; الحشود العسكرية التركية والإيرانية.. وموقعها في إطار المشهد السياسي للمنطقة | مجلة المجتمع

العنوان الحشود العسكرية التركية والإيرانية.. وموقعها في إطار المشهد السياسي للمنطقة

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1998

مشاهدات 72

نشر في العدد 1322

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 20-أكتوبر-1998

تبدو صورة المشهد السياسي والعملياتي للمنطقة من المتوسط وحتى وسط آسيا قائمة ومضطربة، فعلى جناحي هذه المنطقة بؤرتا توتر ساخنتان قد تعصفان بها، يتوسطهما حالة من الخلطة الاقتصادية الخطرة في منطقة الخليج - بؤرة النشاط الاقتصادي العربي - بسبب تدني أسعار النفط.

ففي الجناح الغربي، تتكاثف الحشود التركية باتجاه الحدود السورية ترافقها تهديدات علنية لجنرالات الجيش التركي وفي جناح وسط آسيا يقف حشد عسكري إيراني ضخم قوامه حوالي ٢٧٠ ألف رجل قبالة الحدود الأفغانية، وربط صورتي الحشدين العسكريين في إطار واحد. وتشابك الأطراف المشاركة في المشهد على الصعيدين الإقليمي والدولي، يعطي انطباعًا بأن هناك أطرافًا خارج هذا الإقليم الإسلامي الكبير تدفع باتجاه افتعال صدامات عسكرية إسلامية - إسلامية، لتحقيق هدفها في إنهاك المنطقة وزيادة ضعفها لتحقيق مآرب سياسية قريبة واستراتيجية - بعيدة المدى في آن واحد.

في الجناح الغربي من الإقليم يبدو الاحتكاك التركي - السوري إفرازًا طبيعيًا للتحالف الأمني التركي الصهيوني الطامح لإدخال أطراف أخرى في إطاره، لخلخلة الأمن القومي العربي، كهدف مأمول على المدى البعيد، ومغزى التحرش التركي بسورية الذي جاء عقب الزيارتين المتبادلتين بين نتنياهو ويلماظ كل منهما لبلد الآخر، يوحي بأن الأتراك شرعوا العمل من الباطن لحساب «المقاول» الصهيوني، وبإدارة من الولايات المتحدة التي تتميز إدارتها الحالية، بأن مطبخها السياسي ذو نكهة يهودية صرفة، وتحقيقًا للأهداف الأمريكية الاستراتيجية الجديدة الرامية لفكفكة الهيكل الإقليمي القائم وبناء منظومة إقليمية بصياغة جديدة وفق توزيع جديد للقوى والعنوان السياسي الصريح لهذا التحرك هو تركيع سورية لتهميشها.

ولكي تنصاع المطالب الصهيونية في إطار عملية التسوية ولعزل مصر وتجريدها من دورها الإقليمي المميز، تمهيدًا لفرض الزعامة الإقليمية لصالح الكيان الصهيوني، وفي حقيقة الأمر، فإن تراخي الأداء السياسي العربي المتمثل في مواقف الجامعة العربية وبعض الأطراف العربية تجاه تركيا شجع الأخيرة على التمادي في سياستها اللا عقلانية وبخاصة أن مؤسسة الجيش هي التي تقود. السياسة التركية الحالية، وهي معروفة بعلمانيتها المفرطة، وحتى عداوتها السافرة لهوية المنطقة، وعلى الصعيد السياسي المنظور - صهيونيا يمكن قراءة الخطوة التركية على أنها هجمة ناجحة من قبل نتنياهو باتجاه اختراق العزلة الدولية التي تحيط به وليضع سورية في الزاوية الحرجة وما يستتبع ذلك من إشغال لها هي ومصر في بؤرة احتكاك جديدة تستهلك جهدهما السياسي على أقل تقدير لتحقيق مزيد من الانفراد على المسار الفلسطيني.

وفي الزاوية الأخرى من صورة المشهد السياسي للمنطقة تبرز تداعيات الحشد الإيراني على مسافة حوالي ٦٠٠ كلم على الحدود الأفغانية. وفي هذا الصدد يمكن رصد اتجاهين رئيسين في تفسير الحالة، أحدهما يميل إلى أن الحشود الإيرانية جاءت في سياق تطور طبيعي للعلاقة. المضطربة بين إيران وحركة طالبان الأفغانية، فتمكن الحركة الأخيرة من بسط سيطرتها على معظم الأراضي الأفغانية وهزيمتها للتحالف المتمركز في مزار شريف بما فيها عناصر القوى الشيعية، أضر بالمصالح الإيرانية، وشكل ضربة موجعة لها على مستوى إقليم وسط آسيا، وعلى وجه الخصوص في أفغانستان، الذي تشير بعض المصادر إلى أن إيران أنفقت حوالي ملياري دولار للحفاظ على مصالحها هناك، ونجاح حركة طالبان في لغة المصالح يعني خسارة إيران للفوز بالأنبوب الناقل لنفط بحر قزوين باحتياطاته البالغة حوالي مليار طن والعوائد المالية الضخمة المتوقعة من ذلك، والتيار الثاني يرى تفسيرًا للحالة بأن. تداعيات الأحداث في مزار شريف بما فيها مقتل الدبلوماسيين الإيرانيين وبعض التصريحات العنترية من قبل مسؤولي طالبان في بداية الأحداث وخفوت الرد الأمريكي على الحشود الإيرانية.

الأمر الذي فسره بعض المراقبين على أنه ضوء أخضر لإيران لمهاجمة أفغانستان - ينظر إليه على أنه شرك لإيران لاصطيادها وإيقاعها في وحول المستنقع الأفغاني، وهذا السيناريو يفترض تحقيق هدفين الأول إفشال التجربة الانفتاحية للرئيس خاتمي التي تحمل عنوان التنمية السياسية والابتعاد عن النزاعات الخارجية والثاني إشعال حرب طائفية، لأن الصدام الإيراني الأفغاني في حالة حدوثه، لن يتوقف عند حده الثنائي، بل ربما يجر إلى أتونه أطرافًا. إقليمية مثل باكستان، وربما جهات أخرى الاستشراف قوى المنطقة، وما يلحق ذلك من تدمير لمحاولة التقارب العربي - الإيراني والذي تطور في عهد خاتمي.

وفي المحصلة، فإن تصعيد النزاعين على جناحي المنطقة العربية - الإسلامية إلى حد الصدام. العسكري، سيعني الكارثة بمعناها الحقيقي، وفي مواجهة ذلك، ينبغي لكل الأطراف الفاعلة في المنطقة رسميين وغير رسميين سرعة التحرك لنزع فتيل الانفجار في كلتا البؤرتين قبل فوات الأوان ولتفويت الفرصة على المتربصين.

الرابط المختصر :