العنوان الخطر الزاحف.. العولمة والتطبيع- العولمة حولت الأمم المتحدة إلى هيئة إقامة للاجئين
الكاتب بو شيخ عبد الحاكم
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-2000
مشاهدات 62
نشر في العدد 1406
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 27-يونيو-2000
بعيدًا عن التعريفات الأكاديمية التي تطرحها مختلف المدارس الفكرية العربية لمصطلحي العولمة والتطبيع، فإنه يجب علينا أن نجهد أنفسنا وعقولنا في الإجابة عن جملة من التساؤلات التي تطرح نفسها بإلحاح في واقعنا اليوم:
١- هل التطبيع مع الكيان الإسرائيلي بالنسبة للدول العربية بات اليوم جزءً من حقيقة العولمة الزاحفة على المنطقة؟
2- وهل العولمة وما أفرزته وما ستفرزه من إلغاء للحدود والحواجز والكثير من مظاهر سيادة الدول والشعوب على أوطانها، ستستخدم كوسيلة فاعلة في جر ما بقي من الدول إلى التطبيع مع العدو الصهيوني؟ آخذين في الاعتبار ما أشار إليه إيهود باراك في حواره مع جريدة الخبر الجزائرية 2000/3/9 حين ذكر في حديثه عن الدول العربية التي ترفض التطبيع إلي اليوم مع إسرائيل قائلًا: «إن العولمة ستغير الكثير لأنها الحقيقة القائمة حاليًا»؟.
هل التطبيع الإرادي أو المفروض من قبل القوى العظمى كائن مستقل في حد ذاته لا يلتقي العولمة إلا في كونه من التحديات التي تتعرض لها فسيفساء الوطن العربي، والتي ستزيد وتضاعف من حجم معاناته ومشكلاته، لأنها بالعولمة ستهدد بنيانه الاقتصادي وتوجهاته السياسية ونسيجه الفكري والاجتماعي كذلك؟
إن كل الاختصاصيين يؤكدون على أن العولمة هي: «القدر» الزاحف على العالم خاصة على الدول المتخلفة بسلبياتها «وإيجابياتها» إذ إنها تمثل مرحلة القسر والاجتياح في تطور الحضارة الغربية بعد مرحلة الاختيار التي عرفها العالم في من تعدد الأقطاب.
إنها تعني أمركة العالم فإذا كانت العولمة هكذا فهل التطبيع ومد جسور التعاون والتبادل مع الكيان الإسرائيلي قدر «زاحف» محتوم على الدول العربية؟ وهل لا بد عليها أن تنصاع لعملية أمركة العالم طوعًا أو بالضغط والإكراه وحتى التهدید.
مع منتصف التسعينيات، بدأت تكثر الكتابات حول العولمة وتأثيراتها الواضحة في المجال الاقتصادي، غير أن الحديث عن التطبيع ظل إلى وقت قريب في كثير من البلدان العربية هو الحقيقة المغيبة، والواقع السري المسكوت عنه، إن التطبيع بمفهوم ربط علاقات من قبل الساسة العرب مع إسرائيل يعود إلى نشأة هذا الكيان، وإن كان في دوائر ضيقة حتى برز بصفة رسمية معلنة في توقيع اتفاقية كامب ديفيد في 1978/9/18، والتي عرضت مصر آنذاك إلى مقاطعة عربية وصلت إلى حد نقل مقر الجامعة العربية منها إلى تونس.
واليوم تهاوت اللاءات العربية وتكسرت صخرة المقاطعة، وأصبحت بلدان عربية متعددة تقيم علاقات واتصالات مع إسرائيل، وامتدت حمى التطبيع حتى إلى جل دول المغرب العربي.
إن أكثر المدافعين عن اتجاه التطبيع هم في الواقع وكلاء مكاتب للاستيراد الفكري المعلب وممن سماهم المفكر الجزائري -مالك بن نبي- في كتابه -نحو التغيير- بالثخدائيات «حشرة كثيرة الأرجل» والذين يعدون بشرق أوسط جديد ستحقق فيه الدول العربية الكثير من التطور الاقتصادي والاستقرار السياسي والاجتماعي بعد الانفتاح على إسرائيل وهي نغمة ما سلموا من ترديدها والعزف على أوتارها.
