; فضيلة الشيخ مناع القطان لـــ المجتمع: الحفاوة برمضان تكمن في الحفاظ على سنن الصيام وآدابه | مجلة المجتمع

العنوان فضيلة الشيخ مناع القطان لـــ المجتمع: الحفاوة برمضان تكمن في الحفاظ على سنن الصيام وآدابه

الكاتب سلمان بن محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1997

مشاهدات 75

نشر في العدد 1234

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 14-يناير-1997

حوار

بيَّن فضيلة الشيخ مناع القطان -المفكر الإسلامي المعروف- أن المسلم بصيامه في رمضان يستعلي بإرادته الإيمانية على مطالب الحياة المادية، ودعا الصائمين إلى حفظ صيامهم بالإمساك عما نهى الله عنه من زلات اللسان، والابتعاد عن اتباع البدع والتبذير حتى لا يفسد صومهم. 

كما طالب فضيلته الأئمة والخطباء والدعاة أن يهتبلوا فرصة شهر رمضان للنشاط الدعوي، وأن يحسنوا اختيار الموضوعات التي تمس حاجة الناس في الوقت الحاضر، وألا يكتفي في ذلك بالوعظ الفردي المباشر، بل ينبغي أن تعقد الندوات والمحاضرات ذات الحوار الرصين الذي يحقق تفاعلًا فكريًّا، والتحامًا روحيًّا يعيد للأمة الإسلامية عافيتها ومجدها.

جاء ذلك في حديث لفضيلة الشيخ مناع القطان خلال إجابته عن العديد من التساؤلات التي طرحتها عليه المجتمع حول العديد من الموضوعات التي تشغل بال المسلم في هذه الأيام المباركة، وفيما يلي نص اللقاء:

• فرض الله تعالى علينا الصيام في شهر رمضان لتزكية النفوس، وتطهير الوجدان، كيف يمكن للمسلم أن يحقق هذه الغاية في هذا الشهر المبارك؟

- تحقق فرائض الإسلام أهدافها في سلوك المسلم إذا أحسن أداءها، وتدبر أسرارها، ووقف عند معانيها، حيث يفطم الصائم نفسه عن الطعام والشراب والجنس فيستعلي بإرادته الإيمانية على مطالب الحياة المادية، وتتحرك مشاعر الرحمة في نفسه نحو المعوزين جودًا وسخاء، ويحفظ صيامه مما يخدشه كالفحش واللغو، والصيام كذلك إمساك عما نهى الله عنه من زلات اللسان «ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك، فقل: إني صائم، إني صائم»، وفي الحديث الآخر: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «كم من  صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش».

• لا يخفى على أحد ما يضفيه شهر رمضان على المسلمين من روحانية تجعلهم يقبلون على الخير بشتى أنواعه، وتصغي آذانهم للمواعظ ويفدون رجالًا ونساء على المساجد في حشود لأداء الصلوات المفروضة وصلاة التراويح والقيام، مما يجعل الفرصة سانحة أمام الأئمة والخطباء والدعاة إلى الله لنشر الخير والفضيلة، كيف يمكننا استغلال هذه الفرصة في اختيار الموضوعات التي تطرح أمام تلك الجموع وتدعو حاجة المسلم إليها في هذا العصر؟ وماذا ترون من وسائل تنشيط الدعوة إلى الله في هذا الشهر؟

- تتهيأ النفس البشرية لقبول الموعظة إذا تهيأ لها المناخ الصالح، فتقع الموعظة موقعها ويعظم أثرها في النفس، ومناخ شهر رمضان في صيام نهاره، وقيام ليله، والإقبال على قراءة القرآن وذكر الله خير مناخ يجلو صدأ النفوس، ويعيد إليها صفاء فطرتها، ونقاء سريرتها، فتتلقى ما يُوجه إليها من نصح بقبول حسن، وهذا يقتضي من الأئمة والخطباء والدعاة أن يهتبلوا فرصة شهر رمضان للنشاط الدعوي، وأن يحسنوا اختيار الموضوعات التي يتحدثون فيها، وتمس حاجة الناس لتقديم زاد فقهي فكري ثقافي، يحيي قلوبهم، ويعالج مشكلات حياتهم، ويبصرهم بمنهج الإسلام الأقوم في إصلاح الفرد والجماعة، ويحصنهم من الأفكار الوافدة، ويحفز همتهم إلى الاستمساك بالإسلام في جوانبه المتعددة عقيدة وعبادة، ومنهجًا متكاملًا للحياة، حتى يردوا للأمة الإسلامية عافيتها، لتسترد سالف مجدها وعزها، وتقود البشرية من جديد إلى معالم الهدى والحق.

 ولا يكفي لتحقيق هذا الوعظ الفردي المباشر، بل ينبغي أن تعقد له الندوات وتُلقى المحاضرات، ويكون الحوار الهادف الرصين، فهذا من شأنه أن يحدث تفاعلًا فكريًّا والتحامًا روحيًّا، ويعطي قوة خيرّة، ويولد طاقة متدفقة بناءة.

• ما مسؤولية المرأة المسلمة في رمضان تجاه أسرتها عمومًا، وأطفالها على وجه الخصوص؟

-المرأة المسلمة هي ربة البيت، ومنظمة شؤونه، والقائمة على إدارته التي تتعهد أطفالها، وترعى أحوالهم، وفي ضوء أهداف الصيام ومناخ شهر رمضان، تزداد حيوية ونشاطًا في الإشراف على المنزل، ورعاية الأطفال، ولا سيما الذين لا يصومون لصغرهم، فتجنبهم السهر ليلًا، وتحافظ على نظامهم المعتاد في طعامهم وشرابهم، ونومهم ويقظتهم، وأداء واجباتهم الدراسية.

• تختلف مظاهر الاحتفال بالشهر الكريم من بلد إلى آخر، مما أدى إلى الخوض في البدع والتبذير، كيف يمكن الاحتفال بهذه المناسبة المباركة دون الوقوع في المحظور؟

-لقد وقعت بعض البلاد الإسلامية في محاذير تشوب صيام شهر رمضان، وتتنافى مع أهدافه، منها ما هو بدعة، ومنها ما هو منهي عنه، فمن البدع الشائعة: القراءة الجماعية للقرآن بأصوات عالية والذكر الجماعي، والأوراد الخاصة التي وضعها بعض المتصوفة، وزيارة الأضرحة والتجمع الجماهيري في المساجد التي بنيت على قبور من يعدونهم أولياء الله الصالحين، وإقامة الاحتفالات الصاخبة المختلطة لهم.

ومن المنهيات: الإسراف في الأطعمة والأشربة، والتباهي بها، فهناك أكلات خاصة لشهر رمضان، وأنواع من الحلوى والمشروبات، وترهق الأسرة نفسها وتستدين لتوفير ذلك، وشراء المكسرات، وصنع الفطائر وتشكيلات الحلويات، وكأن هذا الشهر شهر بطنة لا شهر صيام، وذلك يفسد الصيام ويضر بميزانية الأسرة ضررًا بالغًا.

إن الحفاوة بشهر رمضان المبارك تكون بالحفاظ على سنن الصيام وآدابه، والإقبال على العبادة وقراءة القرآن، والتذكير بالمواعظ والنصائح، والتماس المغفرة والثواب والأجر من الله، وذلك يكون في الاتِّباع لا الابتداع، وفي الاعتدال لا التبذير.

• في هذا الشهر الفضيل تتضاعف الحسنات بعشر أمثالها، كيف ترون السبل الصحيحة في حث المسلمين على بذل ما تجود به نفوسهم من مال؟

- إن من أخص آداب الصيام وآثاره الجود ومدارسة القرآن، فهما أكد في رمضان عن غيره، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة».

لذا يحسن الاستفادة من هذين الأمرين المستحبين في شهر رمضان بمزيد من العناية بتحفيظ القرآن الكريم، ودعم الجمعيات القائمة على ذلك بما تجود به نفوس الخيّرين من مال ابتغاء مرضاة الله، ولا سيما أننا نشهد إثر ذلك وعظيم نفعه في أولئك الحفظة من الشباب الذين يحسنون القرآن تلاوة وتجويدًا وحفظًا، ويؤمون المصلين في الصلوات المفروضة، وصلاة التراويح، والقيام بشهر رمضان. • تتأكد وحدة المسلمين، وتراص صفوفهم في شهر رمضان، كيف يمكننا مع مقدم الشهر الفضيل حث المسلمين على توحيد صفوفهم وبث الحب والوئام فيما بينهم؟ 

-لم يعتبر الإسلام في تكوين دولته الجنسية ولا العنصرية ولا التوطن في بلد ما، كما ألِفته الأوضاع البشرية للدول، لأن في ذلك تحديدًا وتضييقًا ينافي عالمية الإسلام، فسَمَا عن جميع هذه الاعتبارات البدائية الشخصية ووحد بين أبنائه جميعًا بالعقيدة، فالعقيدة هي الوحدة المشتركة بينهم على اختلاف الجنس والوطن واللغة واللون، فكانت الأخوَّة الدينية بين المسلمين هي أصدق تعبير عن هذه الوحدة المشتركة، وقررها القرآن الكريم ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ (الحجرات:10) وقررها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم»، وكانت أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب.

ولا يقف المسلم عند هذه القاعدة، بل يحولها إلى سلوك عملي تعبدي في حياة المسلمين، فالمسلمون جميعًا قبلتهم واحدة، ويفرض عليهم الإسلام صيام شهر واحد هو صيام شهر رمضان، فيمسكون في وقت معلوم، ويفطرون كذلك في وقت معلوم، وينمو بينهم الشعور بالوحدة.

وهذه الظواهر الدخيلة على المسلمين في الحزبية والطائفية والمذهبية وما وراءها من عصبية، هي معاول الهدم التي تهدم الكيان الإسلامي الموحد، وقد حذرنا الله من ذلك: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ فَرَّقُوا۟ دِینَهُمۡ وَكَانُوا۟ شِیَعࣰا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِی شَیۡءٍۚ إِنَّمَاۤ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ یُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ یَفۡعَلُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٩)، ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخۡتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَهُمُ ٱلۡبَیِّنَـٰتُۚ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ﴾ (آل عمران: ١٠٥)، وحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية».

فحرِي بنا في شهر رمضان المبارك الذي يؤكد وحدة الأمة الإسلامية أن نندد بالحزبية والطائفية والمذهبية، وأن نكشف عن عوارها ومنافاتها للإسلام، لتكون الأخوة الدينية هي الرابطة الأم، التي تبعث على الود والمحبة ووحدة الصف.

كيف يمكننا حماية شباب المسلمين من وسائل الإعلام التي يبثها أعداء الإسلام؟ وما الوسائل المتاحة خلال هذا الشهر لتوجيه الصحوة الإسلامية نحو الطريق الصحيح؟

- أصبح الإعلام في عالمنا المعاصر سلاحًا فتاكًا، وينفث أعداء الإسلام سموم إعلامهم لتوهين الأمة الإسلامية، وإهدار قيمها، وإفساد شبابها، وإشاعة الإباحية والإلحاد بينها، وفتنتها بالبرامج الهابطة الرخيصة عبر البث الحديث بالأقمار الصناعية والصحف والمجلات النسائية.

وهذه المخاطر من التحديات البارزة اليوم في غزوٍ سلاحه الكلمة والصورة الخليعة واللهو الماجن، والتصدي لذلك حمايةً لشبابنا يحتاج إلى العناية بالتربية الإسلامية الصحيحة في البيت والمدرسة والمجتمع لتحصين فتياننا وفتياتنا، حيث لا يستطيع أحد أن يعيش في عزلة، وهذا التحصين بالتوجيه الدائم والمراقبة المستمرة، يساعد على تحقيق المتعة التي نريدها، مع ما يمكن أن نقدمه من برامج ترفيهية باللهو البريء، وبرامج توجيهية ترشد الصحوة الإسلامية في وسائل إعلامنا المشاهَد والمسموع والمقروء.

• تتزامن إجازة نصف العام الدراسي مع قدوم شهر رمضان هذا العام، ماذا تقترحون لشغل أوقات فراغ النشء والشباب من أبناء المسلمين بما يعود عليهم بالفائدة في دينهم ودنياهم؟

-الشأن في الإجازة أن يستمتع بها النشء في توازن واعتدال، بين النزهة والترفيه والرياضة والتوجيه، وكم نود أن تكون هناك مؤسسات خاصة تنظم ذلك وتشرف عليه، وحيث لا يوجد هذا أو لا يتوافر فعلى رب الأسرة أن يقوم به قدر استطاعته لملء فراغ الناشئة بما فيه تربية بدنية وروحية وعقلية.

الرابط المختصر :