العنوان الخداع الروسي والغربي في الشيشان لا يزال مستمرًا
الكاتب أحمد الأديب
تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1999
مشاهدات 97
نشر في العدد 1381
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 21-ديسمبر-1999
صوت القصف ما زال طاغيًا على ما سواه، ولكن خفتت في الأيام الماضية أصوات الضحايا وأصوات المتحدثين عنهم بصورة ملحوظة، ربما لتراكم الآلام على الآلآم في الشيشان، أو ربما لأن المستغيثين أدركوا أنه لا جدوى من الاستنجاد بنخوة إنسانية أو إسلامية، أو أي نخوة بأي صفة، أو ربما كان ضعف أصوات الاستغاثة نتيجة للعجز عن مجرد إطلاقها، فبعد حصيلة التقتيل والتشريد لم يبق في جروزني وبعض القرى الصامدة الأخرى سوى المسنين والمقعدين والأطفال والعجزة الذين يصل تعدادهم أكثر من 40 ألف شخص وفق المصادر الشيشانية، و12 ألفًا وفق المصادر الروسية.
وقد أكدت الأخبار التي نقلتها وكالات الأنباء في مطالع رمضان -نقلًا عن مصادر روسية وشيشانية، وأن تعداد المهاجرين من جروزني خلال يومين - عبر ما سماه الروس «ممرات آمنة»، لم يتجاوز بضع مئات رغم وجود عشرات الألوف من المدنيين الباقين في المدينة المنكوبة، وعلى أي حال يبدو أن النسبة الأعظم منهم لا تستطيع الحراك أصلًا، بالإضافة إلى من يعتصمون بمدينتهم غير عابثين بالقصف وما يرافقه؛ لأنهم يعلمون أن عملية التشريد عن بلادهم من جديد، كما صنع ستالين بأهل القوقاز في الأربعينيات الميلادية- سوف يترتب عليها عدم العودة إلى الديار مرة أخرى إلا بعد جيل أو جيلين، كما حدث في عهد ستالين، وكانت القوانين الروسية الشيوعية قد منعت فعلًا عودة المشردين المسلمين وعلى امتداد عشرات السنين التالية لتهجيرهم، فلم يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم، إلا في السبعينيات والثمانينيات الميلادية، أي بعد أكثر من جيل كامل وبصورة جزئية، وبما لم يشمل المناطق الإسلامية عمومًا، وإنما بعض تلك المناطق التي سبق تطهيرها عرقيًا ودينيًا من المسلمين، كمنطقة شبه جزيرة القرم.
لم ينخفض صوت القصف، ورغم ذلك لم تنقطع في الأسبوع الماضي سلسلة التصريحات الروسية والغربية، لتوحي بوجود تراجع روسي عن مزيد من الإجرام، وعن احتمال انتهاء الحرب خلال أيام أو أسابيع، وكأنما سبق تلك التصريحات الروسية والغربية اتفاق ضمني على التوقيت والمحتوى، فيتطابق الحديث عن تراجع روسي، أو هدنة، أو قانون عفو، أو ممرات آمنة، أو الحرص على المدنيين، وما شابه ذلك، ولكن يبقى سائر تلك التصريحات مجرد كلام لا طائل تحته سوى الخداع، وهذا ما يسري على الساسة الغربيين الحريصين على تبرير ضعف مواقفهم، وتبرير استمرار تمسكهم بدعوى وحدة الأراضي الروسية حتى ولو اقترن ذلك الحفاظ بإبادة الشعوب والدمار الشامل والحرب الوحشية.
وهو ما يعارض المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة التي تعتبر ما يجري من جرائم سببًا كافيًا للتدخل العسكري الدولي في بلد من البلدان، وهذا المبدأ موجود في ميثاق الأمم المتحدة منذ أكثر من خمسين عامًا، أي من قبل أن يندلع الجدال الحديث حول قضية سيادة الدولة والاختلاف على مبررات خرقها، واستناد مجرمي حرب من أمثال ميلوسوفيتش إلى مبدأ عدم التدخل في شؤون داخلية لدولة أخرى.
الضغوط الأوروبية لا تعدو حدود الكلام الذي لا يضر موسكو، ولا يؤثر على قرارها، وكان أقصى ما مضى إليه الساسة الغربيون بهذا الصدد هو تهديد الاتحاد الأوروبي في قمته الأخيرة في هيليسنكي باتخاذ إجراءات مضادة، إذا نفذ الروس إنذارهم باقتحام العاصمة الشيشانية، ولم يعبؤوا بحياة المدنيين الذين لم يغادروها بعد الإنذار الأخير.
وتردد أن المقصود بالإجراءات المضادة هو تحويل الدعم المالي الأوروبي لصالح موسكو من الميدان الاقتصادي إلى الميدان الإنساني، والواقع أن الصياغة كانت حلًا وسطًا بين مؤيد ومعارض داخل نطاق الاتحاد الأوروبي، وأن المشكلة ليست في نوعية الإجراءات المذكورة، علمًا أن ما ورد ذكره لا يؤثر على الوضع الروسي من قريب أو بعيد، إنما يكمن ضعف الموقف الأوروبي في اقتصار التهديد على المطالبة بعدم تنفيذ الإنذار الروسي في يوم معين هو يوم انعقاد القمة الأوروبية نفسها، ولم يتضمن ربط المطالبة بإنهاء القصف نفسه، أو المطالبة بحل سياسي، بأي تهديد أو ضغوط، فلا يعدو الموقف الأوروبي أن يكون كالأمريكي من قبيل الاستهلاك الداخلي، وهو بمثابة الضوء الأخضر لمواصلة الروس ما يصنعون، وأن يحرصوا ما استطاعوا على عدم ارتكاب أعمال من شأنها أن تثير وسائل الإعلام والرأي العام، كأن يكون القتل جماعيًا ودفعة واحدة، بدلًا من أن يكون بطيئًا في حرب طويلة الأمد.
الضغوط الغربية والحديث عن استجابة الروس لها ليس أكثر من أسلوب للتبرير وشغل الرأي العام عما يجري في الشيشان، ويظهر ذلك بوضوح عند رصد الضعف في الموقف الأوروبي جنبًا إلى جنب مع الزعم أن ضغوط الغرب بدأت تؤدي مفعولها، كما ورد على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية، فما الذي تعنيه الاستجابة الروسية المزعومة لضغوط غربية مزعومة مادامت الحرب نفسها مستمرة دون هوادة، ومادامت الدولة التي يذكر رئيسها بوريس يلتسين مجددًا بأنها دولة نووية تستخدم مختلف الأسلحة الثقيلة، في القصف الجوي والمدفعي والصاروخي المتواصل، بل وتستخدم السلاح الكيماوي على الأرجح.
ثم تزعم موسكو فوق ذلك أن ما تصبه من حمم وقذائف بمعدل عشرات الغارات الجوية وألوف الأطنان من المتفجرات وبتعبئة عشرات الألوف من الجنود، واستنفار المئات من الدبابات والمصفحات والمدفعية الثقيلة والطائرات المقاتلة والعمودية، جميع ذلك إنما يستهدف حفنة من الإرهابيين، ثم لا تجرؤ تلك القوات الروسية على اقتحام العاصمة الشيشانية عسكريًا، خشية خوض معركة مباشرة مع تلك الحفنة الإرهابية، وتكتمل الصورة عندما نرى عدم تورع الغربيين عن اعتبار المخاوف العسكرية الروسية من دخول جروزني بعد تلقي المزيد من الضربات المضادة، دليلًا على استجابة روسية مزعومة لضغوط غربية مزعومة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل