; الحوار الفلسطيني الفلسطيني بالقاهرة 2005 | مجلة المجتمع

العنوان الحوار الفلسطيني الفلسطيني بالقاهرة 2005

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 26-مارس-2005

مشاهدات 73

نشر في العدد 1644

نشر في الصفحة 16

السبت 26-مارس-2005

  • فصائل المقاومة كسبت. إصلاحات داخلية مقابل «تهدئة مؤقتة»
  • نزال: أصررنا على كلمة تهدئة في البيان الختامي لأن هناك فارقا كبيرا بين الهدنة طويلة الأمد والتهدئة المؤقتة.
  • ممثلو الجهاد: التهدئة معلقة بشروط وأي خرق صهيوني يجعلنا في حل منها.
  • مسؤولو فتح طلبوا تعديل نظام الانتخابات كي لا يفوز الإسلاميون بغالبية المقاعد.

. هذه هي المرة الثالثة لاجتماع الفصائل الفلسطينية الـ ١٢ في غضون عامين.. في حوار وطني.. وقد جرى سين اريو الاجتماع كما يلي مصر تقدم ورقة مكررة بالتعاون مع السلطة الفلسطينية - تدعو للتوقيع على مشروع هدنة لوقف العمليات ضد الصهاينة لمدة عام كامل، وتبلغهم صراحة أنه ليست هناك ضمانات بتعهدات إسرائيلية أو أمريكية.. حماس والجهاد ترفضان الهدنة.. يفشل الحوار عمليا.. يجري في النهاية التوصل لبيان «توفيقي تقدم فيه حركات المقاومة تهدئة مشروطة.. تنهار التهدئة مع استمرار العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني!».

يبدو أن هذا السيناريو الذي تحقق في حواري القاهرة السابقين عام ٢٠٠٣، ونتج عنه فشل في التوصل إلى موقف فلسطيني موحد بين السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح وباقي فصائل المقاومة خصوصاً حماس والجهاد يوشك أن يتكرر عقب انتهاء حوار القاهرة الثالث «مارس ٢٠٠٥» بالاتفاق على تهدئة، وصفها قادة حماس والجهاد بأنها معلقة، وتبادلية ومشروطة، ومؤقتة تنتهي بنهاية هذا العام ٢٠٠٥. صحيح أن الحوار الأخير نجح في توحيد الموقف الفلسطيني وقدم لكل طرف «السلطة والمقاومة» مكاسب ما، ولكن المشكلة أنه جرت العادة على حضور كافة الفصائل للقاهرة وفي تصور كل منها قراءة سياسية للواقع مخالفة لقراءة باقي الفصائل، بحيث تروج الفصائل -المؤيدة للهدنة - وهي فصائل السلطة من منظور أنها فرصة للضغط على شارون لكشفه أمام العالم بأنه هو الذي يرفض وقف القتال، وبالمقابل تصر فصائل المقاومة على أنه ليس هناك هدنة بدون ثمن، وأنه يجب على الصهاينة تقديم ثمن سواء بوقف العدوان على الشعب الفلسطيني أو إطلاق سراح المعتقلين في سجون الاحتلال. هذا العام شددت فصائل المقاومة على ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل أولاً قبل أي شيء، وبالمقابل سربت حكومة أبو مازن للصحافة قبل القمة معلومات بأن حوار الفصائل سيكون مقصوراً على التوقيع على هدنة لمدة عام، وبدأ الحوار من ذات النقطة التصادمية الهدنة أم ترتيب البيت الفلسطيني؟ محمد نزال عضو وفد حماس -قال في تقييمه للخلاف كما روى لـ المجتمع - «إن المشكلة ترجع لتوصيف المرحلة السياسية الحالية بين الفصائل الفلسطينية وهذا منشأ الخلاف.. فهناك فريق يمثل المقاومة يرى أن المرحلة الحالية هي مرحلة تحرر وطني ومرحلة احتلال ولا يجب وقف أو إنهاء المقاومة طالما استمر الاحتلال والفريق الثاني وهو فريق السلطة يرى أن المرحلة الحالية هي مرحلة استقلال ودولة فلسطينية، ومن ثم يثير مسألة هل «المقاومة مشروعة أم لا؟» أما د. أنور أبو طه عضو وفد الجهاد فقال لـ المجتمع إن الحركة وفصائل أخرى كثيرة أصرت على الربط بين التهدئة وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، «لأن التهدئة في هذه الحالة ستكون مربوطة بالتزامات على السلطة الفلسطينية «إعادة بناء السلطة -الإصلاح- مقاومة الفساد»، بالإضافة إلى التزامات على العدو الصهيوني «وقف الاعتداءات والجدار والانسحاب من المناطق المحتلة». وهذا العام برزت جملة تغيرات وتطورات فلسطينية وإقليمية ودولية دفعت باتجاه تليين مواقف حركات المقاومة وقبولها تهدئة مؤقتة مع قوات الاحتلال ووقف عملياتها يمكن تلخيصها فيما يلي:

