; في ذكرى الهجرة: الحنين إلى النمُوذج الذي طبقه الرسُول الكريم في المدينة | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى الهجرة: الحنين إلى النمُوذج الذي طبقه الرسُول الكريم في المدينة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1985

مشاهدات 68

نشر في العدد 733

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 17-سبتمبر-1985

ودع المسلمون بالأمس القريب عامًا هجريًا مضى واستقبلوا عامًا هجريًا جديدًا، نرجو الله أن يكون عام خير وعزة ومنعة للإسلام والمسلمين، لكن ونحن نعيش في ذكرى الهجرة لا بد لنا من وقفة محاسبة ومراجعة مع أنفسنا وواقعنا، لأن الذكريات في تاريخ الإسلام محطات مضيئة يستلهم منها المسلم أسباب القوة ويقتبس من نورها ما يضيء له طريق المستقبل. لقد كانت في هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة معانٍ كثيرة فيها انتفاضة الحق على استعلاء الباطل.. فيها الحب والإيثار في الله.. فيها التعاون والوحدة والإخاء.. فيها التعالي على جوانب الأرض ورغبات النفس.. فيها إنذار لكل جبار وطاغية وكل معتد أثيم على حقوق المسلمين. إن العاقبة للحق والهزيمة للباطل مهما تحالفت قوى الشر والطغيان.. فيها درس للمتزعمين على رقاب المسلمين بالحديد والنار الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، وهم قابعون في قصورهم المحصنة يتنعمون ويأكلون كما تأكل الأنعام، إنهم مهما بغوا وقتلوا وشردوا وانتهكوا الحرمات فإن مصيرهم إلى زوال ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ (الرعد: 17).

 

 هذه هي بعض المعاني الخيرة للهجرة والتي تحتم على ضوئها أن نوجه سلوكنا لنغير واقعنا الأليم الذي نعيشه، وأن ندرك مسؤوليتنا نحو ديننا والتزامنا بعقيدتنا تجاه ما يبيته أهل الشر لهذا الدين وأهله، فالعالم الإسلامي اليوم يعيش حالة من التمزق والضياع تتقاذفه تيارات الكفر والإلحاد، ويتمثل ذلك في أمور كثيرة أهمها:

 

الفراغ الروحي الذي يعاني منه الشباب والذي انعكس على سلوكهم تمردًا وتشردًا وضياعًا وشذوذًا.

 

انتشار مظاهر الإرهاب بشتى صوره وأشكاله دون أن يكون لدى الإرهابيين هدف أو قضية، بل أصبح الإرهاب عندهم لمجرد الإرهاب.

 

انحسار الفضيلة والقيم والأخلاق الإسلامية النبيلة في أضيق نطاق، لتحل محلها مبادئ وقيم وعادات تتنافى وعقيدتنا الإسلامية الغراء.

 

ارتماء معظم الأنظمة في العالم الإسلامي تحت مظلة القوانين الوضعية المستوردة من الشرق أو الغرب، على الرغم من انهزام هذه الأنظمة أمام العدو الغاصب الذي احتل الأرض والمقدسات.

 

انتشار الحروب المستعرة في كل مكان من العالم الإسلامي والتي يؤجج نارها أعداء الإسلام، ليسهل عليهم استنزاف طاقات وإمكانات المسلمين ومنعهم من بلوغ درجات الرقي والتقدم في سلم الحضارة.

 

 ولا شك أن المخرج مما نحن فيه بعد أن جربنا كل المبادئ المستوردة، يتمثل في العودة إلى المنهج الإلهي ليرسم لنا معالم سياستنا الداخلية والخارجية في التربية، والثقافة والإعلام والاقتصاد والاجتماع وفي كل نواحي الحياة. ويوم يسود منهج الإسلام ونحتكم إلى القرآن، فإن الخلاص قريب ووعد الله قائم: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ﴾ (النور: 55).

 

 نعم لا بد لنا ونحن نودع عامًا هجريًا مثقلًا بالمآسي والأحداث، مخضبًا بدماء المسلمين الذكية، مليئًا بالجراح والآلام، ونستقبل عامًا هجريًا جديدًا، من وقفة جادة نترجم فيها معاني الهجرة الخيرة إلى خطة عمل بناء يشمل جوانب الوجود العربي والإسلامي، فيصبح كل فرد فيه مهاجرًا، نريد أن نحقق في أنفسنا معنى الهجرة من جديد، فالشعوب الإسلامية اليوم في حنين وشوق إلى النموذج الذي طبقه الرسول في المدينة، فإذا بالصفوف الممزقة تجتمع في صف واحد، وإذا بالجماعات المتخاصمة المتنافرة يربط بينهم الإيمان وتجمعهم روابط الأخوة في الله، وإذا بالإنسانية المعذبة تخرج من عصور الظلم والوحشية إلى عصور العدل والحرية. وإذا بدولتي الفرس والروم تدوسهما أقدام المسلمين خلال فترة قصيرة من عمر الزمن.

 

 إن هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ستبقى أبد الدهر غرة في تاريخ البشرية تنير السبيل للمسلمين، عسى أن نهتدي بها ونقتفي أثرها لاستعادة أمجادنا وقوتنا ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: 153).

الرابط المختصر :