العنوان الخديعة.. قصة من وحي الواقع
الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1976
مشاهدات 72
نشر في العدد 287
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 17-فبراير-1976
كنت أعتقد دائمًا أن الصداقة التي تضرب جذورها في قاعدة الطفولة لا يمكن أن تفصم عراها عوادي الزمان، ولا يمكن أن تؤثر عليها خلافات الرأي أو الاتجاهات الفكرية المتضاربة؛ ولكن الأحداث غيرت من هذا الاعتقاد، وكم كنت أتمنى أن لا أفجع بصديق الطفولة، ولكن كم أمنية تبخرت مع قسوة الأحداث ومرارة الوقائع.
كان «مفيد» لا يفارقني ولا أفارقه منذ كنا في المدرسة الابتدائية، وكثير من الناس كانوا يظنونه أخي لأمي وأبي، وكان والده يحبني ويجلني ويقربني، مما زاد صداقتنا تأكيدًا، وقد كنا في المدرسة طالبين مجدين، وكان مفيد دائمًا في الطليعة، وكنت أجاهد لألحق به في مجموع الدرجات ولكن هيهات، لقد كان ذكيًّا مجدًّا طموحًا، لا يصرفه عن الدراسة ما يصرف الطلاب من ألعاب ونواد وملاه.
وعندما أنهينا المرحلة الثانوية أخذنا نفكر في أسى وأسف، ونسخط على ما سيفرقنا، لقد كان والد مفيد على مقدرة مادية بسيطة، ولكنها تتيح لابنه الدراسة في إحدى جامعات الدول المجاورة، وكان والدي رحمه الله قد رحل عن الدنيا ولم يخلف لنا سوى هذه الدار المتواضعة التي تئوينا، وكانت والدتي تنتظر الساعة التي أتم فيها تعليمي الثانوي لالتحق بعمل ما، لعلي أساعد إخوتي الصغار في دراستهم، وكم راودتني نفسي أن أطلب من صديقي أن يصرف نظره عن الدراسة الجامعية، ولكني كنت أعود عن هذا التفكير مؤثرًا مصلحة صديقي على كل شيء.
ومرت السنة الأولى بعد مغادرة مفيد إلى الجامعة.. مرت أيامها القاسية، وكان العزاء خلالها عشرات الرسائل التي كنا نتبادلها، وعاد مفيد ليحدثني عن الجامعة والأساتذة والطلاب، وعن النوادي والحفلات، وقد حدثني عن الأحزاب التي تنتشر بين الطلاب، وعن الأفكار التي يحملها الشباب، وهي تتراوح بين اليمين واليسار، والكفر والإيمان! وكنت أشعر من خلال حديثه أنه بعيد عن هذه الاتجاهات.. يكره أن يغشى نواديها ويبغض من ينتمي إلى أحزابها، ولم أكن بدوري على علم في عملي بمثل هذه الأمور؛ لأني كنت حتى في عملي خلال هذه السنة قليل الاختلاط بالناس، يشغلني عنهم مطالب إخوتي ومسئوليتي نحو تربيتهم ورعايتهم.
ولكن الأعوام التالية غيرت من تفكير مفيد وسلوكه، فأخذت ألاحظ عليه الاهتمام بأشياء لم يكن يعيرها من قبل اهتمامًا.. فهذا السروال العجيب، وهذا الشعر الطويل، وهذه السوالف المتدلية على الأصداغ، ثم هذه اللهجة الجديدة في الكلام.
وكنت أشعر أنني كلما فاتحته في الكلام عن هذه الأمور ضاق بالكلام، فكنت حفاظًا على صداقتنا أطوي هذا الحديث وأفتح حديثًا آخر أستمده من ذكرياتنا الماضية، ولكنني كنت أشعر أنه أيضًا يضيق بهذا الحديث ويود لو يحدثني عن أشياء ثم يتراجع ويلوذ بالصمت!
ولم يطل هذا الموقف كثيرًا، ويبدو أنه قرر أن يطرق الموضوع، فسألني ضاحكًا: ألا تريد أن تتم تعليمك؟
قلت: أنت أدرى بالذي أنا فيه، هذه أمنية بعيدة التحقيق.
قال: ولكنها في متناول اليد!
قلت: أدركني.. أدرکني، إن كانت لديك الوسيلة فلا تحرمني!
وصمت، وأغمض عينيه، ثم افتر ثغره عن ابتسامة وقال وهو يربت على كتفي: إن الإنسان المتفتح يجب أن يستغل الفرص، ثم إن هذه الفرصة التي سأقدمها لك سوف تفتح أمامك أبواب السعادة، وسوف تكون بها إنسانًا آخر تمامًا.
وقبل أن يتيح لي فرصة الكلام قال: أنت أخي، ولا سر عليك، لقد أعجبت وأنا في الجامعة بأستاذي «ميشيل»، وقد أعجب هو بذكائي واجتهادي، وبعد صداقة ثلاث سنوات عرض علي أن أنتمي لحزبه، فلم أتردد بالقبول رغم أني لم أعرف ما حزبه في البداية!
قلت: حزبه؟ وما حزبه؟
قال: الشيوعية!
قالها ببساطة متناهية، كأن اعتناق الشيوعية أمر هين بسيط!
والحقيقة أنني صمت طويلًا، لقد عقدت لساني دهشة وأخذتني الحيرة، كيف ينتهي الأمر بمفيد إلى هذا المصير؟! لماذا يعتنق الشيوعية وهي أبعد ما تكون عن طبيعته؟! كيف يخدع هذا الشاب الذكي بادعاءات الشيوعية؟!
واستغرقت في التفكير مدة طويلة، وأفقت على نفسي وأنا أقول: میشیل! أستاذي، ميشيل! أستاذي!
فقال: ماذا تقول؟
قلت: السر في هاتين الكلمتين!
قال: وما السر؟
قلت: لا شيء، لا شيء. وافترقنا.
ولأول مرة سافر مفيد إلى الجامعة ولم أودعه، وقال لي والده عندما التقينا: لقد سأل عنك، لماذا لم تأت لتوديعه؟ هل كانت أعمالك بهذه الكثرة؟
قلت: معذرة يا عم، إن الأمر أكبر من ذلك.
فقال: وما الأمر؟
قلت: لقد تغير مفيد، لقد اعتنق مذهبًا إلحاديًّا، لقد كفر بالله وبالإسلام!
قال: أستغفر الله، لا تأكل لحم أخيك!
قلت: ولكنه قال لي ذلك، لقد أصبح شيوعيًّا!
وفوجئت به يقول: آه، الشيوعية، وهل هناك أحسن من الشيوعية؟ عدالة وحرية! ثم إن الشيوعيين هم أنصارنا، ومنهم نستمد التأييد، وعليهم نعتمد في قتال المستعمرين!
قلت: على رسلك يا عم، ما هذا الذي تقول؟ أین عدالتهم؟ وأين حريتهم؟ قوم لم يستطيعوا أن يؤمنوا العدالة والحرية لشعوبهم، فكيف يؤمنوها لغيرهم؟ وأين النصرة والتأييد أهي في نصرتهم وتأييدهم لأعدائنا؟ فكر بكل هذا جيدًا يا عماه!
ولكن الرجل لوى عنقه وأدار ظهره ومضى!
وبعد أن أتم مفيد سنواته الأربع في الجامعة عاد شخصًا غيره عندما ذهب.. عاد فاعتلى منصبًا أكبر من مؤهله! ثم ابتنى بيتًا فخمًا جميلًا بعد سنة من عمله! وأصبح اسمه على ألسنة الناس وفي أعمدة الصحف الرئيسية.. لقد أصبح زعيمًا من زعماء الأحزاب، يقول ويفعل، وقد أرخي له الحبل على الغارب رغم أن الحاكمين عندنا أعداء للشيوعية!
وامتد التغير إلى والد مفيد، فلم أعد أراه في المسجد الذي كنا نصلي فيه سويًّا، وكان لا يرضى أن يصلي إلا في الصف الأول ويطيل المكوث في المسجد ولا يبرحه إلا متأخرًا، وحاولت أن أفعل شيئًا فلم أستطع، لقد تباعد ما بيني وبين مفيد ووالده!
وجاءني ذات يوم من يدعوني لمقابلة مفيد لأمر مهم فترددت؛ ولكني ذهبت لأرى إن كان بإمكاني أن أفعل شيئًا.
ودعاني مفيد في هذه المقابلة إلى أن أنضم إليه، وأكون من المقربين منه، بل وعرض علي مبلغًا من المال عربونًا على الثقة!
وأفهمته أنني قانع بما أنا عليه، ولا أغير ديني.
فقال: ومن طلب منك أن تغير دينك؟ إن كثيرًا من الشيوعيين يصلون!
قلت: يا مفيد، لا تخدعني عن ديني، إن خططكم لا تنطلي علي، فلست غرًّا يخدع، ولست طامعًا بالغنى عن مثل هذا الطريق، واتق الله في نفسك وعد إلى رشدك.
وضحك مفيد ومد إلي يده مصافحًا وهو يقول: تذكر أنني سأصبح يومًا حاكمًا لهذا البلد، وعندها ستعرف قيمة الشيوعية!
ونسيت هذه المقابلة، ومرت سنوات، وإذا بمؤامرة تكتشف، وإذا بمفيد في غياهب السجون، وإذا بالأحكام العرفية تعلن، وإذا بالمحاكم تعقد.. يكثر الحديث عن زعيم المؤامرة ابن بلدتنا المخدوع «مفيد»، وإذا بأخبار صموده وإصراره على مبادئه تملأ كل مكان.
ورفض أن يتخلى عن مبدئه، وسفه آراء القضاة، ووقف موقفًا رجوليًّا أثار إعجاب الناس!
ولم أدر ما أفعل، أأذهب إلى أبيه أواسيه، أم أذهب إلى مفيد أدعوه للتعقل؟ أم ماذا؟ لست أدري.
لقد وقعت في حيرة لم ينقذني منها سوى ضابط المباحث الذي استدعاني إلى مكتبه وطلب مني أن أقابل مفيدًا لكي أقنعه بالعدول عن موقفه، لعل المحكمة تخفف عنه حكم الإعدام الذي تنوي أن تصدره ضده.
وذهبت إليه في سجنه وحاولت بكل الطرق أن أقنعه؛ ولكنه أصر على رأيه، فاستغربت لذلك وذهلت منه، وقلت له قبل أن أخرج: إنه الإعدام يا مفيد!
فقال بثقة: لن أعدم!
فقلت: إن حكم الإعدام سيصدر إن لم تتراجع عن موقفك.
قال: ولن أعدم!
وعدت كما ذهبت، واقترح علي ضابط المباحث أن أقابل والده، فذهبت إليه ووجدته يؤمن بما يؤمن به ولده: لن يعدم ولدي.. أؤكد لك هذا أن وراءه من يحميه، ولا يستطيع أحد أن يمسه بأذى!
قلت: ومن يحميه يا عم؟!
قال: دولة عظمى لا يعصى لها أمر.
قلت: إذن هذا هو السر!
قال: السر في ماذا؟
قلت: في صمود مفيد واستخفافه بالإعدام!
قال: وماذا تظن إذن؟
قلت: لا، لم أظن شيئًا، ولكني أنصحك أن لا تعتمد على هذا، هب أن هذه الدولة قد تخلت عنه.. إنه الإعدام!
قال: لقد أكد سفيرها هذا، وهم لا يكذبون.
قلت: إنهم يريدون أن يكسبوا نصرًا للشيوعية على حساب ولدك، إن مفيد لا يهمهم.
قال: وما الذي يهمهم إذن؟ ابني زعيم الشيوعية هنا!
قلت: الذي يهمهم أن يتحدث الناس عن صمود الشيوعيين على مبادئهم وليس غير ذلك.
قال: إنك تهذي!
قلت: سامحك الله.
وانصرفت، ولم تجد كل المحاولات مع مفيد، وصدر الحكم بإعدامه، ونـفـذ الحكم، ولم نسمع كلمة احتجاج من أحد!
وفي السرادق الذي أقيم للعزاء جلست مع المعزين صامتًا لا أتكلم، وكان والد مفيد يجلس وقد هده المصاب صامتًا واجمًا، أنظر إليه وينظر إلي ولا كلام!
ووقفت للخروج، وتقدمت منه، وعزيته بنظرات أبلغ من الكلام، ولما هممت بالخروج مال الرجل نحوي وقال: سامحه الله، وغفر له ولنا جميعًا.
قلت: آمين.
قال وهو يسير معي إلى باب السرادق: سنلتقي في صلاة الصبح في مسجدنا إن شاء الله.
قلت: إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل