; الحوار المطلوب في الساحة الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان الحوار المطلوب في الساحة الفلسطينية

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1990

مشاهدات 73

نشر في العدد 969

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 05-يونيو-1990

لابد من «لملمة» الصف الفلسطيني لأننا لا نستطيع أن نرقى إلى مستوى التحدي مع الاحتلال ونحن أشتات متفرقون.

«أكلت يوم أكل الثور الأبيض» مثل تحكيه إحدى القصص الرمزية المشهورة في الأدب العربي.. وهي قصة محاولات الذئب لأكل ثورين أحدهما أبيض والآخر أحمر.. ولما لم يتمكن من ذلك بسبب اجتماعهما ووحدتهما.. لجأ إلى الحيلة للظفر بمأربه.. فاختلى بالأحمر وأوهمه إنه ليس له به حاجة.. وإنما يريد أن يأكل الثور الأبيض فحسب.. فانطلت الحيلة على الثور الأحمر.. فلم يحرك ساكنًا عندما استفرد الذئب بصاحبه الثور الأبيض.. وكان قد فات الأوان عندما فطن لحيلة الذئب ووجد نفسه، بعد مقتل صاحبه، وحيدًا يواجه نفس المصير، وعندها قال مقولته التي ذهبت مثلًا.. «أكلت يوم أكل الثور الأبيض».

هذا المثل ينطبق بشكل كبير على ساحتنا الفلسطينية.. ونحن إذ نسوقه الآن، فإنما نفعل ذلك بين يدي تناولنا لموضوع العلاقة بين التيار الإسلامي الفلسطيني ممثلًا بحركة حماس وبين منظمة التحرير وعمودها الفقري حركة فتح.

فلقد تابعنا خلال الفترة الماضية، بكثير من الحزن والإشفاق قضية الخلافات وتصاعدها بين حركة فتح وحركة حماس.. تصرفات خاطئة.. مشاكل ميدانية.. احتكاكات وخلافات.. مشاكل السجون وتطوراتها.. تعثر محاولات للتنسيق بين الطرفين.. كل ذلك حدث في الساحة الفلسطينية.. وهو ينذر إذا استمر الحال على ما هو عليه -لا سمح الله- باستفراد العدو بنا واحدًا واحدًا.. وينذر بطالع سيئ على الجميع.. وينذر بالفشل والهزيمة!

منهجان في الساحة الفلسطينية

لا شك أن هناك اختلافات جوهرية بين حركة حماس وحركة فتح، اختلافات تتصل بقضية الأيديولوجيا والفكر.. كما تتصل بقضية التكتيك والموقف السياسي.. وفي الساحة الفلسطينية، نحن أمام منهجين:

المنهج الأول: هو المنهج الإسلامي والذي تمثله حركة حماس.. والتي تؤكد على أن قضية فلسطين هي قضية إسلامية.. وهي تعني الشعب الفلسطيني، كما تعني كل الشعوب العربية والإسلامية.. وإن هذه القضية، قضية عقائدية ذات أبعاد حضارية.. وحركة حماس ترفض المساومة على أرض فلسطين.. كما ترفض القبول بأنصاف الحلول أو الاعتراف بحق اليهود في الوجود على أي جزء من فلسطين.. وتطالب بالأرض الفلسطينية كاملة غير منقوصة من البحر إلى النهر.

المنهج الثاني: في الساحة الفلسطينية هو المنهج الذي تمثله منظمة التحرير بقيادة حركة فتح.. وهو المنهج الذي يحب أصحابه أن يطلقوا عليه أوصاف المنهج «الواقعي» أو منهج «الاعتدال» و«المرونة»!

وهؤلاء ابتدأوا بمجموعة من الثوابت والأهداف الكلية المعقولة.. ثم مع الزمن خففوا منها وتنازلوا عن معظمها.. وأصحاب هذا المنهج حاليًا يعتبرون فلسطين قضية «فلسطينية»، وعلى الأكثر «عربية».. ويؤكدون في برنامجهم السياسي على أن أقصى ما يطالبون به هو الضفة والقطاع فقط لا غير.. ويعترفون بدولة «إسرائيل».. ويوافقون على فكرة الدولتين، ويطالبون بتسوية سلمية عبر المفاوضات أو المؤتمر الدولي.

تجميد الخلافات

هذا هو المنهج الأول بقيادة حماس.. وهذا هو المنهج الثاني بقيادة فتح.. والفرق واضح.. والبون شاسع.. ومع هذا فإننا نتساءل: هل يعني ذلك عدم اللقاء والالتقاء بين حماس وفتح؟!

وهل خيار الفراق والقطيعة- لا سمح الله- هو الخيار الوحيد الذي يمكن أن يحكم العلاقة بين الطرفين؟

وهل مصلحة القضية.. ومصلحة الشعب الفلسطيني.. ومصلحة الانتفاضة المباركة وحركة المواجهة مع الاحتلال.. تتحمل أن يكون بين الطرفين فراق أو قطيعة؟

الظرف الذي يمر به الشعب الفلسطيني اليوم، هو ظرف دقيق للغاية.. لأنه يعيش مرحلة الصراع والصدام اليومي مع المحتل من أجل زعزعة وجوده واستقراره.. ويعيش مرحلة التهيئة والتبشير لإنجاز النصر -إن شاء الله- ودحر الاحتلال وإجلائه..

وفي هذه المرحلة.. فإن تجاوز كل التناقضات.. وتجميد كل الخلافات بين فئات الشعب الفلسطيني وفصائله المجاهدة.. أمر بات لا يمكن تأجيله أو التهاون فيه.. لأن الانشغال بالخلافات والتناقضات بين الفصائل والاتجاهات المختلفة، يعني زعزعة الجبهة الداخلية، التي يفترض أن تكون جبهة متماسكة ومتراصة ومتحدة في مواجهة العدو اليهودي الذي يصب ناره ودماره على الجميع.

نحن لا نستطيع أن نرقى إلى مستوى التحدي مع الاحتلال ووجوده.. ونحن أشتات متفرقون أو مختلفون او متصارعون أو متصادمون.. لابد من لملمة الصف الفلسطيني بكل توجهاته.. ولابد من تمتين الجبهة الداخلية، واتفاق الجميع على توجيه كل البنادق وكل الجهود نحو العدو.. وعدم إهدار أي قدر من الجهد والطاقة في مناوشات وخلافات.. ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 42). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).

هوامش اللقاء

وحتى يكون هناك لقاء بين فتح وحماس.. لابد من إيجاد قضايا مشتركة يتم اللقاء عليها.. ورغم الاختلافات الجوهرية بين الطرفين والتي أشرنا إليها سابقًا.. إلا أن القضايا المتفق عليها كثيرة وواسعة.. وهوامش اللقاء موجودة؛ لذلك فإن المطلوب الآن وفي هذه المرحلة.. مرحلة الجهاد والتحرر.. هو البحث عن نقاط الاتفاق ونقاط التقاطع المشترك.. وليس المطلوب البحث عن نقاط الاختلاف.. ولا نقاط التباعد والتضاد.. رغم أنها موجودة، وهي التي تميز كل طرف عن الآخر.. في الفكر والمبدأ والموقف السياسي.

فالاختلاف موجود.. وهو ليس اختلافًا هامشيًّا أبدًا.. ولو لم يكن الاختلاف موجودًا لما رأينا هذا «الموزاييك» من الجماعات والفصائل التي تزدحم وتضج بها الساحة الفلسطينية.. ولو كانت فتح تحمل كل أفكار ومواقف التيار الإسلامي العقدية والمبدئية والأصيلة، وتلتزم بها لكانت فتح هي حماس.. ولو كانت حماس تتبنى كل أفكار فتح وبرنامجها السياسي المرتكز على التسوية والمفاوضات والاعتراف والتنازل.. لكانت حماس هي فتح.. لكن الواقع أن حماس ليست هي فتح.. كما أن فتح ليست هي حماس.. ورغم ذلك فإن هامش اللقاء والحوار موجود.. وقضايا الاتفاق بيِّنة.

نقاط الاتفاق

ودعونا كإسلاميين نتعامل مع التيارات والجماعات الفلسطينية الأخرى، ومنها فتح، حسب المقولة الرائعة للشهيد حسن البنا رحمه الله «نتعاون فيما اتفقنا عليه»، وإعمالًا لهذه المقولة الحكيمة، على ساحتنا الفلسطينية نستطيع أن نقول إننا متفقون على تحديد عدونا المشترك الرئيسي وهو دولة العدو اليهودي.. وحكومتها وجيشها وقطعان مستوطنيها.. الذين احتلوا أرضنا وشردوا أهلنا.. وصنعوا نكبتنا.. ونحن متفقون على ضرورة مقاتلة هذا العدو لإعادة حقوقنا.. ومتفقون على حماية شعبنا.. ومتفقون على الثأر لكرامتنا ولشهدائنا.. ومتفقون على ضرورة مواجهة كل عمليات القمع والتنكيل والإبعاد والاعتقال التي تجري كل يوم ضد شعبنا.

ونحن متفقون على ضرورة تحرير الأرض الفلسطينية.. أو على الأقل، ليس هناك خلاف بيننا على ضرورة تحرير «الضفة الغربية وقطاع غزة»، فهذا القدر هناك اتفاق عليه.. «أما القدر الذي تختلف عليه فهو أن الآخرين يعتبرون ذلك نهاية المطاف وآخر المشوار.. أما نحن الإسلاميين فنعتبر أن الطريق لا ينتهي عند ذلك، ولابد من استمرار الجهاد والاستشهاد حتى تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر.

ونحن متفقون كذلك على مواجهة أطماع الصهيونية التوسعية في منطقتنا.. ومتفقون على ضرورة وأهمية مواجهة مشروع الهجرة اليهودية ومحاولة إفشاله.. ومتفقون على أن الدول الغربية وأمريكا.. تدعم دولة العدو وتتبناها.

نحن إذن متفقون على كل ذلك.. في المقابل لا ننكر أبدًا أننا مختلفون في قضايا كثيرة في الفكر والأيديولوجيا والنظرة لطبيعة الصراع وطبيعة العدو، ومختلفون في طريق التحرير.. وحجم أهدافنا.. ومختلفون في التحرك السياسي والمواقف السياسية.

لذلك فالمجال أمام الأعمال المشتركة واسع.. وهامشه معقول.. فليتم الاتفاق على ما نتفق عليه.. والتنسيق في تحقيقه والوصول إليه.. وفي قضايا الاختلاف.. فإن ساحة المواجهة مع العدو تتسع للجميع.. فليعمل الجميع.. وليطرح كل طرف رأيه وفكره ومواقفه في القضية وتطوراتها.. ولينقد وليخالف حتى مواقف الطرف الآخر.. وليعارضها.. فهذا لا شيء فيه.. ثم الجماهير هي التي تحكم وتختار وتحدد مواقعها واتجاهها.. وفي النهاية فإن البقاء والاستمرار يكون «للأصلح»، كل ذلك يجب أن يبقى في دائرته الطبيعية.. دائرة التعدد والتنوع.. دون أن يدخل أبدًا في دائرة الفراق أو الصراع أو الصدام لا سمح الله.

أهم فصيلين

المطلوب من فتح وحماس.. هو اللقاء والحوار.. وهذا ليس مطلبًا خاصًّا بحماس أو بفتح.. ولا هو أمر راجع لتقدير مصالحهما التنظيمية فحسب.. وإنما يتعدى هذه الدوائر -رغم أهميتها- إلى الدائرة الأهم وهي مصلحة الشعب.. ومصلحة القضية. فحركة فتح، هي العمود الفقري لمنظمة التحرير وفصائلها.. وهي التي تقود العمل الفلسطيني «الرسمي» من خلال المنظمة ومؤسساتها.

وحركة حماس هي الحركة الأم التي تمثل التيار الإسلامي الفلسطيني.. والتي تنظر لها الحركات والمجموعات الفلسطينية الإسلامية الأخرى على أنها «الأخت الكبرى لها جميعًا.. وهي التي تقود العمل الفلسطيني الجماهيري» من خلال تغلغلها في أوساط الشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين.

لذا فإن وجود الحوار واللقاء بين أهم فصيلين وحركتين على الساحة الفلسطينية أمر بات في غاية الأهمية.. رغم ما بينهما من اختلافات في الجوانب المختلفة.. وذلك من أجل حل كل «الخلافات» ومن أجل تنسيق المواقف و«محاولة» الاتفاق على برنامج مشترك.. وهذا كما قلنا مطلب تمليه مصلحة القضية.. وليس الاعتبارات الخاصة بكل منهما فقط.

قضايا حاسمة

اللقاء والحوار مطلوب.. ومطلوب منه أن يبحث في العديد من المواضيع والقضايا الحاسمة والمهمة.. وأبرزها:

ضرورة الحوار الهادف والعميق في الانتفاضة وأدوارها وأشكال تطويرها وتصعيدها.. والاتفاق على برامج محددة لتحقيقها من خلالها.. والتنسيق في الفعاليات بين الطرفين، ما يتناسب مع قدرات الشعب وإمكاناته واستعداداته وعدم إرباكه نتيجة غياب التنسيق.

ضرورة حل الخلافات والمشاكل التي نشأت داخل السجون بين الطرفين.. والتي تحولت إلى فتنة.. تصاعدت ووصلت إلى مرحلة خطيرة باتت تهدد العلاقات بين الطرفين.. وهذا ما أشرنا له تفصيلًا في مقال سابق.

فالوقت قد حان للقاء والحوار في هذه المشكلة.. من أجل وضع حد نهائي لها.. ومن أجل التوصل إلى صيغة اتفاق يحكم العلاقة بين الاتجاهات المختلفة في السجون والمعتقلات..

والحوار أصبح مُلحًا إثر تعاظم الخطر اليهودي المتمثل بموجات الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفياتي وغيره إلى فلسطين المحتلة.

هذا الموضوع.. وهذه المؤامرة تحتاج إلى لقاء بين الاتجاهات الفلسطينية لوضع إستراتيجية مواجهته والتصدي له وإفشاله.

اللقاء أصبح ضروريًّا من أجل الاتفاق على سياسات واحدة تجاه العديد من المسائل الميدانية في فلسطين المحتلة.. كقضية «قتل العملاء» وقضية التعليم وإغلاق المدارس والجامعات.. وقضية الإضرابات.. وغيرها.

اللقاء بات ضروريًّا لتفويت الفرصة على المحاولات العديدة والحثيثة لأجهزة الموساد وسلطات الاحتلال باتجاه إثارة الخلافات والفتن والإيقاع بين الاتجاهات الفلسطينية.. وتمزيق الجبهة الداخلية.. على طريق القضاء على الانتفاضة.

بانتظار الحوار

وفي هذا الاتجاه.. فإننا في الحقيقة رصدنا الكثير من الإشارات الإيجابية من كل من الطرفين تجاه الطرف الآخر.. وتجاه تفهم أهمية وضرورة الحوار واللقاء والتفاهم.. فلقد أكدت حماس في العديد من بياناتها حرصها على الوحدة الوطنية واستعدادها للقاء مع كل الفصائل الفلسطينية بغض النظر عن فكرها وانتمائها.. كما أبدت تقديرها للدعوات الكثيرة من مختلف الفصائل ومن رئاسة المجلس الوطني للمشاركة في المجلس واللجنة التحضيرية.. ومع أنها اعتذرت عن المشاركة في تلك اللجنة وأبدت تصوراتها التي على أساس الاستجابة لها والتعامل معها يمكن لحماس الدخول في المنظمة ومؤسساتها.

وفي المقابل رصدنا الكثير من الإشارات والتصريحات الإيجابية من السيد أبي عمار ومن قيادات في فتح والمنظمة.. تؤكد على أهمية اللقاء والحوار مع حماس..

فالظرف أصبح مهيأ.. ومُلحًا في آن واحد للحوار واللقاء والتنسيق، والمطلوب الآن هو مباشرة اللقاء والحوار واستمراره.. والمطلوب الآن أن نرتفع فوق الخلافات لنكون على مستوى التحديات.. وعلى مستوى الأمل.. وعلى مستوى القضية.. نحن بانتظار ذلك الحوار.. الذي نرجو أن يكون قريبًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان