العنوان الخروج المسلح ضد الدولة والمجتمع (1من ٣)
الكاتب المستشار فيصل مولوي
تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2005
مشاهدات 72
نشر في العدد 1668
نشر في الصفحة 52
السبت 10-سبتمبر-2005
لا يكاد يمر يوم إلا ويصدم العالم كله بأعمال عنف تطال الأبرياء من الناس. إن من أهم أسباب هذا العنف الأعمى، ما يجري في العالم من ظلم فاضح تمارسه القوى العالمية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ضد الشعوب المستضعفة في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها، وتسخر في كثير من الأحيان المؤسسات الدولية كمجلس الأمن لتحقيق أطماعها ومصالحها، وتبرير اعتداءاتها. مما يؤجج شعور الحقد عند المظلومين ضد العالم كله، ويجعلهم لا يميزون بين المقاتلين والمدنيين، ولا يستبينون العدو والصديق، فيوجهون أعمالهم ضد شعوبهم أيضًا.
الإسلام يمنع الخروج على الحاكم المسلم إلا في حالة الكفر البواح
معنى «اليد» في تغيير المنكر السلطة
المجتمعات الإسلامية الصادقة كانت خاضعة للأحكام الشرعية وكانت تعين المحتسبين لمراقبة التزام الناس بها.
جمهور الفقهاء يحصر جواز تغيير المنكر باليد في عدم استعمال السلاح
ولأن أكثر هذه الجرائم منسوبة إلى المسلمين وإن كنت أرجح أن دوائر الاستخبارات المعادية ليست بعيدة عنها. ولأن بعض المسلمين يحاولون أن يقدموا لها تبريرات شرعية، مما يزيد في تأليب الرأي العام الإسلامي أولًا، والعالمي ثانيًا، ضد الإسلام وضد الدول والشعوب الإسلامية.
ولأن جميع الأسباب التي تقدم ممن يبررون هذا العنف الأعمى تدور حول فهم خاطئ لبعض الأحكام الشرعية تزين للشباب الخروج المسلح ضد المجتمع والدولة تحت راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذلك أردت في هذه الدراسة شرح وتوضيح بعض
المسائل المتعلقة بهذا الموضوع
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف هو الأمر باتباع محمد ﷺ ودينه الذي جاء به من عند الله والنهي عن المنكر هو طلب الكف عن فعل ما ليس فيه رضى الله تعالى (۱). ولقد شرع الإسلام هذه الفريضة كوسيلة دفاع ذاتي داخل المجتمع المسلم، ضد كل أنواع الانحراف، سواء كان على مستوى الأفراد أو المؤسسات أو المجموعات أو الحكام، وسواء كان الانحراف خفيفًا أو كبيرًا.
الخروج المسلح
«هو تمرد فئة من المسلمين على طاعة الحاكم المسلم المنحرف واستعمالها السلاح بهدف إسقاطه»، وإذا كان بعض الخارجين في التاريخ الإسلامي يقتصرون في خروجهم المسلح على الحاكم وجنوده إلا أن كثيرًا منهم توسعوا بهذا الخروج عن قصد أو بدون قصد، فاستعملوا السلاح ضد المجتمع بمؤسساته الأهلية أو الرسمية، وضد أفراده الأبرياء بتهمة سكوتهم على انحرافات الحاكم، أو تأييدهم له.
معنى «اليد» في تغيير المنكر هي السلطة
قال رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (۲).
ولقد فسر أكثر العلماء التغيير باليد على ظاهره فأجازوا لأحاد الناس تغيير المنكر بالقوة إن استطاعوا ذلك، ولم يتسبب بمنكر أكبر، واشترطوا عدم استعمال السلاح، لكني أميل إلى تفسير اليد هنا بالسلطة وأرى أن تغيير المنكر باليد لا يباح إلا لصاحب السلطة بالمفهوم الواسع، ابتداء من الحكومة، وهي السلطة القادرة على تغيير كل أنواع المنكرات في المجتمع وصولًا إلى الأب في بيته، فهو صاحب سلطة في بيته وقادر على تغيير المنكر، وبينهما أنواع المؤسسات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية. ففي كل منها سلطة قادرة على التغيير، فالجمعية ذات النشاط الاجتماعي، أو الحزب الذي يتعاطى العمل السياسي. أو الشركة التي تشتغل في الميدان الاقتصادي، أو غيرها.. كلها مؤسسات توجد فيها سلطة قادرة على التغيير في نطاقها، كالرئيس أو مجلس الإدارة أو غير ذلك، والدليل على صحة تفسير اليد بالسلطة ما يلي:
- التغيير باليد مقيد بالاستطاعة والاستطاعة لا توجد إلا عند من له سلطة:
أن تغيير المنكر باليد مقيد بالاستطاعة، وهي مفهومة من نص الحديث المذكور: (فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه). ومع ذلك فهناك رواية ثانية: «من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره بيده فلیغیره بيده (۳). وقد ذكر البيهقي هذه الرواية تحت عنوان: «باب الرجل يدعى إلى الوليمة وفيها المعصية، فينهاهم، فإن نحوا ذلك عنه وإلا لم يجب» (٤) فالتغيير باليد هنا كان مجرد النهي، فإن لم يستجب له، فلا يغير بالقوة، بل يمتنع هو عن المشاركة.
ومما لا شك فيه أن أحاد الناس ممن ليست لهم سلطة تسمح بالتغيير، لا يستطيعون التغيير باليد خاصة في مجتمعاتنا المعاصرة. نعم قد يقدرون على إزالة المنكر مؤقتًا. لكن أكثر المنكرات القائمة اليوم تسمح بها السلطات الرسمية، أو على الأقل تعتبرها من الممارسات الشخصية التي لا يجوز التدخل فيها. فإذا أقدم أحد الناس على إزالتها بالقوة فإن صاحبها. إذا لم يقتنع بالامتناع عنها - قادر على أن يعود إلى ارتكاب المنكر والقوانين القائمة تحميه والسلطات تدافع عنه وتعاقب من يتعرض له، فتكون النتيجة أن المنكر لم يتغير، بل يزداد قوة ورسوخًا، وليس هذا هو المقصود من الحديث، مما يؤكد أن أحاد الناس اليوم لا يستطيعون تغيير المنكر باليد تغييرًا حقيقيًا، إلا إذا كانت عندهم سلطة رسمية تسمح لهم بذلك.
- التغيير باليد كان مأذونًا به من السلطة وهو ممنوع اليوم:
إن المجتمعات الإسلامية في العصور السابقة كانت خاضعة للأحكام الشرعية، والسلطة القائمة كانت إجمالًا حريصة على التزام هذه الأحكام، وهي كانت تعين المحتسبين المراقبة التزام الناس بها. فمن يتطوع من المسلمين للقيام بمهمة إزالة المنكرات، يقوم عمليًا بمساعدة السلطة في هذه المهمة، مما يعني أن السلطات أذنت للناس بذلك ولو ضمنيًا. فإذا قام أحدهم بتغيير المنكر باليد فقد استطاع تغييره فعلًا. لأن صاحب المنكر لا يستطيع الشكوى إلى السلطة. فهي ستعافيه بدورها، وهو لا يعود إلى المنكر خوفًا من أن ينكشف أمره للسلطة أو للناس.
هذا الواقع تغير كليًا. فقد أصبحت أكثر المجتمعات الإسلامية اليوم خاضعة لقوانين وضعية لها نظرتها للمنكرات وهي تختلف عن النظرة الشرعية، وهي لم تأذن لأحد بتغيير منكر لا تعتبره كذلك، وإذا أقدم أي إنسان على التغيير فسيتعرض للعقوبة وللتغريم. هذا الواقع يقتضي اليوم تفسير اليد بالسلطة القادرة على التغيير، ويفرض ضرورة الانتقال من التغيير باليد إلى التغيير باللسان.
عندما انقدح في ذهني هذا التفسير، كنت أظن انه جديد، لكني اطلعت بعد ذلك على آراء من سبق إليه من كبار العلماء والمحققين. يقول القرطبي «ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يليق بكل أحد وإنما يقوم به السلطان، إذ كانت إقامة الحدود إليه والتعزير إلى رأيه، والحبس والإطلاق له والنفي والتغريب» (٥). ويقول الشاطبي وهو يتحدث عن مراتب الإنكار: «فمنهم من يقدر على ذلك باليد، وهم الملوك والحكماء ومن أشبههم، ومنهم من يقدر باللسان كالعلماء ومن قام مقامهم. (6) - ويقول أبو سعيد الخادمي: «إن التغيير باليد شأن الأمراء، فكل من يقدر على التغيير باليد فهو ملحق بالأمراء» (۷)
التغيير باليد لا يعني حكمًا استعمال السيف
جمهور الفقهاء يحصر جواز تغيير المنكر باليد. بألا يكون فيه استعمال السلاح ذكر الأشعري خلاف العلماء حول هذه المسألة فقال: «قال قائلون: تغير يقلبك، فإن أمكنك فبلسانك، فإن أمكنك فبيدك، وأما السيف فلا يجوز، «قال قائلون: يجوز تغيير ذلك باللسان والقلب فأما اليد فلا» (۸)، وهذا معناه أن جميع الذين نقل عنهم الأشعري لا يرون استعمال السيف في إنكار المنكر. وقال إمام الحرمين: «يسوع الأحاد الرعية أن يصد مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله، ما لم ينته الأمر إلى نصب قتال وشهر سلاح، فإن انتهى الأمر إلى ذلك ربط الأمر بالسلطان» (۹)
ويقول الإمام الغزالي: «مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه شهر سلاح، وذلك جائز للأحاد بشرط الضرورة» (١٠).
لكن الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ويشير إلى أن الصحابة بايعوا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان، هذا الحديث وأمثاله يمنع الخروج على الحاكم المسلم إلا في حالة الكفر البواح، وهكذا اندفع بعض الشباب المسلم إلى إطلاق التهم بتكفير الحكام ثم تكفير المجتمع، وبالتالي فقد ظنوا أنهم أصبحوا يملكون الحجة الشرعية للخروج المسلح باعتباره جهادًا مشروعًا ضد الكفر.
مختصر دراسة قدمت إلى مؤتمر العلماء بشرم الشيخ في 21 أغسطس ٢٠٠٥ م.
الهوامش
(1) الموسوعة الفقهية الكويتية باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ج 1.
(۲) رواه مسلم
(۳) أخرجه مسلم ٦٩/١ كتاب الإيمان وأبو داود كتاب الصلاة، وابن ماجة كتاب الصلاة، والنسائي كتاب الإيمان والبيهقي في كتاب الصداق.
(4) سنن البيهقي كتاب الصداق 7/266
(5) تفسير القرطبي الآية (21 من سورة آل عمران - الجزء الرابع 47)
(6) طرق انتهاء ولاية الحكام كايد قرعوش مؤسسة الرسالة - بيروت - ص (٤١٧) نقلًا عن الاعتصام للشاطبي 2/250
(۷) المرجع السابق ص (٤١٧) نقلًا عن حديقة المحمودية في شرح طريقة المحمدية أبو سعيد الخادمي 2/303 «مطبعة شركة صحافية بدار الخلافة العلمية».
(۸) الأشعري، مقالات الإسلاميين.
(۹) النووي - شرح مسلم ٢٥/٢ -
(۱۰) الغزالي إحياء علوم الدين ٢٣٢/٢
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل