; الحلقة الرابعة عشرة... الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار.. الإسلام والحق الإلهي المقدس | مجلة المجتمع

العنوان الحلقة الرابعة عشرة... الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار.. الإسلام والحق الإلهي المقدس

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1986

مشاهدات 55

نشر في العدد 753

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 04-فبراير-1986

  • طاعة الحاكم في الإسلام مقيَّدة ومشروطة بالتزامه بالقرآن والسنة.
  • الحكم الإسلامي من أهم خصائصه أن يكفل الحريات العامة للإنسان.
  • طاعة المحكوم للحاكم هي في حقيقتها طاعة الله الذي أمرنا باتباع هذا التشريع وطاعة من التزم به.

إن الاعتقاد بألوهية الحاكم نشأ في المجتمعات البدائية كما هو معلوم في التاريخ، فكان فرعون يستدل على ألوهيته في الحكم بقوله: «أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتِي» وبقوله: «ما علمت لكم من إله غيري».

ولكن بعد غرق فرعون مصر على يد نبي الله موسى زالت فكرة ألوهية الحاكم، ولكن عادت هذه من جديد بعد عصر بولس الرسول، فكانت صكوك الغفران والحرمان التي يمارسها البابوات على الشعب وعلى الحاكم، تجعل الناس يصدقون الكنيسة عند تركها السلطة الزمنية أي الدينية للحكام حيث جعلت سلطة الحاكم مستمدة من الله مباشرة، وهذا عرف باسم الحق الإلهي المباشر الذي جعل البابا ليون

 الثالث عشر يقرر أن الحاكم يستمد سلطته من الله مباشرة.

وبعد الصراع بين الكنيسة والإمبراطور تطور هذا المفهوم فقالت الكنيسة بنظرية الحق الإلهي غير المباشر، ومقتضاه أن السلطة ممنوحة للحاكم عن طريق الشعب ولكن بتوجيه من الإرادة الإلهية غير المباشرة التي وجهت الشعب لاختيار الحاكم.

ثم تطور هذا نتيجة إصرار الأباطرة على أنهم يستمدون سلطتهم من الله، ولا يمكن أن يكونوا مسؤولين أمام الشعب، وقد أدى هذا الانحراف إلى ردود فعل كبيرة، منها نظرية العقد الاجتماعي التي نادى بها جان جاك روسو وتوماس هوبز، ومؤداها: إن السلطة السياسية جاءت نتيجة عقد واتفاق بين الحاكم والشعب ينوب فيه الحاكم عن الشعب، ولقد كان مفهوم العقد الاجتماعي عند «لوك» أكثر تقييدا لسلطة الحاكم إذ يشير إلى أن العقد بينهما يتضمن التزاما على الحاكم بعدم المساس بالحقوق الطبيعية للإنسان.

ولقد كان رد الفعل النهائي في أوروبا هو الديمقراطية ومؤداها أن الشعب هو الذي يختار السلطة الحاكمة، فإذا استمدت سلطتها من غير الشعب كانت سلطة غير شرعية، وهذه الديمقراطية تخول الشعب عن طريق من يمثلونه في البرلمان أن يضع ما يشاء من التشريعات.

طبيعة الحكم الإسلامي

الإسلام يجعل التشريع من عند الله وهو تشريع قد اكتمل في القرآن والسنة النبوية فلا يملك حاكم أو محكوم أن يضع تشريعا يخالفهما.

والحاكم يختاره الشعب ومهمته تنفيذ شرع الله وهو التشريع سالف الذكر، فالحاكم ليست له حقوق وسلطات الحاكم في النظام الديمقراطي فلا يوجد في النظام

 الإسلامي ما عرف باسم سلطات رئيس الدولة بل يوجد واجبات الخليفة.

وطاعة الحاكم في الإسلام مقيدة ومشروطة بالتزامه بالقرآن والسنة، للحديث النبوي: «إنما الطاعة في المعروف لا طاعة في معصية». قال الماوردي: «إذا تكاملت فيه شروط العدالة، تجوز بها شهادته وتصح ولايته، فإن انحرم منها وضعف منع من الشهادة والولاية فلم يسمع له قول ولم ينفذ له حكم»

وقال الإمام ابن حزم الأندلسي «فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن زاغ عن شيء منهما، منع من ذلك، وأقيم عليه الحد والحق، فإن لم يؤمن أذاه إلا بخلعه خُلع وولي غيره».

والحكم الإسلامي من أهم خصائصه أن يكفل الحريات العامَّة للإنسان، وأهمها الحرية الشخصية، وحرية التنقل، وحق الأمن، وحق السكن وحرمته، وحرية العقيدة والفكر وحرية التملك وحرية العمل.

وعليه فطاعة المحكوم للحاكم هي في حقيقتها طاعة الله الذي أمرنا باتباع هذا التشريع وطاعة من التزم به: «من يطع الرسول فقد أطاع الله». 

وأهم الفوارق بين الحكم الإسلامي والحكومة الدينية في أوروبا هي:

أولا:

ليس في الإسلام رجال دين ورجال سياسة أو حكم، والعلماء في الإسلام ليسوا بابوات يحرمون ويحللون، ولهم مراتب معينة وألبسة خاصة وهم واسطة بين الحق والخلق، ولا يفهم حقيقة الدين أحد غيرهم. 

فالإسلام يعتمد في حكمه على مصدر رئيسي أساسي هو القرآن الكريم الذي هو كلام الله تعالى، وهو مصدر ثابت واضح مفهوم بينه النبي -صلى الله عليه وسلم- وشرحه وأوضح تعاليمه في كل المجالات من عقيدة وعبادة- ومعاملات وحقوق وواجبات فكانت شروحه وبيانه المصدر الثاني «الحديث أو السنة» وعمل به الصحابة والتابعون والخلفاء، وكان بعضهم أعلم وأحفظ من البعض الآخر، فسمى هؤلاء بالفقهاء، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. وتصدر هؤلاء الفقهاء في كل عصر ومكان لتعليم الناس أمور دينهم وإرشادهم إلى الحلال والحرام وكانوا دعاة للهدى والخير الذي جاء به الكتاب والسنة «المصادر الأصلية الرئيسية».

ولكنهم وجدوا فيما بعد أمورا جديدة وقضايا لم تكن معروفة من قبل، فاستعملوا «القياس» وهو إلحاق أمر غير منصوص عليه بآخر منصوص عليه في الحكم لاتحادهما بالعلة، ومالم يمكن قياسه على أمر منصوص عليه اجتمعوا لدراسته وبيان الحكم فيه، فعرف «الإجماع» وهو ما اتفق عليه علماء المسلمين، وهو مصدر تشريعي فرعي. 

وهكذا نشأ الفقه وعرفت أصول الاجتهاد ووضعت أحكام مستندة إلى الضرورات الشرعية لتحديد شروط الإفتاء والاجتهاد والرواية كالتقوى والعدالة والضبط وإتقان العربية، وهذه أمور لا تنحصر بجماعة معينة أو نسب معين أو طائفة لها «حق إلهي مقدس موروث» بل من حاز شروط العلم فهو عالم، وليس هنالك شروط نسبية أو شكلية للأمام أو القاضي أو الخليفة غير ما ذكرنا من العدالة والعلم والأهلية الشرعية، وبناء على ذلك فليس في الإسلام طبقة «رجال دين» بمعنى الكهان، وحتى اللباس المعروف حاليا للمشايخ لم يكن خاص بهم «من الجبة والعِمَّة والقفطان» من قبل بل هو لباس كافة الناس، هؤلاء ليسوا معصومين عن الخطأ، أو يستطيعون مخالفة النصوص الثابتة أو التحليل والتحريم حسب هواهم، فلو صدرت فتوى مخالفة للقرآن أو السنَّة عن أحد ولو كان في أرقى المناصب لا تقبل وترد عليه ولا يلزم احد باتباعها.. 

والنبي- صلى الله عليه وسلم- الذي هو رسول الله يقول له الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ (الكهف:110)، فإذا: كان الرسول بشرا وهو بلا شك أكمل البشر، إلا أنه لم يخرج عن نطاق البشرية فليس له شيء من صفات الألوهية ولم يدع شيئا من ذلك صلى الله عليه وسلم، كمعرفة الغيب والرزق ومغفرة الذنوب ولم يقل عن نفسه أنه ظِلُّ الله على الأرض ولم يأت بحكم وراثي لأهل بيته أو جماعته ولم يفضل أحدا على أحد إلا بالتقوى وهو هو يخاطب أقرب الناس إليه فيقول من حديث طويل: و یا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا، فإذا كان هذا شأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فكيف يكون لأحد بعده أفضلية عليه هذا مالا يكون أبدا، وهكذا فليس في الإسلام «كهنوت» وإنما فيه علماء ويؤمهم في الصلاة أكبرهم سنًّا، إذا كان أفضلهم علما وحفظا للقرآن الكريم وإلا فأي واحد من عامة الناس طالما أنه يتقن قراءة القرآن ويعرف أحكام الصلاة ومثل ذلك في باقي الأعمال وفي الفتوى والقضاء والاجتهاد، يقدم لها العالم العادل، وحتى الصلاة لا تقتصر على المسجد، بل تجوز في كل مكان.

ثانيا:

التشريع في الإسلام هو من اختصاص الله تعالى فهو الذي شرع لنا الدين والأحكام، والرسول -صلى الله عليه وسلم- مبلغ ومبين ومطبق وداع، وكذلك ورثته من العلماء، فالحكم بالإسلام ليس «حكومة مشايخ أو وزارة أوقاف»، بل هو حكم الله تعالى والعلماء والشيوخ وأهل الحل والعقد وأولو الأمر كلهم ينضمون لحكم الله تعالى، ويطالبون بتنفيذه وبيانه وليس لهم ذلك دون معرفة تامة بأحكام الله تعالى وآياته وأدلة الأحكام وفروعها ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ثالثا:

إذا كان بعض المذاهب التي انشقت عن الإسلام وخرجت عليه جعلت منهم الدين والدعوى إليه تابعة لنسب معين أو رجال خاصين ولهم مراتب وصفات كهنوتية ولا يجوز مناقشتهم ويعلمون الغيب ويعرف أحدهم ما صار وما يصير ومتى يموتون، كما قال الشاعر الفاسق ابن هانئ الأندلسي يخاطب المعز الفاطمي فقال له:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار      فاحكم فأنت الواحد القهار 

فجعله إلها، فهؤلاء ليسوا حجة إلى الإسلام لأنهم خرجوا من دائرته.

رابعا:

إن الشريعة الإسلامية ليست من وضع البشر وليست خاصة بزمان أو مكان معينين ولذلك لأنها ليست مرتبطة يهوى إنسان أو طبيعة أرض أو حدود قبيلة أو جماعة، بل هي رسالة الله إلى البشر كافة وأفضل الناس من فقهها ودعا إليها وعمل بها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33). 

ولم يسمِّ القرآن للمتقي نسبًا معينة أو رتبة أو امتيازًا يجعله فوق البشر أو يتحكم بهم وفق هواه، بل ترك الباب مفتوحًا لكل من ترفعه همته وعمله الى هذه المرتبة، وهكذا فلا يوصف الإسلام بأنه دين طبقة خاصة يمارسون سلطة على الآخرين أو أنه يخول الحاكم به حقا إلهيًّا مقدسًا.

الرابط المختصر :