; الحياة النقابية في اليمن.. هياكل جامدة في وسط سياسي ساخن! | مجلة المجتمع

العنوان الحياة النقابية في اليمن.. هياكل جامدة في وسط سياسي ساخن!

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1997

مشاهدات 80

نشر في العدد 1264

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 26-أغسطس-1997

فجرت استقالة نقيب الصحفيين في اليمن قضية النقابات المهنية المجمدة بسبب التنافس السياسي

 

جاء إعلان استقالة نقيب الصحفيين اليمنيين بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على كيان النقابة التي ظلت تعاني من الشلل طوال السنوات الماضية بسبب الصراعات السياسية المسيطرة على واحدة من أهم النقابات في اليمن.

نقيب الصحفيين اليمنيين «عبد الباري طاهر» أعلن أن استقالته تأتي نتيجة للجمود الخطير الذي يسود نشاط النقابة، وعجزها عن عقد مؤتمرها العام الثاني، واحتجاجًا على محاولات الهيمنة للسيطرة على النقابة، ومجمل الأسباب التي أعلنها النقيب يقصد بها اتهام سلطة حزب المؤتمر الشعبي العام الذي تتهمه أحزاب المعارضة اليمنية بانه يسعى للسيطرة على العمل النقابي والجماهيري اعتمادًا على إمكانيات الدولة وباستخدام كل الأساليب المتاحة. 

وعلى الرغم من أن الاستقالة جاءت متأخرة، إلا أن نقيب الصحفيين اليمنيين - وهو قيادي اشتراكي بارز - أراد بإعلان استقالته التبرؤ من المحاولات الخفية التي تجري للهيمنة على النقابة، والتي من المؤكد أن يكون هو أول ضحية لها؛ إذ لا شك بأن قوة التوازن بين الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي عام 1990 م هي التي أوصلت النقيب إلى مركزه في قمة النقابة؛ ولذلك فقد بات من غير المعقول أن يستمر في منصبه بعد أن فقد حزبه معظم مصادر قوته بعد هزيمته في الحرب.

عصر الهيمنة

والحقيقة أن استقالة نقيب الصحفيين اليمنيين لن يكون لها صدى قوي في الأوساط السياسية والصحفية، فالنقابة فقدت بريقها منذ سنوات، ولم يبق منها إلا الصيت الإعلامي القديم، كما أن كثيرين لم يتعاطفوا مع ما يحدث لها الآن؛ لأن قيادات النقابة - وبخاصة الاشتراكيين - سبق لهم أن ارتكبوا مخالفات خطيرة أثناء تشكيل النقابة عام 1990م، وتورط الاشتراكيون - آنذاك - في تقاسم السيطرة على النقابات والمنظمات الجماهيرية مع حزب المؤتمر الشعبي عبر أساليب كانت محل نقد شديد من المعارضة، وفي المقابل كان الاشتراكيون - وهم في قمة السلطة - يرفضون التعامل مع النقابات التي لا تخضع لسيطرتهم أو لسيطرة حليفهم السابق المؤتمر الشعبي، ولاسيما تلك النقابات التي سيطر عليها التيار الإسلامي مثل نقابة المعلمين واتحاد الحقوقيين واتحاد الطلاب.

وبمقارنة سريعة بين أوضاع العمل النقابي في اليمن قبل الوحدة وبعدها، يتضح أنه لم يحدث تغيير كبير، فقبل الوحدة عام 1990م كانت سلطة كل شطر تخضع النقابات لسيطرتها.

 وبعد الوحدة تقاسم الحزبان المهيمنان على الدولة السيطرة على معظم النقابات والمنظمات الجماهيرية، واستخدم كل منهما تلك التابعة له في الصراع السياسي الذي شهدته اليمن بين الحزبين الكبيرين – آنذاك-، وكان من جراء تلك الهيمنة أن سقط العمل النقابي في دوامة الصراع السياسي والوفاق السياسي على السواء، ففقد أهميته بعد أن صار ألعوبة بين المتصارعين، وفي المقابل فقد عانى عدد من النقابات والمنظمات الجماهيرية المستقلة عن هيمنة الحزبين الحاكمين من 1990 - 1994م من الآثار السلبية للاتفاق السري بينهما، فظلت الحركة الطلابية - مثلًا تعاني من التشطير على مستوى المدارس والجامعات ورفضت السلطات الحاكمة - آنذاك - في صنعاء وعدن السماح باستكمال الانتخابات الطلابية أكثر من مرة.

وظل الوسط التربوي منقسمًا بين نقابتين، وكذلك اتحاد الحقوقيين.. حيث سيطر الاشتراكيون على ما هو موجود منها في المناطق الجنوبية، وسيطر الإسلاميون على الأخرى في المناطق الشمالية، أما اتحاد نساء اليمن فقد اختصرت السلطة الطريق، وفاجأت الجميع بتعيين قيادة له بعد أن كشفت الانتخابات عن وجود طرف ثالث قوي يتمثل في التيار الإسلامي. 

ويمكن القول إن نقابة واحدة فقط تمكنت من الإفلات من الحصار الثنائي وفرضت وجودها وهي نقابة هيئة التدريس في جامعتي صنعاء وعدن، وربما كان للمستوى العلمي لمنتسبي النقابة دور في تمكنها من المحافظة على وحدتها ودورها في خدمة أعضائها، كما أنها نقابة خاصة بأصحاب مؤهلات علمية عالية يصعب على أي جهة أن تزج بغير المنتمين إليها كما يحدث مع النقابات الأخرى.

ومنذ انتهاء حرب صيف 1994م، وخروج الاشتراكيين من معادلة السلطة، فقد الحزب الاشتراكي هيمنته على عدد من النقابات، وتم تجييرها لصالح حزب المؤتمر الذي واصل عملية بسط هيمنته على النقابات والمنظمات الجماهيرية باستثناء تلك التي يسيطر عليها الإسلاميون؛ حيث تم فرض حصار إداري وإعلامي حولها، وأبعدت عن أي تعامل رسمي مع الدولة، ومنعت عنها الإعانات المقررة لأمثالها، وبذلك يتكرر الوضع نفسه للعمل النقابي مع تغيير شكلي هو خضوعه لهيمنة واحدة بدلًا من هيمنتين، وهو وضع يعني باختصار أن أحد أوجه المجتمع الديمقراطي التعددي قد فقد وجوده بهيمنة تيار واحد على العملية النقابية.

نقابة ميتة

وعودة إلى مشكلة نقابة الصحفيين، فقد سعى عدد من الصحفيين اليساريين إلى إنشاء كيان آخر بعد تأكدهم من خروج النقابة عن سيطرتهم، وهي محاولة ليست جديدة في الحقيقة، فقد سعى عدد من المعارضين خلال الفترة الماضية إلى مثل هذا الصنيع، لكن محاولتهم فشلت في مهدها.

ومن المتوقع - بالطبع - أن تثير استقالة نقيب الصحفيين تعليقات متناثرة، لكن توقيت الاستقالة ربما يدل على أن الاشتراكيين يأسوا من احتمال وجود تنسيق مع حزب المؤتمر يحفظ لهم مواقع محددة فيها، وتأكد لهم أن المرحلة الجديدة ستعمل على تهميشهم نقابيًّا بعد أن تم ذلك على المستوى السياسي، ولذلك فضلوا الانسحاب وإعلان ذلك عبر استقالة أحد «رموزهم المعروفة».

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تؤدي استقالة النقيب إلى تسريع الأعمال المجمدة لانعقاد المؤتمر العام الثاني للصحفيين اليمنيين، أم أن هناك عقبات أخرى داخل حزب المؤتمر ستؤدي إلى تأخير الانعقاد حتى يتم حسم مسألة توزيع المناصب في قيادة النقابة؟

التأخير في ذلك يضعف من مصداقية السلطة التي تؤكد على احترام العمل النقابي وحريته، لكن الطامعين في المناصب ينتظرون الفرصة لحجز جزء من الغنيمة، وبالتالي قد يطيل تنافسهم الإعدادات للمؤتمر الذي من المتوقع أن تنتج عنه نقابة «ميتة» لا ينافسها في وضعها إلا سابقتها.

الرابط المختصر :