; الحلقة السابعة.. الدولة الإسلامية دولة الضمان الاجتماعي | مجلة المجتمع

العنوان الحلقة السابعة.. الدولة الإسلامية دولة الضمان الاجتماعي

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1981

مشاهدات 62

نشر في العدد 544

نشر في الصفحة 13

الثلاثاء 22-سبتمبر-1981

● يقسم علماء السياسة الدول منذ نشأتها الأولى في التاريخ إلى عدة أقسام أو لنقل إلى عدة مراحل، يقولون إن الدولة عندما نشأت في بادئ الأمر كانت تعني أول ما تعني به هو حدودها أي أن مهمتها الأساسية كانت حراسة الحدود من تعديات الأعداء ولذلك سميت الدولة في تلك المرحلة ب «الدولة الحارسة». وبعد أن اطمأنت على حدودها بدأت تدخل في نطاق رعاياها وتفض النزاعات الداخلية فيما بينهم ولذلك نشأت كافة المؤسسات الإدارية لتعضيد هذا الدور كقاضٍ ولذلك سميت الدولة في تلك المرحلة ب «الدولة القاضية». وبعد أن تأسس دور الدولة في الضبط والربط والبت والحسم في الداخل وبين رعاياها، بدأت تقدم لهم الخدمات «بريد - كهرباء - طرق - مستشفيات - مدارس... إلخ» بحيث لا يشعر المواطنون بأن هناك سلطة رادعة أو حارسة أو قاضية فقط بل أن هناك أيضًا سلطة خيرة تقدم لهم الخدمات ولذلك سميت الدولة في تلك المرحلة ب «دولة الخدمات». ومعظم الدول في العصر الحاضر تحاول أن تضفي على نفسها هذه الصفة. أما طموح كل دولة في العصر الحاضر نضجت فيها مرحلة الخدمات، فإنها تود أن تصل إلى صفة «دولة الضمان الاجتماعي» أي دولة يضمن فيها الطعام والشراب والكساء والسكن والزوجة وضمانة من أخطار المرض والجهل والفقر والشيخوخة والعجز والظلم والاستغلال. كل دولة اليوم في الوقت الحاضر تحاول أن تصل إلى هذه المرحلة المتقدمة في تكوينها السياسي والاجتماعي.
● إذا كانت الدول بشتى راياتها ومسمياتها في الوقت الحاضر لا تخرج عن هذا التصنيف العام، ففي أي خانة تتدرج دولتنا دولة الإسلام التي تلتزم بالإسلام كمنهج. قال ابن سعد في طبقاته وفي تعداده لأوليات عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي لم يسبقه إليها أحد في الإسلام: إن عمر بن الخطاب أول من دَوَّن الديوان وكتب الناس على منازلهم وفرض لهم الأعطيات «ابن سعد، ج ۳، ص 202».  كان عمر بن الخطاب يعلم يقينًا أن الأموال التي تجمعت من خلال حركة الفتح حق للناس جميعًا، فليست لعمر ولا لآل عمر أو لفئة من الناس دون الناس كما قال عمر نفسه في كتاب إلى حذيفة عامله. أمر عمر رضي الله عنه باتخاذ دفاتر يكتب فيها اسم كل مولود، ذكر أو أنثى مسلم أم غير مسلم، وفرض لكل مولود مائة درهم وجريبين من الطعام في كل شهر تدفع لأهله لا فرق في ذلك بين أن يكونوا محتاجين أو غير محتاجين فهو إنما كان يفرض للمولود لا لأهله. ولم يكن عمر يفرق في هذا العطاء بين المواليد الشرعيين واللقطاء ويقول ابن سعد في هذا الصدد: إذا أتى عمر باللقيط فرض له مائة درهم وفرض له رزقًا يأخذه وليه كل شهر بقدر ما يصلحه ثم ينقله من سنة إلى سنة وكان يوصي باللقطاء خيرًا ويجعل رضاعتهم ونفقتهم من بيت المال «ابن سعد، ج 3، ص 214» وكان عمر ينطلق في كل ذلك من عقيدة أن الأموال في الدولة الإسلامية هي مِلك لجميع الناس ولكل فيها حق يجب أن يصله بما يكفيه ويعف نفسه من غير واسطة بينه وبين السلطة الإسلامية أو كما قال عمر: ودمه في وجهه أي دون أن يطلب، يقول أبو عبيد بن سلام في كتاب «الأموال»: إن الرجل إذا أراد أن يدعو على صاحبه في أيام عمر قال له: قطع الله عنك جريبك «ص 247». لم يفرق عمر في العطاء بين الناس حتى على الأساس الديني ورواية أبو يوسف في كتابه «الخراج» ص ٧٢ لقصة عمر مع اليهودي الضرير ووضع الجزية عنه وعن ضربانه وإعطائه العطاء لدليل على ذلك. وبعد فهل بقيت فئة من الناس لم تلتزم دولة الإسلام في خلافة عمر بأرزاقها؟ اللقطاء والأرقاء والمواليد والغلمان والموالي وأهل ذمة الله ورسوله من اليهود والنصارى. يحق لنا أن نقول إنه في مجتمع كمجتمع عمر وفي دولة كدولة عمر لا يسرق السارق من جوع إنما من اعتداء وظلم كبير. أفلا يحق لنا اليوم أن نقول بأن دولتنا أيام عمر وصلت إلى مرحلة الضمان الاجتماعي وهي مرحلة لم تزل كثير من الدول المعاصرة تطمح للوصول إليها؟

الرابط المختصر :