; تحليل سياسي: الحوار الوطني في الجزائر- الجذور.. العوائق.. الاحتمالات (1-٢) | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي: الحوار الوطني في الجزائر- الجذور.. العوائق.. الاحتمالات (1-٢)

الكاتب النذير المصمودي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

مشاهدات 74

نشر في العدد 1115

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

·       نتائج الانتخابات البلدية والبرلمانية وضعت السلطة القائمة أمام اختبار حقيقي في تعاملها مع التحولات الجديدة القائمة على التعددية وتداول السلطة.

مسيرة الحوار الوطني الجزائري دفعت بها مجموعة التحولات والتغيرات الداخلية -منذ انتفاضة أكتوبر 1988- وتعمق الأزمة السياسية بعد تعليق الانتخابات الاشتراعية 1991 وإلغاء نتائجها، إلى اتجاه معقد برزت معه مجموعة من التناقضات حالت دون الوصول إلى وفاق وطني ينهي علاقة التناقض بين السلطة والمعارضة، ويوفر للبلاد مقومات الاستقرار السياسي والاجتماعي.. وقبل الوقوف على ذلك تفصيلا تستدعي الحاجة في البداية إلى عرض أهم المراحل التي مر بها الحوار الوطني في الجزائر منذ استقلالها عام 1962.

1– مرحلة ما بعد الاستقلال (1962 - 1965) وهي التي كرس فيها الرئيس الأول للبلاد أحمد بن بله "الخطاب الفوقي الزعامي" الغارق في التباهي بمكاسب الانتصار وما حققته ثورة التحرير ولم يكن في هذه المرحلة القصيرة ما يشير إلى انتهاج السلطة الحوار الوطني، مسلكا للقضاء على مجموعة من التناقضات السياسية التي برزت في ذلك العهد بين العسكريين والسياسيين بسبب التنافس على الشرعية واتهام كل طرف الطرف الآخر بمحاولة سرقة ثمرة الانتصار.

2- المرحلة البومدينية (1965 – 1978) التي بدأها الرئيس هواري بومدين وزير الدفاع في عهد بن بله بالإطاحة برئيسه الذي لم يكن ديمقراطيا في نظره، ومع ما ميز هذه المرحلة من بناء وتشييد وعودة الاعتبار للغة العربية في المؤسسات الحكومية والتربوية، فإنها لم تشهد أي انفتاح على المعارضة أو أي حوار معها. خصوصا بعد طرح الميثاق الوطني للاستفتاء الشعبي عام 1976 حيث قمعت السلطة وبقوة الوطنيين والإسلاميين الذين عارضوا محتوى الميثاق الوطني ذي التوجه الاشتراكي العلماني.

3- المرحلة الشاذلية (1978) – (1991) وهي التي شهدت فيها الجزائر أخطر التغيرات السياسية والاجتماعية بعد أحداث أكتوبر 1988 التي اهتز فيها الشارع الجزائري في انتفاضة شعبية عارمة استدعت تدخل الجيش لمواجهتها والحد من تفاقمها، وبصرف النظر عن دوافع وأسباب هذه الانتفاضة فإن بداية هذا التحول تزامنت مع بروز قطب الصحوة الإسلامية بعد أن كان التيار الشيوعي العلماني نافذا في مؤسسات الدولة وحاضرا في القرار السياسي والعسكري لها، وما يكتبه المنصفون للشاذلي بن جديد بعد هذا التحول أنه حاول واستطاع إلى حد ما التنصل من التيار الشيوعي والتخفيف من حضوره في مؤسسات الدولة ودوائر القرار، محاولا في نفس الوقت التقرب من الصحوة الإسلامية ورموزها على إثر تأثره بأفكار ودعوة الشيخ محمد الغزالي أيام وجوده بالجزائر رئيسا لمجلس جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية.

وجاءت الانتخابات البلدية (1990) والانتخابات الاشتراعية (1991) لتكشف عن حقيقة التوجه الشعبي وتأييده للتيار الإسلامي ممثلا في جبهة الإنقاذ الإسلامية وحركتي حماس والنهضة، وتضع السلطة القائمة أمام اختبار حقيقي في تعاملها مع التحولات الجديدة القائمة –حسب الشعار– على التعددية والديمقراطية والتسليم بمبدأ التداول على السلطة وكان الفوز الساحق لجبهة الإنقاذ في تلك الانتخابات القشة التي قصمت ظهر البعير وكشفت عن مدى جدية السلطة في انتهاج المسلك الديمقراطي.

حوار الرصاص وبداية الأزمة

علقت السلطة انتخابات ديسمبر (1991) وألغت نتائجها بعد إقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، وجاءت بمحمد بوضياف من منفاه الاختياري بالمغرب ليكون على رأس أول قيادة جماعية (المجلس الأعلى للدولة)، وبذلك أغلقت الباب أمام خيار الحوار وفتحت أبواب عشرات المعتقلات في أقصى الصحاري الجزائرية لأكثر من عشرة آلاف من عناصر جبهة الإنقاذ وبعض عناصر حماس والنهضة مع ما صاحب هذه العملية الكبيرة من تجاوزات قامت بها عناصر من الجيش والشرطة في حق المدنيين.

وبعد حل جبهة الإنقاذ واعتقال قادتها ظهر الخطاب الاستفزازي من طرف بعض عناصر السلطة، وشرع التيار الفرنكوشيوعي عبر واجهة المؤسسات الرسمية –الإعلامية منها بالخصوص– يدعو إلى اعتماد الحل الأمني في مواجهة الأصوليين، مما ولد لدى بعض الإسلاميين الشعور بضرورة الدفاع، ودفعهم إلى تنظيم مجموعات مسلحة شرعت في عمليات الاغتيال والقتل وبث الرعب إلى أن ذهب الرئيس بوضياف نفسه ضحية لوضع كان هو أحد صانعيه.

وبعد تنصيب علي كافي خلفا له على رأس المجلس الأعلى للدولة (1992) كانت ظاهرة العنف والعنف المضاد قد أخذت طريقها إلى الانفلات بشكل سريع وخطير، فكان ذلك دافعا أساسيا لمجموعة من الأحزاب الكبيرة والمتوسطة إلى المبادرة بدعوة السلطة إلى تدارك الأمر وفتح الباب أمام حوار وطني جاد بين مختلف الأطراف الفاعلة في الساحة من أجل الخروج من مأزق اللاشرعية والاختراق الواضح للدستور، غير أن المجلس الأعلى للدولة كان في تلك الفترة مشغولا بالحديث عن إعادة هيبة الدولة، والمراهنة على الحل الأمني، فيما كانت الأوضاع قد وصلت إلى حد لا يحتمل من الفوضى على جميع المستويات.

ويظهر أنه تحت ضغط هذه الأحزاب والضغوطات الخارجية التي كانت تمارسها المجموعة الأوروبية، وصندوق النقد الدولي، استجاب المجلس الأعلى للدولة وأصدر في يوم 14/7/1992 بيانا أعلن فيه عن فتح حوار وطني ليس فقط مع الشركاء السياسيين وإنما أيضا مع الجمعيات غير السياسية والمنظمات الاجتماعية، ثم شرع في تنظيم لقاءات مكثفة مع ممثلي الأحزاب والمنظمات والجمعيات لكنه لم يستطع تحقيق نتائج مشجعة على مواصلة الحوار وضمان استمراره، نتيجة لتناقض الأهداف المرجوة من الحوار بينه وبين المعارضة؛ فالمعارضة كانت تسعى لعودة المسار الانتخابي وتقليص مدة حكم المجلس الأعلى للدولة، بينما كانت السلطة تسعى بالمناورة إلى ربح الوقت لإطالة عمرها.

وفي أكتوبر (1993) أعلن المجلس الأعلى للدولة عن إنشاء لجنة الحوار الوطني مكونة من ثمانية شخصيات (خمسة مدنيين وثلاثة عسكريين برئاسة الدكتور يوسف الخطيب)، وتميزت هذه المرحلة من مسيرة الحوار بلقاءات مكثفة أجرتها اللجنة مع أحزاب المعارضة الفاعلة في الساحة انتهت بالاتفاق المبدئي بين الطرفين على مواصلة الحوار بعد أن انتقد تكتل الأحزاب الأربعة (جبهة التحرير، حركة حماس، حركة النهضة، الحركة من أجل الديمقراطية) تخوف السلطة من الحوار الجاد وحملها مسؤولية إراقة الدماء بسبب تكريسها لــ: "اللا شرعية في مؤسسات الدولة".

وكانت هذه الأحزاب حريصة على عقد ندوة الوفاق الوطني في آخر عام 1993، إلا أن إرادة السلطة كانت على خلاف هذا الطموح، فبعد تأجيل الندوة إلى 25 يناير 94 أصدرت لجنة الحوار أرضية الحوار الوطني وأبدت الأحزاب استياءها لعدم إشراكها في إعداد تلك الأرضية، وكان هذا السبب المباشر في مقاطعة معظم الأحزاب للندوة التي لم يحضرها من الأحزاب الفاعلة إلا رئيس حركة حماس الشيخ محفوظ نحناح، ثم انسحب في اليوم الأول منها بعد أن ألقى كلمة أكد فيها إصرار حركته في التمسك بخيار الحوار، لكنه تأسف للطريقة غير الديمقراطية التي آل إليها الحوار.

وإلى هذا الحد من مسيرة الحوار بقيت جبهة الإنقاذ خارجة عن دائرته بسبب قرار حلها وحظرها من العمل السياسي وإصرار السلطة على عدم الاعتراف بها، وبسبب إصرار قادة الإنقاذ على عدم الاعتراف بالسلطة القائمة واعتبارها مغتصبة للشرعية التي فازت بها جبهة الإنقاذ بعد انتخابات ديسمبر 1991.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل