; الحي والرئيـس والصحافـة | مجلة المجتمع

العنوان الحي والرئيـس والصحافـة

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1975

مشاهدات 77

نشر في العدد 272

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 28-أكتوبر-1975

الحي والرئيـس والصحافـة نحن حي الفقراء في مدينة غنية جـدًا، وحينا يتميز عن بقية الأحياء في هذه المدينة بأن جميع أبنيته من الزنك المهترئ ويجاورنا من جميع الجهات وهذه ميزة أخرى أحياء تتطاول فيها العمارات حتى تكـــاد تصافح النجوم، ليس في حينا شوارع معبدة أو حتى ممهدة، وليس فيه أن مرفقا مــن المرافق العامة التي تتمتع بها بقية أحياء المدينة، وأذكر أن المسؤول فــي وزارة الكهرباء قال لنا عندما تقدمنا بطلب لتوصيل الكهرباء إلى حينا: لماذا تريدون الكهرباء؟ أروني بيتًا واحدًا في حيكم يستخدم آلة كهربائية حتى ألبي لكم الطلب! قال هــذا ووقف معلنًا انتهاء الزيارة ويده على الهاتف تدير أرقامه.. وخرجنا من عنده وقد اقتنعنا أو أقنع بعضُنا بعضا بوجهة نظر المسؤول، فأي حق لنا في الكهرباء حتى نفكر بها فضلًا من المطالبة بها، إلا يكفينا أننا نرى أنوارها في الأحيـاء المجـــاورة؟ كان كبير الحي كثير المشاكسـة للبلدية، فهي تتهمنا بالإهمال، وهو يرد عليها بأن هذا الوضع أمر طبيعي إذا كان عمـــال النظافة لا يعرفون طريق حينا، ونحن يعلم الله نحرص كل الحرص على وضع النفايات في الأمكنة التي حددتها البلديـة، ولكن البلدية نسيت هذه الأماكن بعــد تحديدها مباشرة... وكل الذي نعرفه من البلدية هذه الأوراق التي يستلمها كبير الحي وفيها الغرامة والتهديد، فيمزقها ثم يلقيها فوق أكوام القمامة! ولم يفكر أحد منا أن يقابل مسؤولًا في الدولة بشأن الحي وسكانه، فقد كــان المسؤولون يعتبرون وجودنا عارًا كبيرًا وعيبًا عظيمًا، وقد قيل لنا مرة إن أحـد الوزراء اهتم بالوضع المزري لحينا فقـدم مشروعًا لسحب جنسياتنا واعتبارنا غربـاء ثم طردنا من البلدة وإقامة حي جميل للخبراء الأجانب مكان حينا، ولكن المشروع فشل لأن أحد الوزراء أبدى اعتراضًا عـــلى المشروع خوفًا من استغلاله ضـد الدولة من قبل أعدائها! وبالرغم من الارتفاع المذهل في دخــل الدولة حتى غدا ثراؤها على كل لســان، وحتى أصبح الحديث من دخلها هو الموضوع المفضل للصحف العربية والعالمية، وحتى طمع في مالها من ليس له الحق فيه، بالرغم من كل هذا لم نفكر في مفاتحة المسؤولين لمساعدتها والنهوض بحينــا، ولم يفكر المسؤولون بنا أو بحينا!! وحتى وزارة التربية رفضت بناء مدرسة في الحي، ثم رفضت تخصيص حافلة لتنقل أبناءها إلى المدارس في الأحياء الأخــرى، وأشفق كثير من الآباء على أطفالهم من قساوة الحرارة والرطوبة فمنعوهـــم من الذهاب إلى المدارس حتى لا يصابوا بضربة شمس قاتلة، ولقد سعدت مرة برؤية مدير مدرسة ابتدائية يهز رأسه دهشة لأن ثلاثة من أطفالنا تركوا المدرســة لبعدها عـن الحي وكأنه كان يقول في نفسه: فقـراء ويطالبون بالمواصلات لأبنائهم! فقـراء ويخافون على أبنائهم! أليس هـــذا من العجب؟! وانتعشت آمالنا، أو قل راودنا أمل بالتفات المسؤولين إلينا عندما رأينا شابًا أنيقًا يجوب حينا ويلتقط الصور للأكواخ والأطفال وأكوام القاذورات، ثم يســأل هذا وذاك وهذه وتلك عن الخدمات التي تقدمها الدولة لحينا ويســـجل إجابتنا باهتمام في كراسته الأنيقة مثله، وكان لا يفتأ كلما سمع من الاستغفار والحوقلة والتعوذ بالله من كل من يضيع الأمانــة ويهمل الشعب ومصالحه، ثم وعدنا وهو منصرف إنه سـوف يكتب للمسؤولين عن حينا وأوضاعه المؤلمة، وزعم بأنهم بعد ذلك سوف يعيرونه اهتمامًا يصلح من حالنــا ويرفع من مستوى معيشتنا! ومضى شهر على هذا الحادث كنــا خلاله نعلل النفس والإنصاف، وإذا بسيارة فارهة تقف في مدخل الحي ثم يترجل منها رجل تبدو على هيئته مسحة من الوقار أضفاها عليـه نظارته الأنيقة وبشـته المذهب وحذاؤه اللماع، وســأل الرجل من كبير الحي، فقدناه إليه ونحن مشفقون على حذائه من الغبار وعلى بشته