; الخائفون من جثمان حسن البنا | مجلة المجتمع

العنوان الخائفون من جثمان حسن البنا

الكاتب نعم الباز

تاريخ النشر السبت 28-أغسطس-2010

مشاهدات 61

نشر في العدد 1917

نشر في الصفحة 49

السبت 28-أغسطس-2010

مسلسل الجماعة أثار لدي ذكريات كثيرة مليئة بالتناقضات من شجن وألم إلى كفاح ونضال.. أحداث عاصرتها ونقشها الزمن على جدار ذاكرتي، ولم تطمسها أية أحداث أخرى.. كنا في «الحلمية»، وكان سكان الحلمية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات يعتبرون يوم الثلاثاء يومًا لمصر كلها وليس لهم، حيث تفترش الجماهير الشوارع المحيطة بالمركز العام للإخوان المسلمين حتى شارع محمد علي، وعند المساء يتوقف الترام تمامًا لأن أهل مصر أغلقوا المكان وافترشوا الأرض، أتى الإخوان من كل مكان يستمعون إلى المرشد العام حسن البنا، ولم أكن أعلم أن الرجل في الأربعينيات من العمر، فقد كانت صوره وقورة، وعيناه نافذتين تتناغم فيهما القوة بالحنان.

وكان أبي صديقًا لمعظم أعضاء مكتب الإرشاد، ولكنه لم يكن إخوانيًا فكان التزامه بالإسلام المستنير.. أبي علمنا أن تكون مصر هي الأساس حتى لا تأخذنا عصبية الالتزام بتنظيم معين أو حزب معين وتضيع طاقاتنا في الدفاع عن مبادئ الحزب أو التنظيم.. فقط نلتزم بأخلاقيات الفرسان وتعميق حب الوطن ليس بالأغاني، ولكن بتهيئة أنفسنا لنشارك في البنيان ونؤكد أننا أصحاب الوطن، ولأنه كان كذلك فقد اكتفى بصداقتهم ومساعدة أسرهم أثناء اعتقالهم..

لهذا كان في بيتنا أيام الاعتقالات زوجات وأبناء الكثيرين من أقطاب الإخوان وأعضاء مكتب الإرشاد.

وكنت صغيرة في الرابعة عشرة من عمري حينما اغتيل حسن البنا، وقد وصل الخبر إلى بيتنا فور وصول جثمانه إلى منزله بالحلمية، وفوجئنا عند الفجر بمجيء سيدة فاضلة هي زوجة عضو مكتب الإرشاد الأستاذ عبد الحليم الوشاحي؛ جاءت تحمل رسالة من والد حسن البنا إلى والدي. بالتوجه فورًا إلى مسجد «قيسون» بشارع محمد على حتى يجتمع للصلاة على جثمان الشيخ حسن البنا، وحتى يكتمل العدد إلى عشرين رجلًا، وهو الحد الأدنى الصلاة الجنازة وكان هذا عرفًا!

 وأذكر أنها قالت ليلتها وهي تغالب البكاء والنحيب:

لقد جاؤوا بالجثمان إلى البيت وقالوا لوالده: «ادفنه قبل أن يظهر النهار !! »، وتم غسل الجثمان بسرعة ونزلوا بالعربة وأرسل والده بعض السيدات ليخبرن أعضاء مكتب الإرشاد الذين بقوا خارج المعتقلات بحضور صلاة الجنازة، ونزل أبي ومعه شقيقاي «جمال» طالب الطب في ذلك الحين و «مأمون» طالب الحقوق،

وبكت أمي وسألت: هل يمكن أن تصلي النساء؟ ولكن الوالد رفض وقال لها : اقرئي «يس» و«الرحمن» و«الواقعة» ، وعاد أبي بعد الصلاة مع أخوي على جثمان الشهيد حسن البنا، وحكى لنا كيف أن المسجد كان محاطًا بالجنود وكبار الضباط وكأنهم مقبلون على معركة كبرى من معارك الأمن.

ترى هل يحقق مسلسل الجماعة هذه الجزئية؟

لا أعتقد.. فمازالت الجماعة تحوي الهلع للنظام رغم افتقارها لرجل مثل حسن البنا الذي كان يمضي الصيف في مدينة «دراو» بأسوان في درجة حرارة تصل إلى خمسين درجة،

 رجل استطاع أن يحدث تغييرًا من خلال التمسك بالعقيدة، واستطاع

أن –يكتشف –بعيني جواهرجي –مجموعة من الرجال كانت تقضي حياتها في المعتقلات حتى الرمق الأخير.. رجل تعيش الجماعة على كفاحه وسيرته.

فكرت أن أحكي هذه الحكاية للكاتب الكبير «وحيد حامد».. ولكن مثل حياتنا كلنا الآن تضيع منا أهم التفاصيل في تأمل أحوالنا التي تنحدر نحو مصب لا نعرفه ولكنه حتمًا مخيف .

المقال نشر بجريدة «المصري اليوم» بتاريخ ١٨ أغسطس ٢٠١٠م

الرابط المختصر :