; الحياء.. كله خير | مجلة المجتمع

العنوان الحياء.. كله خير

الكاتب د. ناجي عبدالله الخرس

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

مشاهدات 64

نشر في العدد 1115

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

·       خلق الحياء مشتق من الحياة اسمًا وحقيقة؛ فأكمل الناس حياة أكملهم حياء ونقصان حياء المرء من نقصان حياته.

يقول أبو حاتم محمد بن حبان البستي (رحمه الله): الحياء اسم يشتمل على مجانبة المكروه من الخصال.

إذن الحياء أقوى باعث على فعل الخير واجتناب الشر. وتأمل قول النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يقول لصحابته: "استحيوا من الله حق الحياء"، قال: قلنا يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله. قال: "ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" حسن بشواهده. رواه الترمذي ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

 

يقول أبو حاتم (رحمه الله) في كتابه "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء": الواجب على العاقل لزوم الحياء؛ لأنه أصل العقل وبذر الخير، وتركه أصل الجهل وبذر الشر.

والحياء يدل على العقل كما أن عدمه دال على الجهل. ويواصل أبو حاتم كلامه عن الحياء فيقول:

"فإذا لزم المرء الحياء كانت أسباب الخير فيه موجودة كما أن الواقع إذا لزم البذاء كان وجود الخير منه معدومًا وتواتر الشر منه موجودًا"؛ لأن الحياء هو الحائل بين المرء وبين المزجورات كلها فبقوة الحياء يضعف ارتكابه إياها، وبضعف الحياء تقوى مباشرته إياها.

 

ولقد أحسن الشاعر عندما قال:

ورب قبيحة ما حال بيني

وبين ركوبها إلا الحياء

فكان هو الدواء لها، ولكن

إذا ذهب الحياء فلا دواء

 

وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" رواه البخاري.

 

يقول الإمام المناوي (رحمه الله) في فيض القدير: قال القاضي (رحمه الله): "معناه أن مما بقي فأدركوه من كلام الأنبياء المتقدمين أن الحياء هو المانع من اقتراف القبائح والاشتغال بمنهيات الشرع ومستهجنات العقل، وذلك أمر قد علم صوابه، وظهر فضله، واتفقت الشرائع والعقول على حسنه، ومن هذه صفته لم يجر عليه النسخ والتبديل وقيل النبوة الأولى إيذانًا باتفاق كلمة الأنبياء على استحسانه من أولهم إلى آخرهم".

 

وكما قال الشاعر:

إذا لم تخش عاقبة الليالي

ولم تستح فاصنع ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير

ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

يعيش المرء ما استحيا بخير

ويبقى العود ما بقي اللحاء

 

واعلم أن الحياء نوعان: أحدهما ما كان خلقًا وجبلة غير مكتسب وهو من أجل الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها؛ ولهذا قال (صلى الله عليه وسلم): "الحياء لا يأتي إلا بخير".

قال الجراح بن عبد الله الحكم وكان فارس أهل الشام: تركت الذنوب حياء 40 سنة ثم أدركني الورع. وعن بعضهم قال: رأيت المعاصي نذالة فتركتها مروءة فاستحالت ديانة.

 

الثاني: ما كان مكتسبًا من معرفة الله ومعرفة عظمته وقربه من عباده، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المجادلة: 7).

كما جاء في حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): "اتق الله حيثما كنت..." رواه الترمذي حسن صحيح.

 

ويقول الشاعر:

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل

خلوت ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة

ولا أن ما يخفى عليه يغيب

 

واعلم أن للخير والشر معاني كامنة تعرف بسمات دالة كما قال سلم بن عمرو الشاعر:

لا تسأل المرء عن خلائقه

في وجهه شاهد من الخبر

 

ويقول صالح بن عبد القدوس:

إذا قل ماء الوجه قل حياؤه

ولا خير في وجه إذا قل ماؤه

حياءك فاحفظه عليك وإنما

يدل على فعل الكريم حياؤه

 

واعلم أخي المسلم أنه يوجد صنف من الناس لا يفعلون المعاصي فقط بل يعملون على ترويجها بفضح أنفسهم، إما عن طريق القول وإما عن طريق الفعل. وقد أشار النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى هذا النوع من المجاهرين بالمعاصي فقال: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين"، وإن من الجهار أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول: عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه، متفق عليه.

يقول النووي (رحمه الله) في شرحه لهذا الحديث: يكره لمن ابتلي بمعصية أن يخبر غيره بها، بل يقلع ويندم ويعزم ألا يعود، فإن أخبر شيخه أو نحوه ممن يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجًا منها أو ما يسلم به من الوقوع في مثلها أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها أو يدعو له أو نحو ذلك فهو حسن وإنما يكره لانتفاء المصلحة.

 

 

الرابط المختصر :