ولكن تجارب الدول المطبعة مع إسرائيل ماثلة أمامنا، وهي لم تحقق «جنة التطبيع» الموعودة، بل ظهرت سلبياتها وأضرارها على أكثر من مستوى، وكمثال، فإن الصناعة النسيجية المصرية قد تضررت بخسائر كبرى من جراء عمليات التهريب المنظمة للبضائع الإسرائيلية النسيجية إلى الأسواق المصرية، مما أدى إلى غلق العديد من المصانع، ولقد وصل الأمر إلى ما هو أخطر من ذلك، فكلنا يذكر أنه في أواخر الثمانينيات قدمت السفارة الإسرائيلية بمصر احتجاجًا شديدًا تطالب فيه الحكومة المصرية التدخل لوقف برنامج للشيخ متولي الشعراوي -يرحمه الله- كان يفسر فيه سورة البقرة فاضحًا خبث اليهود، ومكرهم وغدرهم، رابطًا ذلك بالواقع
شراك التطبيع ستؤدي إلى وقوع الاقتصادات العربية تحت هيمنة المال اليهودي
المعاصر لليهود وخاصة منذ نشأة كيانهم على ثرى فلسطين، أما اليوم فإن إسرائيل تطالب الكثير من الدول العربية بإجراء تعديلات تطبيعية حتى على برامجها ومقرراتها التعليمية والدراسية منها حذف الفقرات التاريخية المقررة في البرامج الدراسية والتي ترشد إلى صحوة الأمة من كبوتها، وتجدد الأمل في نهوضها وخاصة تاريخ صلاح الدين الأيوبي، بل إن هذه المطالب وأمثالها يطالب بها الكثير من دجالي التطبيع وأشباه المثقفين حتى أن منهم من تجرأ على تاريخنا في علاقته مع اليهود، وراح يصفه بالمخيال والذاكرة العدائية لليهود، وهي مطالب ترفع مرة باسم الإنسانية والحوار الحضاري وأخرى باسم التواصل مع الواقع الميداني، وطبعًا ما يقال عن مصر يقال عن غيرها.
واليوم تنادي القوى الشعبية والسياسية والفكرية في مصر والأردن وبلدان الخليج العربي، وتطالب حكوماتها بالوقف الفوري لعملية الهرولة غير المتزنة نحو التطبيع، لأن التسوية السلمية في الواقع العربي الهزيل والمنهار اليوم لن تؤدي إلا إلى فرض الواقع السياسي والعسكري القائم وهو لصالح إسرائيل، خاصة في ظل مشهد الهرولة التطبيعية التي ألغت المقاومة كورقة الضغط في أثناء التفاوض كما حدث ويحدث على المسار الفلسطيني، إن شباك التطبيع المنصوبة والتي تدفع إليها الأنظمة العربية دفعًا ستؤدي إلى تطويع اقتصاداتها للنفوذ والمال اليهودي الكبيرين.
وإذا كانت العولمة قد أسهمت في تهميش المنظمات العالمية والدولية وحولتها إلى هيئات إغاثة للاجئين والمشردين من المجاعات والحروب كما هو حال الأمم المتحدة اليوم، فإن التطبيع مع الكيان الصهيوني سيؤدي -كما هو مخطط له- إلى تغييب الأسس الحضارية لهذه الأمة ومرتكزاتها التاريخية من خلال تهميش فاعلياتها السياسية والفكرية والشعبية الداعية إلى إحياء ورقة المقاطعة لهذا الكيان كسلاح استراتيجي.
الآن وقد بات واضحًا ما تمثله العولمة والتطبيع المعولم من تحد للوطن العربي، شعوبًا وأنظمة، فإنه من الأولى أن تسعى إلى إحداث عولمة عربية إسلامية، بانفتاح الدول العربية والإسلامية على بعضها البعض وإلغاء الحدود والحواجز وتسهيل تنقل الأفراد والبضائع والأموال وتقريب وجهات النظر باستنساخ التجارب الناجحة، وقبل أن نلهث وراء التطبيع مع الكيان الصهيوني إرضاءً لأمريكا أو غيرها علينا أن نلهث ونسعى نحو تطبيع الأجواء والعلاقات العربية العربية، والعربية الإسلامية، إرضاءً للشعوب وانسجامًا مع سيرورة التاريخ وسعيًا لمستقبل أفضل.
بوشيخ عبد الحاكم- الجزائر