العنوان الحلم الكبير
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1976
مشاهدات 84
نشر في العدد 300
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 18-مايو-1976
بقلم: ع
نطمح دائمًا إلى أن تتحقق في أرضنا العربية الدولة المتحررة الواحدة، والمجتمع الذي لا ظالم فيه ولا مظلوم.. ونوجه أنظارنا واهتماماتنا وجهودنا باستمرار صوب أهداف خارجية، نرجو عن طريق مغاضة بعضها والتزام بعضها الآخر، تحقيق حلمنا الكبير.. ويبلغ من نزوعنا الخارجي هذا أن تتجه فئة منا إلى تحميل بعض الدول الكبرى المتقدمة كل أسباب تمزقنا وتبعثرنا وتأخرنا، وتتجه فئة أخرى إلى الالتصاق ببعض الدول الكبرى المتقدمة، علها تقضي على أسباب هذا التمزق والتبعثر والتأخر، وتقودنا إلى حلمنا الكبير!!
ولم يلتفت أحد منا -إلا القلة القليلة- إلى حقيقة أن أي حلم كبير، أو هدف مصيري حاسم لن يتحقق إلا بأن ننظر في «الداخل» أولًا، في أعماق نفوسنا، ونسيج عواطفنا وخطوط تفكيرنا، وخلايا اهتماماتنا، وأسس أخلاقيتنا، لكي نعيد تنظيم وصياغة هذه النفوس على كل مستويات الفكر والعاطفة، والمطامح والأخلاق، بما يمكننا من تحقيق الشروط الأساسية اللازمة للتحرك صوب أهدافنا، والاقتراب يومًا بعد يوم من حلمنا الكبير!
وما كان لأمة تسعى إلى مصيرها أن تغفل عن هذه الحقيقة الأساسية في التعامل مع سنن التاريخ.. ولكن يبدو أن هنالك من استؤجر في قلب بلادنا، لكي يصرفنا دائمًا عن تلمس الطريق الصحيح في الأعماق، ويوجهنا إلى أهداف خارجية بعيدة المنال، نصب عليها جام غضبنا مستنزفين طاقاتنا في هذا الهجوم غير المجدي، أو نتعبدها ونتقرب إليها و نتكئ عليها، ظانين أنها ستحملنا على جناحيها السحريين إلى حلمنا الكبير.
يبدو أن هنالك من يخوننا من بين ظهرانينا، وأن الزعامات السياسية والفكرية والأخلاقية التي اختيرت لتنفيذ هذه الخيانة، قد نجحت لحد الآن في أداء الدور الذي طلب منها أن تؤديه، بل إنها تزداد نجاحًا يومًا بعد يوم.. لأنها -في أعقاب كل هزيمة- تقدر -بإشارة بسيطة- أن تحرك عشرات الآلاف من المواطنين لكي يرقصوا في الشوارع والساحات، ويشقوا حناجرهم هتافًا ضد الإمبريالية، أو أكفهم تصفيقًا للمستعمر الحليف.
إن هذا التأرجح المحزن بين غضب ضد عدو ما، كان له أن يهزمنا لو أنا عرفنا كيف ننتصر في «الداخل»، في جبهة النفس.
وبين ارتماء في أحضان صديق لا تهمه مصالحنا وأهدافنا بقدر ما يسعى إلى استغلال هذه «السذاجة»، فيربت على أكتافنا ظاهرًا، ويمتصنا باطنًا، بما لا يدعنا، في مستقبل قريب أو بعيد، نملك قطرة من دماء!
لقد طرحها القرآن الكريم قاعدة عريضة: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيره ما بأنفسهم، ودون هذا التغيير النفسي الذي هو مفتاح المصير، فسنظل وندور في الحلقة المفرغة، حتى ولو ضربنا رؤوسنا بألف جدار غاضبين أو مستعطفين.. من دون هذا التغيير الذاتي، ستظل أمتنا تعاني «الخيانة» الخطيرة من أبنائها أنفسهم.
وتحمل في دمها وخلاياها جراثيم الداء الوبيل، الذي يفتك بها ويصدها عن المضي إلى أهدافها بصحة وحيوية وعافية.. وترين على أعينها وأفئدتها طبقة من الغبار الكثيف، يحجب عنها الرؤية الحقيقية لخرائط الصراع في عالمنا، ومواقعه الأساسية، فتتخبط في الدرب، وتتلقى رؤوس أبنائها ضربات المتصارعين، وهم لا يدرون أيهم العدو وأيهم الصديق!
وكيف نرجو لأمه تحمل في مسيرتها حشدًا من الخونة، وفي دمها كتلًا من الجراثيم، وترين على أعينها طبقة من الغبار، أن تصل إلى أهدافها وتحقق حلمها الكبير؟!
لقد منحنا القرآن الكريم بآياته الحاسمة «الطريق»، وسلمنا «المفتاح»، فلنجرب مرة واحدة أن نفتح الباب الموصود بمفتاحه الحقيقي، لكي نمضي -من ثم- على الطريق إلى حلمنا الكبير!