; الخطة الأمنية هل تقود الأزمة اللبنانية نحو الانفراج؟ | مجلة المجتمع

العنوان الخطة الأمنية هل تقود الأزمة اللبنانية نحو الانفراج؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1984

مشاهدات 63

نشر في العدد 653

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 10-يناير-1984

 بعد رحيل ياسر عرفات عن طرابلس، وانحسار الوجود المنظم لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، بدأت الأزمة اللبنانية عدًا عكسيًا من أجل الوصول إلى حل لقضية شائكة، تورطت فيها قوى دولية كبرى، وأخرى إقليمية وعربية. 

     كل الأطراف تبدي حرصها على الخروج من الدوامة اللبنانية؛ لأنها أرهقت الجميع، وأغرقتهم في رمالها المتحركة، فالهدف الرئيسي للولايات المتحدة وإسرائيل كان -وما يزال- هو إبعاد منظمة التحرير من أن تكون لها فاعلية على الأرض في منطقة متاخمة لفلسطين المحتلة، بما يضمن أمن إسرائيل واستقرارها، وكسر البندقية الفلسطينية التي كانت تهدد إسرائيل عبر المنظمات الفلسطينية المنضوية تحت منظمة التحرير، والآن يبدو للولايات المتحدة وإسرائيل أن ما جرى التخطيط له تحقق على أرض لبنان عبر إثارة الأزمة اللبنانية الطويلة، بالذارع اليهودية الطويلة، أو بذراع عربية عميلة، وبات الأمر بحاجة الآن إلى إعادة ترتيب البيت اللبناني، بتقسيمه أو تقاسمه حينًا، أو بترميم أجزائه، وإعادة الحياة إلى حكومته المركزية من جديد.

     فالولايات المتحدة ومعها الدول المشاركة بالقوة المتعددة الجنسية تبدي تبرمًا واضحًا لوجودها في لبنان، وباتت تعتبر استمرار تواجدها على أرضه المتفجرة تورطًا في قضية ليس لها هدف محدد، أو أن الهدف سقط برحيل منظمة التحرير، ورئيس الولايات المتحدة يعلن دائمًا أن قوات المارينز في لبنان سوف تنسحب قريبًا، وقد يكون ذلك قبل ترشيحه عن الحزب الجمهوري مرة أخرى لرئاسة الولايات المتحدة.

     وإسرائيل التي ما تعودت الانسحاب بسهولة من أرض احتلتها وبذلت في سبيل ذلك دماء جنودها- تهدد بالانسحاب الجزئي من الجنوب، بعد أن أقدمت على الانسحاب الأول من الجبل والشوف، والسلطة اللبنانية ترجو الولايات المتحدة أن تضغط على إسرائيل كي تؤخر انسحابها؛ ريثما يكون في مقدورها بسط سيطرتها على المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، وحتى لا يحصل في الجنوب ما حصل في الجبل، إذ تعرض الموارنة لهزيمة كبيرة أمام الدروز، فكيف سيكون وضعهم لو تركتهم إسرائيل وسط البحر الإسلامي في الجنوب، وهم الذين تعاونوا مع العدوان الإسرائيلي، ونكلوا طويلًا بمواطنيهم المسلمين من لبنانيين وفلسطينيين؟

     والسلطة اللبنانية -ممثلة برئيس الجمهورية الذي رشحه حزب الكتائب، الواجهة السياسية والعسكرية للموارنة في لبنان- تبذل كل جهدها من أجل الوصول إلى تسوية للأزمة سواء عبر مؤتمر جنيف، أو ترميم العلاقة مع سوريا، أو تقديم تنازلات وعقد مصالحات مع الفئات اللبنانية المعادية لها، وإيفاد مندوبين عن رئيس الجمهورية إلى العواصم التي يقيم فيها زعماء الطوائف الأخرى، كل ذلك من أجل الوصول إلى تسوية للأزمة قبل أن تتفجر وتحرق في تفجرها الأخضر واليابس.

    وسوريا التي كانت تتبنى دائمًا الفئات اللبنانية المتطرفة باتت مواقفها متوجهة نحو الوصول إلى حل قريب للأزمة، فهي تستقبل مندوبي رئاسة الجمهورية وموفديها، وتستضيف مؤتمر وزراء خارجية لبنان والسعودية، بالإضافة إلى وزير الخارجية السوري، وتسهم بإيجابية في التحضير للمرحلة الثانية من الحوار اللبناني من خلال اللقاء الثاني لوزراء الخارجية في الرياض، وتدعم الخطة الأمنية التي تعمل السلطة اللبنانية من أجل تنفيذها بما يمكنها من بسط سيطرتها على مزيد من المناطق الوسطى التي لا تحتلها سوريا ولا إسرائيل.

◘تصحيح العلاقات مع الولايات المتحدة:

     هذه المؤشرات كلها -اللبنانية، والعربية، والدولية- تشير إلى أن الموضوع الفلسطيني الذي انتهى آخر فصوله الدامية في لبنان، وبدأت صفحة جدیدة منه بزيارة ياسر عرفات للقاهرة، هذا الموضوع كان هو المحور الذي دارت حوله الأزمة اللبنانية والسياسات الإقليمية في الشرق الأوسط خلال الأعوام العشرة الماضية، وبما أن مرحلة التأزم فيه قد انتهت، فقد بدأت علاقات بعض الأقطار العربية بالولايات المتحدة الأمريكية تتحسن بشكل مضطرد؛ إذ أطلقت سوريا سراح الطيار الأمريكي الأسير روبرت غودمان بعد أن استقبلت المرشح المحتمل عن الحزب الديمقراطي للرئاسة الأمريكية القس جيسي جاكسون، مع ما تبع ذلك من ترحيب أمريكي ورغبة لدى الرئيس ريغان بعقد لقاء مع الأسد، ثم زيارة الموفد الأمريكي رونالد رامسفيلد لدمشق، كل ذلك لم يكن من أجل سواد عيون جاكسون لأن سوريا تدرك أن ترشيحه للرئاسة ما زال مشروعًا غير جاد، لكنها مرحلة جديدة تواكب الاسترخاء على كل الجبهات من أجل إغلاق الجرح اللبناني، على أي شكل كان، تمهيدًا لاستيعاب معطيات التوجه الفلسطيني الجديد.

◘الخطة الأمنية، وحل الأزمة اللبنانية:

     وفي الوقت الذي يصل فيه هذا العدد من المجتمع إلى أيدي القراء تكون «الخطة الأمنية» التي تسعى السلطة اللبنانية إلى إقرارها بالتشاور مع كل أطراف النزاع اللبنانيين، إضافة إلى سوريا وإسرائيل وحكومات القوة المتعددة الجنسية، قد أعلنت سواء في بيروت، أو دمشق، أو بعد انعقاد مؤتمر الرياض الذي ينبغي أن يحضره وزراء خارجية لبنان، وسوريا، والعربية السعودية، هذه الخطة المقترحة سوف تتضمن بنودًا ما يزال الحوار يدور حولها، ولكنها سوف تعالج القضايا التالية:

  1. تثبيت وقف إطلاق النار على كل الجبهات بشكل نهائي. 
  2. تعهد جميع الأطراف بعدم توجيه القصف العشوائي إلى القرى والمجمعات السكنية. 
  3. حظر استعمال الأسلحة الثقيلة خلال عمليات تبادل النار بين الأطراف. 
  4. الالتزام بحضور اجتماعات اللجنة الأمنية وعدم مقاطعة جلساتها. 
  5. تحييد مطار بيروت الدولي وعدم تعريض الملاحة فيه لأي مخاطر. 
  6. سحب القوات اللبنانية (الكتائب) من إقليم الخروب والطريق الساحلي، وأن تعود هذه القوات إلى بيروت، وليس إلى الجنوب.
  7. بقاء الجيش اللبناني في مراكزه الحالية، وتمكينه من تسيير دوريات تحفظ أمنه.
  8. انتشار الجيش اللبناني على طول الطريق الساحلي من جسر المدفون في الشمال (حيث تبدأ منطقة التواجد السوري) إلى جسر الأولي في الجنوب (حيث تقف الآن القوات الإسرائيلية قرب صيداء).
  9. إعادة انتشار القوة المتعددة الجنسية بما ينسجم مع الخطة الأمنية المقترحة ضمن نطاق الخطة الأمنية.
  10. تحدد مناطق عازلة بين الأطراف المتنازعين تقوم فيها مراكز مراقبة، يشرف عليها ثمانمائة عنصر مراقبة من كل من اليونان وإيطاليا.

◘استعداد لاستيعاب الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب:

     فإذا ما قدر لهذه الخطة أن تغير نقاط الخطر والاعتراضات الجزئية التي تثار من هنا أو هناك، فإن ذلك سيكون إيذانًا بأن تبدأ إسرائيل مبادرة من جانبها، فتنفذ انسحابًا ثانيًا من جانب واحد من صيداء إلى نهر الزهراني؛ كي تتخلص من الضغط الكبير الذي تمارسه على قواتها حركة المقاومة اللبنانية الإسلامية في صيداء وما حولها، وقد يكون انسحابها أكبر، فترتد إلى نهر الليطاني على جسر القاسمية؛ حيث يكون الأمن الفعلي للجليل (كما تدعي) قد بدأ، أي على بعد (۱۲) إلى (۱5) ميلًا من الأراضي المحتلة في شمال فلسطين.

     بهذا الشكل تكون سوريا قد تخلصت من الحرج الناجم عن أن يكون انسحاب قواتها من لبنان متزامنًا مع انسحاب إسرائيل، وهذا ما نصت عليه رسالة مرفقة باتفاق «۱۷آيار» بین لبنان وإسرائيل، وعندها سوف يبدأ الدور السوري بالانسحاب، ومعنى هذا أن تكون السلطة اللبنانية -بعد إقرار الاتفاقية الأمنية- قادرة على أن ترسل الجيش إلى مدينة صيداء دون خشية من أن تضرب مليشيات الدروز في الشوف والجبل خطوط اتصاله على الساحل الجنوبي، وعلى هذا الأساس يكون الجيش مؤهلًا لاستلام مدينة صيداء وما حولها عند انسحاب إسرائيل، دون أن تحدث فيها تصفيات بين القوى الإسلامية والقوات اللبنانية (الكتائب والموارنة)، وهذا الإنجاز لو تم دون مشاكل تكون السلطة اللبنانية قد تجاوزت أول منعطف هام في سجل العهد الجديد منذ تولي أمين الجميل رئاسة الجمهورية.

     على الجناح الآخر تبدو قضية طرابلس مرتبطة بشكل وثيق مع الانسحاب السوري الذي لا بد وأن يتبع انسحاب إسرائيل، لكن هل السلطة اللبنانية حريصة على استعجال هذا الانسحاب؟ بالتأكيد الإجابة هي بالنفي؛ لأن السلطة اللبنانية سوف تكون بحاجة إلى فترة زمنية -أدناها ستة أشهر- من أجل استيعاب ما سيترتب على الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، أما مناطق الشمال، وطرابلس بالذات، فإن الأمر يحتاج إلى استعداد أکبر؛ تمهيدًا لمطالبة سوريا بالانسحاب منها، ولا بد خلال هذه الفترة من تصفيات دامية وصراعات طويلة من أجل إنهاك القوى الإسلامية التي تبسط سيطرتها على مدينة طرابلس، وهذا أحد وجوه الصدامات اليومية التي تدور في المدينة بين القوى الإسلامية والقوى التي يراد لها ابتزاز المدينة وإنهاك القوى الإسلامية فيها، سواء برزت تحت لافتة فكرية ماركسية أو طائفية، فهي على أية حال أداة من أدوات الاستنزاف المستمرة للمسلمين في شمال لبنان.

◘هل هذا ينهي الأزمة اللبنانية، أم يقود لبنان إلى التقسيم؟

     بعد كل ما تقدم هل يمكن القول بأن الحرب ستضع أوزارها في لبنان؟ وهل هذا يعني أن مأساة هذا البلد سوف تنتهي؟ ليس هذا هو المقصود، فالحرب الطويلة التي جعلت من معظم أطراف النزاع اللبناني أدوات تحركها المصالح العليا لقوى دولية وإقليمية، هذه الحرب خلفت رواسب وحساسيات وانفعالات بين القوى اللبنانية يصعب تجاوزها، لذلك فهي تحتاج وقتًا أطول من أجل أن تصل إلى نقطة التفاهم، هذا جانب، الجانب الآخر الأهم هو أن المخطط الإسرائيلي المعروف مازال يرمي إلى تقسيم لبنان وتجزئته وتفتيته طائفيًا، صحيح أن الضغط العربي على الولايات المتحدة قد يكون عطل هذا المخطط من أجل اعتماد خطة بديلة تقضي بأن يستقر لبنان لتستقر بعد ذلك المنطقة، وتستمر المصالح الأمريكية في تحقيق أغراضها عن طريق كيان لبنان الموحد دون أن ينقسم، إضافة إلى المنطقة العربية كلها، حيث كل الطرق مفتوحة أمام الولايات المتحدة ونفوذها ومشاريعها.

     فهل يتحقق المخطط اليهودي فيقسم لبنان، وتتبعه أجزاء من العالم العربي، أم يحول وعي اللبنانيين دون ذلك فيحفظوا بلدهم والعالم العربي من تجزئة سوف تكون إسرائيل هي الرابح الوحيد فيها بالنتيجة؟ هذا ما ستنفرج عنه الأحداث.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

121

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

المدرس الذي حول القلم إلى بندقية

نشر في العدد 190

134

الثلاثاء 05-مارس-1974

محليات (190)

نشر في العدد 186

94

الثلاثاء 05-فبراير-1974

العالم الإسلامي (186)