ا-حاجة الشعب الفلسطيني إلى فترة تهدئة يلملم فيها ما خربه الاحتلال والقصف والاغتيالات والتجريف المتواصل، وهو أمر أكده لـ الربيع قادة حركتي الجهاد وحماس في حوار القاهرة الأخيرة حيث تحدثوا عن الرغبة في توفير فترة راحة للشعب الفلسطيني الذي أرهقه الاحتلال بعدوانه المتواصل.

۲-الرغبة الفعلية - كما قال أبو مازن للفصائل - في إحراج شارون دولياً وإظهاره على أنه الرافض لوقف القتال والحيلولة دون صدام داخلي بين السلطة بزعامة فتح وباقي الفصائل، وهو ما أكدته حركة الجهاد عندما قال أحد مفاوضيها «د. أنور أبو طه» إنه قبلت التهدئة التي عرضها أبو مازن كي تفضح الأهداف الصهيونية وتفوت الفرصة على فتنة داخلية بين الشعب الفلسطيني.

۳-حاجة فصائل المقاومة الفترة إعادة ترتيب البيت الداخلي بعد سلسلة من الاغتيالات الصهيونية طالت كبار القادة مثل الشيخ ياسين والرنتيسي وغيرهما، فضلاً عن أن الهدنة تعتبر فرصة لتطوير أسلحتها وصواريخها دون ملاحقة الصهاينة والعملاء لمهندسي المقاومة.

٤- حاجة شارون لفترة هدوء أثناء تنفيذ خطة الانسحاب من غزة كي يتفرغ لمواجهة غضب المستوطنين المتطرفين من اليهود الذين هددوا بتمرد كبير واغتيال شارون نفسه ومسؤولين آخرين والهجوم على المسجد الأقصى أو قتل أنفسهم.

٥- حاجة واشنطن لفترة هدوء في فلسطين كي تتفرغ لملفي سورية و إيران وحزب الله، وحاجة الصهاينة لذات الهدوء كي يتفرغوا للاشتعال المنتظر في جبهة الشمال مع حزب الله والمقاومة اللبنانية في حالة اندلعت حرب مع سورية أو لبنان أو إيران حيث يتوقع أن يتدخل حزب الله ويضرب مدن الاستيطان الإسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨.

-أظهرت الانتخابات البلدية التي جرت حتى الآن فوز حماس بـ ٤٠% من 

المقاعد في معاقل فتح بالضفة الغربية، و ٧٠% في غزة، وتزامن هذا مع مرور فتح - باعتراف مسؤولين من فتح في قمة القاهرة - بأسوأ وأضعف فتراتها للحد الذي يخشى معه البعض أن تخسر الانتخابات التشريعية المقبلة في يوليو 2005، ولهذا قبلت حماس المشاركة في الانتخابات التشريعية في ظل قراءة هذه المتغيرات، ورأت الاحتكام إلى الشارع الفلسطيني لتحديد الأوزان النسبية للقوى السياسية على الساحة الفلسطينية، كما قبلت الهدنة لتوفير الأجواء الجيدة لهذه الانتخابات وحتى عندما ظهرت بوادر رغبة من فتح لتأجيل الانتخابات كي لا تخسرها ضغطت حماس للنص في البيان الختامي لقمة القاهرة على «عقد الانتخابات المحلية والتشريعية في توقيتاتها المحددة وفقاً لقانون انتخابي يتم التوافق عليه» .

مكاسب المقاومة

وفقاً لهذه المؤشرات السابقة يمكن القول إن فصائل المقاومة حققت بعض المكاسب هذه المرة في حوار القاهرة ۲۰۰٥ ونجح الحوار نسبياً لأنه وازن بين مطالب السلطة ومطالب المقاومة لأول مرة على النحو التالي: ا- نجحت الفصائل في فرض وجهة نظرها بأن يتم النص على تهدئة محدودة وقصيرة زمنياً حتى نهاية العام فقط وليس هدنة طويلة الأمد، كما فرضت أن تكون هذه التهدئة تبادلية، ومشروطة بمعنى أنها مرتبطة بالتزام الصهاينة بها ووقف الاغتيالات والعدوان وإطلاق سراح الأسرى المعتقلين. نجحت الفصائل في الحصول على صفقة تبادلية مع السلطة الفلسطينية تعطيها فيها التهدئة المطلوبة مقابل تعهدات للسلطة بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل في صورة إعادة بناء منظمة التحرير كي تنضم لها فصائل المقاومة، وتكون هي مرجعية للشعب الفلسطيني كله وليس لفتح فقط، مما يعني عملياً مشاركة الفصائل مستقبلاً في صنع القرار الفلسطيني وعدم قصر الأمر على فتح وقد ظهر هذا بوضوح في البند الخامس من بيان القاهرة الختامي للحوار الفلسطيني الذي نص على أنه وافق المجتمعون على تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية وفق أسس يتم التراضي عليها، بحيث تضم جميع القوى والفصائل الفلسطينية بصفة المنظمة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ومن أجل ذلك تم التوافق على تشكيل لجنة تتولى تحديد هذه الأسس وتتشكل اللجنة من رئيس المجلس الوطني وأعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة والأمناء العامين لجميع الفصائل الفلسطينية وشخصيات وطنية مستقلة. ويدعو رئيس اللجنة التنفيذية لهذه الاجتماعات. ظهر الضعف الواضح في موقف السلطة وفتح خصوصاً عقب ظهور نتائج الانتخابات البلدية التي أظهرت تفوق التيار الإسلامي، وبدأ حديث لأول مرة -على لسان نائب أمين سر المجلس الثوري «فخر بسيسو» - عن رغبة فتح في تعديل القانون الانتخابي من الأغلبية النسبية التي تعطي مقاعد المنطقة الانتخابية للأعلى أصواتاً إلى التمثيل النسبي «بمعنى إعطاء كل حزب نسبة من المقاعد بحسب نسبة التصويت له كي لا تخرج فتح في الانتخابات القادمة من المولد بلا حمص على حد قول أحد أعضاء الوفود الفلسطينية!». 

علق مكتب رئيس الوزراء الصهيوني شارون على إعلان التهدئة المشروطة بالقول: إن رئيس الوزراء الإسرائيلي أبلغ الرئيس المصري حسني مبارك في اتصال هاتفي بأن الترتيب الذي تم التوصل إليه بالقاهرة هو خطوة أولى إيجابية، وأضاف: «لقد أوضح شارون أنه لكي يتم تحقيق تقدم في عملية السلام فإن التنظيمات الإرهابية، لا يمكن أن تستمر في الوجود كجماعات مسلحة ولا كمنظمات إرهابية بالتأكيد ...ولو قارنا هذا التعليق الصهيوني بإعلان شارون قبل بدء الحوار أنه غير معني بهذه الهدنة، فسوف تدرك حاجة شارون لهذه الهدنة وسعادته بها لأنها تخفف عنه ضغط الشارع الصهيوني بعدما سبق أن وعدهم بالقضاء على المقاومة الفلسطينية في ١٠٠ يوم ومرت أربع سنوات دون أن يفعل شيئاً. وهذا مكسب للمقاومة في نهاية الأمر.

المقاومة والعمل السياسي.. كيف؟

ولأن حماس أعلنت قبل الحوار أنها ستشارك في الانتخابات البرلمانية المقبلة لأول مرة وداعب محمد نزال الصحفيين بقوله: إننا نحن الأصوليين سنشارك في اللعبة الديمقراطية. فقد أثيرت تساؤلات داخل الحوار حول كيفية الجمع بين المقاومة، وبين العمل السياسي؟ وكيف ستشارك حماس في البرلمان وربما الحكومة المقبلة للدولة وفي نفس الوقت تقوم بعمليات مقاومة؟ "نزال" رد على هذه الجزئية عندما سألته المجتمع نافياً أن يكون هناك تناقض في موقف حماس من حيث الجمع بين العمل السياسي عقب قرارها المشاركة في انتخابات المجلس الوطني «البرلمان» ودخول منظمة التحرير، وبين العمل العسكري المقاوم، مؤكداً أنه عندما تدخل العمل السياسي لن نترك العمل العسكري ويمكن الجمع بين الأمرين. والعمل السياسي يوفر الأرضية والشرعية للمقاومة كما قال . أما حركة الجهاد فقد أعلنت بوضوح على لسان المتحدث باسمها في لبنان أبو عماد الرفاعي، وعضو مكتبها السياسي أنور أبو طه ل المجتمع: أنها لن تشارك في الانتخابات التشريعية لأنها تعتبر البرلمان الفلسطيني نتاج أوسلو، ونبه إلى أن الأغلبية في البرلمان الفلسطيني سوف تفرض قرارها في النهاية على الأقلية، ولو دخلناه قد لا نقبل ببعض القرارات، ولكننا سنكون ملزمين بها طالما وافقت عليها الأغلبية ورضينا هذه اللعبة السياسية..ولكن د. أبو طه قال لـ المودم قبل أن يغادر القاهرة - رداً على سؤالي باحتمال أن يغيروا رأيهم. نحتاج لمشاورات داخلية على مستوى قيادات الحركة.. وسنقيم الأمور.

التهدئة والإصلاح الداخلي

كان من الواضح أن فصائل المقاومة الكبرى ترفض بوضوح قبول التهدئة دون بدء ترتيبات البيت الداخلي، وهي ضغطت لتحقيق هذا المطلب المتصل بمسألة الإصلاح الداخلي، ويبدو أن هناك مصلحة لدى أبو مازن - كما قال مسؤول فلسطيني رفض ذكر اسمه - في هذا الإصلاح بهدف ترويض فتح وإنهاء حالة فوضى السلاح وفوضى الأمن في الدولة الفلسطينية وتأسيس دولة قانون ولهذا رحب أبو مازن بإعلان حماس المشاركة في الانتخابات التشريعية، على أمل أن يستفز هذا قوى الإصلاح في فتح، ويساهم في إعادة الحيوية لأعرق التنظيمات الفلسطينية، كما وافق بسهولة على مطالب حماس والمقاومة بتثبيت مواعيد الانتخابات القادمة وعدم تأجيلها بعدما سرت تكهنات باحتمال تأجيلها. كما رد بشكل إيجابي على طلبات حماس بتوضيح خطوات الإصلاح الداخلي التي تحدث عنها وما تم بشأن ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني.

حوار القاهرة ۲۰۰٥ توافرت له بالتالي أجواء محلية وإقليمية وربما دولية كي ينجح كما تحقق فيه - إلى حد ما - نوع من التوافق الفلسطيني / الفلسطيني ساهم في تحقيق مكاسب متبادلة للطرفين ربما كان أبرزها مكاسب حماس والجهاد والمقاومة عموماً، وما تم النص عليه في البيان الختامي من خطوات عملية لترتيب البيت الفلسطيني هي خطوات جيدة نحو وحدة فلسطينية حقيقية، ولكن كل هذا قد ينهار في حالة قيام شارون بأي عدوان على الشعب الفلسطيني ليهدم التهدئة والتفاهمات.

الرابط المختصر :