; الخامس من نوفمبر.. وأوهام العرب!! | مجلة المجتمع

العنوان الخامس من نوفمبر.. وأوهام العرب!!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

مشاهدات 63

نشر في العدد1224

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

هل تستحق الانتخابات الأمريكية التي تجري هذا الأسبوع كل هذا الاهتمام العربي الكبير بنتائجها، سواء على مستوى القيادات أو وسائل الإعلام أو المثقفين والسياسيين؟!.

إن نظرة متعمقة في أسلوب وطريقة انتخاب الرئيس الأمريكي ستؤكد أن الشعب الأمريكي لا يملك- في سواده الأعظم- نتيجة الانتخاب، ولا هو قادر في مستوى مواطنه العادي على صناعة سيد البيت الأبيض، أو حتى تحديد هوية الكونجرس. فلأسباب تاريخية أتجه الدستور الأمريكي إلى عدم إعطاء اعتبار كبير لرأي الفرد في تحديد نتائج الانتخابات، فأصبح الاقتراع لا يتم مباشرة بل عبر «هيئة الناخبين» في كل ولاية، وهو نظام له تعقيداته التي لا يفهمها حتى رجل الشارع الأمريكي، لكنها تؤدي إلى حصر مكاسب الانتخابات على الطرف القوي الأكبر حجمًا والأعلى صيتًا، وتعطيه كل أصوات الولاية لو انه حصل على أكثر من ٥٠ بالمائة من أصوات الناخبين فيها.

هذا النظام ينحاز بقوة للحزبين الحاليين الجمهوري والديمقراطي، فمن يملك الأموال والنفوذ والاتصالات القوية مع وسائل الإعلام وأساطين الاقتصاد يحوز في النهاية على كل شيء، لأن من لا يملك الأغلبية في أي ولاية يحصل على صفر من الأصوات التمثيلية «538 صوتًا للولايات الخمسين».

كما حدث للمرشح المستقل روس بيرو الذي حصل في نوفمبر ۱۹۹۲م على ۱۹ مليون صوت، لكن رصيده من الأصوات التمثيلية كان صفرًا، في حين أن بيل كلينتون حصل على ٤٣ مليون صوت وفاز بـ ۳۸۰ صوتًا تمثيليًّا ودخل البيت الأبيض بنجاح كبير.

هذا النظام يقدم أفضل الفرص للأقليات المنظمة ذات النفوذ مثل اليهود الذين لا يزيد عددهم على 6 ملايين نَسَمة، لكن تركزهم في ولاية مثل نيويورك يجعلهم يهيمنون على أصواتها التمثيلية «٣٤ صوتًا» وكذلك لهم نفوذ غير قليل في كاليفورنيا «٥٤ صوتًا» وولايات أخرى.

ويعيق هذا النظام فرصة تكوين أحزاب ثالثة ويغلق الباب أمام المرشح المستقل للرئاسة، إذ بدون دعم الحزبين تبدو المنافسة الانتخابية كما لو كانت مضيعة للوقت والمال، كما حدث لروس بيرو، وقبله جورج والاس عام ١٩٦٨م، وهكذا سيظل البيت الأبيض وجاره الكونجرس في قبضة الثلاثي الحاسم: الشركات العملاقة ومساعداتها، وسائل الإعلام، الأقليات القوية وخصوصًا اليهود. 

أما اليهود فيملكون العناصر الثلاثة السابقة، وهيمنتهم على وسائل الإعلام غير خافية، وفي بلد يتلقى ٢٦٠ مليون مواطن كل معلوماته عن العالم عن طريق التليفزيون يصبح من يملك شبكات التلفزة سيد الرأي العام. 

ولعله من غير الدقيق أن نقول إن لليهود الهيمنة الكاملة على المجتمع الأمريكي، لكن نفوذهم يسمح لهم بأن يطلب المرشح أو الحزب الأمريكي رضاهم في القضايا

التي تهم الصهيونية العالمية، والسياسي الأمريكي الذي يتركز اهتمامه على المواضيع والإنجازات الداخلية لن يتردد في أن يسيطر المستشارون اليهود على قرار السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ولا أن تتضاعف المساعدات الأمريكية لإسرائيل، لذا ليس من المستغرب أن يتنافس الحزبان الديمقراطي والجمهوري على رضا اليهود، وأن تطلق الوعود بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس مثلًا، أو أن يسارع نواب الحزبين في تبرير مذبحة قانا في لبنان، وأن يتسابق كلينتون مع الجمهوريين في الاحتفاء بزيارة نتنياهو للولايات المتحدة. 

ويعطي النفوذ الإعلامي لليهود القدرة على معاقبة خصومهم داخل النظام الأمريكي، وعندما قدم السيناتور «بول فيندلي» سؤالًا قبل سنوات عن حجم المساعدات الأمريكية لإسرائيل من الإعلام الأمريكي حملة شنيعة ضده ولصالح منافسه في ولاية «ألينوي» حتى أسقطوه في الانتخابات رغم أن اليهود لا يشكلون شيئًا بين ناخبي هذه الولاية.

إن وجود غالبية من الممولين والمنتجين اليهود في شبكات التلفزة الأمريكية الخمس الرئيسية وفي الصحف،يعني أن صياغة الخبر واتجاهه، ومن يظهر من السياسيين، ومن يتم التعتيم عليه، يتم على أساس استجابة السياسي الأمريكي لقائمة المصالح الصهيونية. 

كل ما سبق من عناصر في الجهاز السياسي الأمريكي وفي الدستور الأمريكي نفسه يجعل من العبث أن يتوقع العرب تغييرًا يذكر من وراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، أو أن يتصور أحد أن المستقبل القريب أو البعيد سيحمل موقفًا أمريكيًّا فيه شيء من الإنصاف للعرب والمسلمين، خصوصًا ما يتعلق بالقضيةالفلسطينية.

إن السبيل الوحيد لدفع الولايات المتحدة لتعديل سياستها في المنطقة يتمثل في أن يحرك العرب العناصر السياسية والاقتصادية والأمنية القائمة في اتجاه يجعلهم أكثر قدرة على التفاوض وتكوين الموقف مع واشنطن. 

فاستمرار دول عربية رئيسية مثل مصر في الاعتماد على المساعدات الأمريكية والارتباط المبالغ فيه بالسياسة التي تقودها واشنطن في المنطقة يجعل من الصعب تحسين الموقف التفاوضي للعرب، كذلك فإن استمرار النظام العراقي في ممارسة دوره التخريبي في المنطقة وعدم نجاح إيران في تحقيق سياسة أكثر إيجابية مع جيرانها سيرغم دول الخليج على الاستمرار في الاعتماد على الدعم العسكري الأمريكي، خصوصًا مع عدم نجاحهذه الدول في تحقيق القدرة الذاتية على الردع والدفاع رغم الاتفاق الضخم على التسليح.

أما ترقب موعد الخامس من نوفمبر وعقد الأماني على تغيير أمريكي إلى الأفضل فهي أوهام الضعفاء، ولا كرامة للضعفاء في هذا العالم.. اللهم ردنا إليك وأعزنا بدينك وانصرنا بنصرك. 

الرابط المختصر :