; الحقيقة لا الصورة.. والمقصدية لا الشكلانية | مجلة المجتمع

العنوان الحقيقة لا الصورة.. والمقصدية لا الشكلانية

الكاتب محمود أحمد غازي

تاريخ النشر الأربعاء 08-مايو-2002

مشاهدات 75

نشر في العدد 1504

نشر في الصفحة 66

الأربعاء 08-مايو-2002

بدأ مفكر الإسلام وشاعر الرسالة محمد إقبال كتابه تجديد التفكير الديني في الإسلام، بقوله: إن الإسلام دين يعنى بالجهد والعمل أكثر مما يعنى بالفكر والنظريات، بيد أن كل عمل جاد بناء يحتاج إلى فكر يدعمه وإلى نظرية تبرره وتقوم به، ولا ريب أن الإسلام أيضًا يقيم نظرية جامعة يدعو الناس إلى الإيمان بها، وتقوم أسسه على فكر محکم حکیم، دعائمه قوية متينة، ولكن المنطلق الحقيقي الذي ينطلق منه القرآن هو منطلق العمل الصالح، وهدفه أن يخرج بالناس من زوايا الفكر والعقلانية إلى معارك العمل والكفاح، ويتوجه بهم من عالم النظرية إلى عالمالواقع، ومن البحوث الفلسفية البحتة إلى الباقيات الصالحات التي هي عبارة عن العمل الصالح لا غير، فإن الفكر الذي لا يتبعه عمل، والنظرية التي لا يتلوها تطبيق واقعي، والفلسفة التي لا تمت إلىواقع الحياة بصلة لا جدوى لها، ولا تسمن ولا تغني من جوع.

لعل من النتائج المنطقية لتركيز الإسلام على العمل دون النظريات الفلسفية البحثة أنه يهتم بأهداف الأشياء ومقاصدها، أكثر مما يعني بصورها وأشكالها، ويعطي الأولوية لبواطن الأشياء، ويفضلها على ظواهرها، فالأهمية الأساسية في الإسلام للمقاصد والأهداف، ولروح الأشياء وحقائقها دون أشكالها وصورها. ولكننا نرى- على العكس- من هذا أن الفكر الغربي الأوروبي يختلف عن الفكر الإسلامي في هذه الناحية، فأهل الغرب يصرون على مظاهر الأشياء أكثر مما يصرون على حقائقها، ويركزون على أشكال الأمور وصورها دون مقاصدها وأهدافها.

وقد أثر هذا الاتجاه الغربي الصوري أو الشكلاني تأثيرًا بليغًا في جميع نواحي حياتنا اليومية الفردية منها والاجتماعية ولعلالجانب الأشد تأثرًا بهذا الاتجاه من جوانب حياتنا هو الجانب الاجتماعي والسياسي، فإنه يصبغ بصبغة غربية بحتة، فابتداء من المصطلحات العادية والكلمات اليومية التي نوردها في حياتنا اليومية إلى المؤسسات الاجتماعية والإدارات الدستورية والسياسية تأسس كل شيء على أسس أوروبية، وكل ما بقي ولم يصبغ حتى الآن بالصبغة الغربية صبغًا تامًا يحاول كل واحد ما ويسعى لتطبيعه بالطابع الغربي وصبه في قالب أوروبا.

ولقد أدى بنا المطاف إلى أننا أصبحنا الآن لا نقدر على تفكير جدي أصيل في حل قضايانا الفردية والاجتماعية، ولعلنا لا نكاد نجد حّلًا إذا غضضنا النظر عما يجري في العالم الغربي، وهل هذا إلا استعباد فكري كريه؟

إن من التقاليد الأوروبية العلمانية التوكيد على الإدارات والمؤسسات، وتجاهل المقاصد والأهداف. وإعطاء الأولوية لظواهر الأشياء والتغافل عن بواطنها ومنح الأهمية لمظاهر الأمور وأشكالها دون روحها وحقائقها ولا شك أن هذا هو من بقايا المدنية الرومانية الإلحادية التي جعلت الناس يقدسون الإدارات التي لا روح فيها ويحطون من مرتبة الكائن الحي السميع البصير الذي يرفعه القرآن مرتبة خليفة الله في كونه.

إن القرآن الكريم وهو كتاب يبين عن فطرة الله التي فطر الناس عليها- لا يعترف بهذه الأشياء المجردة غير الحقيقية التي لا وجود لها في عالم الواقع، فترى القرآن يخاطب الفرد الإنساني كما يخاطب الجماعات والإدارات والمؤسسات البعيدة عن الحقيقة والواقعية، ولا نجد في القرآن كلمات العائلة والأسرة، والدولة والحكومة والقضاء والحسبة، وأهل الحل والعقد أو أهل الاختيار أو أهل الشورى؛ لأن هذه الجماعات والهيئات لا وجود لها بدون الأفراد الذين يشغلونها والشخصيات التي تجعلها كائنة حية.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرف عنايته دائمًا إلى إصلاح الفرد وتربيته، ومن خلال تربية الفرد وإعداد الفرد المسلم المؤمن حقق أهدافه الاجتماعية، إنه ألقى الضوء على أهمية العائلة والأسرة ولكن ضمن إصلاح الأفراد- الزوجين والأولاد، ولم يؤسس الدولة الإسلامية إلا من أجل تحقيق الأهداف الاجتماعية للأفراد وجلس للحكموالقضاء وعين الحكام والقضاة للمحافظة على حقوق الأفراد، وشرع الله الشورى لتكون أمور الناس وقضاياهم بأيدي أناس من أمثالهم، ولا يحكم الرجال الرجال؛ بل ليكون الأمر كله لله، ويكون رب الناس وإله الناس حاكم الناس وملك الناس وشارع الناس.

إن الذين تغافلوا عن الفرد وصرفوا عنايتهم إلى الإدارات الفاقدة للروح والمؤسسات الخالية عن الحيوية، وأولوا الأهمية لـ «المؤسساتية» إن جاز التعبير على حساب العوامل الأخرى وعلى حساب الفرد الإنساني ذي الروح والشخصية المحترمة، وذي الحركة والحرارة، رأوا نتائج هذا التغافل وخسائر هذا التجاهل بأم أعينهم، فإن الفرد الإنساني- وذلك العالم الأصغر وتلك الثروة القيمة التي لا تدانيها ثروة ولا تضاهيها قيمة- فقد حيويته وضاعت منه حرارته، بل ضاعت منه شخصيته وذابت هويته في بوتقة الاجتماع المهيمن، ويقول الفرد بلسان الحال:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا   ***  ليوم كريهة وسداد ثغر.

(*) الأستاذ بالجامعة الإسلامية العالمية، إسلام آبادباکستان

الرابط المختصر :