.. حاولت القيم الجاهلية القومية والقبلية أن تستيقظ من جديد.. وظهر مسيلمة الكذاب وسجاح الدجالة، وطلحة بن خويلد.. وغيرهم من مدعي النبوة.. المرتكزين على العنصر القبلي.. ولكن... نجح خالد بن الوليد، ونجحت القيم الإسلامية في أن تقضي على القيم الجاهلية القضاء الأخير في شبه الجزيرة العربية، وأصبحت جزيرة العرب آمن مكان تجد فيه القيم الإسلامية منطقها.. وانفتحت على العالم كله.. وكان هذا هو الدور الذي وضعه الله في عنق عمر بن الخطاب فقام به خير قيام.

لقد كان عمر بن الخطاب الذي كان له فضل الإخراج العملي للإسلام من الجزيرة العربية.. كان عمر العربي المغرق في العروبة.. المسلم المخلص للإسلام.. الخليفة الذي يستولي على عروش ثلاث من حضارات العصر.. كان عمر هذا ينادي بلالًا.. العبد الحبشي بكلمة «سيدنا»!

ولم يكن عمر إلا مراعيا للمعنى الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في سلمان الفارسي: «سلمان منا أهل البيت».

أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم

الرابط المختصر :