من البساط الترابي في بيت كبيرنا، واحتار الرجل أين يجلس، فقد ظن أنه سيجد في بيت كبيرنا ما يجده في بيته أو في بيت أحد أتباعه! وظل واقفًا، وتصنع اللباقـــة فاعتذر عن وقوفه بأن مهمته قصيرة، وكل الذي يريد أن يقوله أن المسؤولين قد سمعوا أن صحافيًا دخل الحي والتقط صورًا وتحادث مع السكان، وأن المسؤولين يطلبون منا أن لا نسمح لأحد مثله مرة أخرى أن يدخــل الحي أو يلتقط صورًا، ثم أضـــاف بعد برهة من الصمت: إن مصلحتكم أن تفعلوا ما أقوله لكم! وقال كبير الحي بعد أن شكره على تلطفه بالزيارة وبعد أن اعتذر له عن التقصير في الاستقبال: وكيف تريدنا أن نمنع مثل هذا الصحافي أو غيره من دخول حينا ونحن لا نقدر على ذلك؟ إن مثل هذا العــمل من واجبات الدولة أو من مهامها، فإن أرادت أن تمنع أحدا فلترسل من لدنها شرطة تقوم بالمهمة! وصمت زائرنا برهة قبل أن يتمتم: هذا صحيح. . . هذا صحيح، وقبل أن ينصرف التفت إلى الرجال وقال: أليس لكم مطالب لدى رئيس الدولة؟ إنني ممثله. فقال أحد الرجال: نريد أشياء كثيرة، نرید بيوتا، نريد كهرباء، نريد ماء، نريد أن نتساوى مع البشر! وهب الجميع في وجه الرجل يسكتونه ويعتذرون للزائر الكريم عن هذه الجرأة، وأخذوا ينعتون الرجل بكل الصفات التي تخليه من مسؤولية ما قال، وقال رجل آخر يريد أن يعفي على قول الأول: كل ما نريده سـلامة الرئيــس وأن يكون في سعادة وأمان. . ولكن كبير الحي التفت إلى الزائر وقال له: إن مطالبنا هو ما سمعته من الرجل الأول، فأبلغها للرئيس على لساني، وأنا أتكلم باسم الجميع. ولم يتكلم الزائر بل أدار ظهره ومضى. وانتظرنا أن يحيق بكبيرنا سوء، ولكن أسبوعا مضى ولم يحدث له شيء، وكدنــا ننسى الحادث عندما عاد الزائر مرة أخرى ليخبرنا بأنه نقل مطالبنا للرئيس وأنه مهتم بالأمر وسوف يعمل على تحسـين أوضــاع الحي، وأنه يريد ثلاثة من رجالنا لمقابلته. وذهب الثلاثة مرة ومرة ومرة، وفي كل مرة لا يسمح لهم بالمقابلة لانشغال الرئيس بالمقابلات والأحاديث الهامـــة، ثم حول الثلاثة إلى مسـؤول آخر قال لهم بأنه تفهم مطالبهم وسوف يدرسها ويعيرها اهتماما ومضت الزيارات المتكررة والمراجعات التي لا نهاية لها تضعف حماسنا وتخيـب آمالنا، ولكنا تبينا أننا لا نعرف إجراءات الدولة المعقدة والتي لا بد منها عندما قال لنا المسؤولون: اطمئنوا فقد أمر الرئيس برصد ربع مليون من الجنيهات من أجــل إصـلاح حيكم والنهوض بكم. . . ولا تسل عن الفرحة التي غمرتنا والبهجة بذلك دون أن يعيروا بالنبأ، ولكن هـــذه الفرحة بدأت تعلو بعد مرور ستة أشهر دون أن يتغير في حينا شيء ودون أن نحظى بزيارة أحد! وبدأ كبير الحي بمراجعة المسؤولين، وذهب الرجل وكلت أرجله من الذهاب، وتكلم مع المسؤولين حتى ثقل لسانه مـن كثرة الكلام، وشعر من إجابات المسؤولين أن الوعد قد أخلف ولا فائدة من المراجعة، وهمس أحد الموظفين في أذنه بالحقيقــة من قبل، ونظر إلينا وقد تحلقنا حوله نطلب التوضيح فقال: إخواني، يجب أن نقنع بالحياة التي عشناها سنين وأن لا نفكر في التغيير. . وتركنا مسرعا إلى منزله، ولكننا أسرعنا خلفه ولم نتركه حتى حدثنا بالحقيقة، قال: القضية إخوتي أن مبلغا رصد لتعمير الحي، ولكن رسالة جاءت إلى الرئيس من ذلــك الصحفي اللعين الذي زار حينا وصــوره وتحدث معنا وسجل أحاديثنا، وكان موضوع الرسالة من أوضاع حينا التي تحرج الدولة لو قامت صحيفته بنشرها على العالمين، وأن صحيفته في ضائقة مالية قد تضطرها للتوقف أو للبحث عن موضوع مثير تنشره يعيد للصحيفة انتعاشها! واضطرب الرئيس للرسالة، وخشي أن تنشر الصحيفة موضوعا من حينا العتيد، وفكر في تجنب هذا الأمر فقرر مسـاعدة الصحيفة بمبلغ محترم من المال. . . فقال الرجال: وما دخل هذا بموضوعنا؟ فليساعد الرئيس من شاء، وقد قرر لحينا ربع مليون من الجنيهات فما الذي حدث في شأنها؟ وهز كبير الحي رأسه ثم قال في همس كمن يحادث نفسه: لقد حول الرئيس المبلغ إلى الصحيفة. . لقد حول. . الرئيس. . المبلغ. . إلى الصحيفة! !
الرابط المختصر :