; الحزب الاشتراكي اليمني من المهد إلى اللحد (٢من ٥).. نجمة حمراء تحكم عدن | مجلة المجتمع

العنوان الحزب الاشتراكي اليمني من المهد إلى اللحد (٢من ٥).. نجمة حمراء تحكم عدن

الكاتب ناصر يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

مشاهدات 151

نشر في العدد 1121

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

في الثلاثين من نوفمبر عام 1967م وصل القوميون العرب إلى قمة السلطة وأقاموا جمهورية ثانية في اليمن، فيما كان فرع حركة القوميين العرب في الشمال اليمني يلاقي تحديًا قويًا لقوته بعد إزاحة المشير السلال عن منصبه كأول رئيس للجمهورية العربية اليمنية، ومجيء نظام جديد أكثر اعتدالًا ورغبة في إنهاء الحرب الأهلية عن طريق المصالحة والتفاهم مع الآخرين.

كان فرع الحركة قد رفض المشاركة في تنفيذ ثورة 26 سبتمبر 1962م ضد نظام بيت «حميد الدين» بحجة عدم توفر الشروط الموضوعية لذلك، لكن الزعامات الحركية وعدت الضباط الأحرار بمساندتهم القوية في حالة نجاح الثورة.

وبعدما نجح الضباط الأحرار في الاستيلاء على السلطة في صنعاء، نشط القوميون العرب في «تعز» و«عدن» لحشد التأييد الشعبي للثورة في صنعاء، وأسهموا في إرسال مئات من المتطوعين من الجنوب اليمني للمشاركة في القتال ضد التمرد الإمامي بقيادة الإمام السابق «محمد البدر»، الأمر الذي أكسبهم تعاطفًا رسميًا عند «السلال»، كما نجحوا في تقديم أنفسهم للجماهير بأنهم حزب «جمال عبدالناصر» فتزايدت شعبيتهم وتنامى نفوذهم في عدد من القطاعات الهامة كالجيش والشرطة والطلاب، كما انحازوا للمشير السلال أثناء صراعه مع القيادات الجمهورية المعتدلة حول أسلوب إنهاء الحرب الأهلية.

وعندما أزيح «السلال» عن الحكم، كان ذلك إيذانًا بقرب نهاية العهد الذهبي لفرع حركة القوميين العرب في الشمال، لكن نجاح الإماميين في فرض الحصار على صنعاء في نوفمبر 1967م، جعل الجمهوريين يؤجلون خلافاتهم حتى هزيمة الحصار في فبراير 1968م.

وحينذاك تطور الصراع بين القوميين الحركيين وبين جماعات من ضباط الجيش ذوي الميول المتنوعة، حتى انفجر الصراع في أغسطس 1968م، وانتهى سريعًا بهزيمة القوميين وكسر شوكتهم، مما أدى إلى انسحابهم إلى مناطق الريف، حيث أسسوا حزبًا جديدًا باسم «الحزب الديمقراطي الثوري اليمني» بتوجهات ماركسية لينينية، وتبنوا الكفاح المسلح لإسقاط نظام صنعاء، وبعد فترة انشقت عن الحزب مجموعة أكثر تطرفًا وأسست حزب «المقاومون الثوريون» الذي نشط ضد جيش صنعاء في المناطق الوسطى وسيطر على مناطق كثيرة لسنوات طويلة.

من القومية إلى الماركسية

أما في «عدن» فقد ظهر النظام الجديد حاملًا في أحشائه عددًا من التيارات والقوى المتناقضة، كان أهمها:

أ - تيار قحطان الشعبي رئيس الجمهورية، وهو يضم قيادات الجبهة القومية المعتدلة، وأهم مميزاتها: وجهها التاريخي، ومستوياتها التعليمية والثقافية العالية، لكن أبرز عيوبها ضعف نفوذها في أوساط جيش التحرير والقبائل وقواعد الجبهة نفسها.

ب- تيار كبار ضباط الجيش والشرطة الذين ضمنوا استلام الجبهة القومية للسلطة، وكانوا في مجملهم يكرهون الرموز الشيوعية داخل الجبهة، ويدعمون «قحطان الشعبي».

ج- التيار الشيوعي بزعامة «عبد الفتاح إسماعيل»، والذي اعتنق مبادئه أثناء فترة النضال ضد الإنجليز، وأقام علاقات قوية مع «الاتحاد الشعبي الديمقراطي» أول حزب شيوعي في اليمن، تأسس عام 1961م، بزعامة «عبدالله باذيب».

كان الشيوعيون داخل الجبهة قد كسبوا أبرز قادة المناطق وجيش التحرير وهيأ لهم المناخ الثوري الملتهب في تلك الفترة البروز كقوة مؤثرة في النظام الجديد، فتقدموا بمشروع برنامج شيوعي لطبيعة الحكم بعد الاستقلال، بينما كان التيار المعتدل يسعى إلى إصلاح الأوضاع بالتدريج ومراعاة طبيعة الواقع الذي حولهم.

وفي المؤتمر الرابع للجبهة القومية «مارس 1968م» طالب الشيوعيون بتصفية الجيش والشرطة وإحلال جيش التحرير بدلًا منها، إضافة إلى عدد من المطالب التي أظهرت سيطرة الشيوعيين داخل المؤتمر.

وبعد أيام من انتهاء المؤتمر قاد العقيد حسين عشال حركة «20 مارس 1968» ضد رموز التيار الشيوعي داخل الجبهة وحلفائهم في حزب الاتحاد الشعبي الديمقراطي وتم إلقاء القبض على أكثر من ثلاثين فردًا في ليلة واحدة، لكن رئيس الجمهورية رفض تبني الحركة وإعلان شرعيتها، وفي الوقت نفسه تحرك الشيوعيون في الأرياف والقواعد الطلابية في «عدن» احتجاجًا على اعتقال رموز النضال الأمر الذي أفشل الحركة، وأدى إلى إطلاق سراح المعتقلين وترحيل بعضهم إلى «بلغاريا».

كانت حركة «20 مارس» هي آخر محاولة لإيقاف الزحف الشيوعي نحو السلطة، فيما بدأ الشيوعيون في «أبين» حركة تمرد ضد «عدن» بقيادة أحد أشد المتطرفين الشيوعيين وهو «علي صالح عباد» الذي طرد بعد ذلك مرتين من عضوية الحزب، وهو الآن نائب رئيس مجلس النواب اليمني.

وكادت حرب أهلية جديدة تنشب بعد انتفاضة الشيوعيين في «14 مايو 1968» لولا أن قوات المعارضة على الحدود بدأت في شن هجوم على النظام الجديد، وهو ما دفع الشيوعيين إلى طلب الهدنة مع رئيس الجمهورية، وتوحيد الجهود للتصدي للمعارضين، وعلى الفور وافق رئيس الجمهورية، وتعاون الجيش والشيوعيون وتمكنوا من هزيمة ما أطلقوا عليه «الثورة المضادة».

عزز الانتصار الجديد من نفوذ الشيوعيين، وتوالت عودتهم إلى «عدن» وإلى مناصبهم في القيادة العامة للجبهة القومية، لكنهم عادوا وهم يحملون مخططًا ذكيًا لإضعاف المعتدلين وتجريدهم من قوتهم، حيث نجحوا في استمالة «محمد علي هيثم» وزير الداخلية، و«محمد صالح العولقي» قائد الجيش واستغلوا رغبة رئيس الجمهورية في وضع دستور يمنحه صلاحيات واسعة في شق صفوف المعتدلين.

وفي يونيو عام 1969م، حدث خلاف بين «قحطان» ووزير الداخلية «هيثم» فعزل الأول الثاني، لكن الشيوعيين حرضوا «هيثم» على رفض الاستقالة وتحدي رئيس الجمهورية، الذي اضطر تحت ضغط تطورات الأوضاع إلى الاستقالة هو وعدد قليل من أنصاره، من بينهم ابن عمه «فيصل» دينامو الجبهة القومية ومؤسسها الحقيقي.

نجحت خطة الشيوعيين في تفريق كلمة المعتدلين، وسيطروا على السلطة في 22 يونيو 1969م، وبدأوا - بعد شهور- في تنفيذ خطتهم في السير نحو إقامة دولة شيوعية.

كانت أول حكومة يشكلها الشيوعيون تضم أول مؤسس لحزب شيوعي هو «عبدالله باذيب» كوزير للتربية والتعليم، وأنيس حسن يحيى وزيرًا للاقتصاد، وهو أحد زعماء حزب البعث العربي الاشتراكي الذي انشق عن حزبه وأسس حزبًا شيوعيًا باسم «الطليعة الشعبية».

حكم المنجل والمطرقة

ومرة جديدة، عاشت «عدن» فترة من الرعب والاعتقالات بعد سيطرة الشيوعيين على السلطة، وانضمت أفواج جديدة من النازحين إلى السابقين الذين نزحوا عند الاستقلال ثم الذين توقعوا ما حدث في 22 يونيو فتركوا البلاد.

وبدأ الشيوعيون حكمهم بتطرف زائد، فأمموا شركات التأمين والملاحة والتجارة التي كان أصحابها الأجانب قد فروا بأموالهم وتركوا الجدران والمباني، بينما بدأوا في تطبيق سياسة التأميم في الأراضي الزراعية ومصادرتها لحساب الفلاحين.

على الصعيد الخارجي ارتمى النظام الجديد في أحضان الكتلة الاشتراكية، وبدأت علاقة متينة معها، وتحولت «عدن» إلى قلعة حمراء، ومأوى لليسار العربي والعالمي، وبدأت محاولة تصدير الثورة إلى جيرانها عن طريق دعم الشيوعيين في الشمال اليمني، وجبهة تحرير عمان والخليج العربي التي اتخذت من «اليمن الديمقراطية» منطلقًا لنشاطها.

لكن تلك الإجراءات لم تكن كافية، ولاسيما مع تيارات متعددة داخل التيار الشيوعي نفسه، حيث تميز تيار يقوده «سالمين» و«البيض» يميل لنهج «ماوتسي تنغ» الصيني، بينما انحاز «عبدالفتاح إسماعيل» للنهج السوفيتي يؤيده تيار «باذيب»، و«أنيس حسن يحيى» اللذان كان «سالمين» يكن لهما كراهية لعدم مشاركتهما في النضال ضد الإنجليز.

وفي يوليو عام 1972م، كان النظام الماركسي في «عدن» يعيش أزمة خانقة بعد أن وصل إلى طريق مسدود، وظهر عقم التطبيقات الشيوعية في الزراعة والاقتصاد، وتعاظم العجز في الميزانية، مما دفع القيادة إلى مزيد من الإجراءات الثورية التي اتخذت طابعًا يشبه الثورة الثقافية في الصين.

وعلى مدى سبعة أيام قاد «سالمين» عملية ثورية استهدفت ما تبقى من الممتلكات الخاصة في التجارة والزراعة والمباني وعيادات الأطباء، وشملت أبسط الممتلكات مثل أفران الخبز وقوارب الصيادين، ومحلات بيع الفواكه والخضروات والمساكن الخصوصية، ومحطات بيع الوقود، حيث تم تأميمها وفرض نظام القطاع العام في البلاد.

وقد سبق العملية حملة اعتقالات شرسة فرضت أجواء من الإرهاب والقمع لكن الممارسات البشعة كانت تتم في الأرياف حيث قتل الكثيرون بحجة أنهم رموز للإقطاع وتم سحل عدد من العلماء الطاعنين في السن في «حضرموت» و«شبوة» وتحطيم رؤوسهم بالفؤوس، وربطهم في السيارات ثم جرهم في الشوارع.

على المستوى الاجتماعي أطلق الشيوعيون شعار «تحرير المرأة»، وحاولوا تجريد بعض النساء من الحجاب في الشوارع، كما صدر قانون للأحوال الشخصية يحرم تعدد الزوجات «التزم الشعب بهذا القرار ما عدا قيادات الحزب التي خرقت القانون مثل عبدالفتاح إسماعيل الذي تزوج عضوة في اللجنة المركزية بعقد عرفي، ومثل البيض نفسه».

أما على المستوى الفكري والثقافي فقد نشط الشيوعيون في نشر مبادئهم، وحرموا دخول الكتب الإسلامية وضيقوا الخناق على المساجد، حتى كان التبرع لبناء مسجد طريقًا للمعتقلات الرهيبة، وصارت تهمة «الرجعية» موجهة ضد كل من يبدي قدرًا من التدين، وعلى إثر كل ذلك تحول اليمن إلى سجن كبير، ومنع المواطنون من التواصل مع أهاليهم خارج البلاد.

صبغ التعليم بالماركسية

كما صبغ الماركسيون مناهج التعليم بأفكارهم، وتم إعداد كتب التربية الإسلامية استنادًا لرأي الشيوعيين في التفسير المادي للتاريخ وفرض تدريس الفلسفة الماركسية في المدارس وأنشئت مدارس حزبية خاصة ألغت مادة «الدين» نهائيًا.

وبرغم كل ذلك، فقد حملت الإجراءات الثورية الجديدة بذور انشقاق جديدة داخل النظام الماركسي، وخاصة بعد إعلان ضرورة قيام حزب طليعي جديد ينتج عن توحد كل قوى اليسار الماركسي.

واستوى النظام الحاكم في «عدن» ماركسيًا من الفئة المتصلة، ورفرفت النجمة الحمراء فوق كل مكان بعد أن صارت جزءًا بارزًا في العلم الرسمي للبلاد.

وكما يحدث في البلدان الشيوعية، كان الزعماء الثلاثة للحزب والدولة والحكومة «عبدالفتاح- سالمين- علي ناصر محمد» يشكلون الترويكا اليمنية للحكم، ويحرصون على الظهور بملابس «ماو» الشهيرة أمام الجماهير التي كانت تساق بالقوة للحضور إلى المهرجانات أو الاستقبالات الشعبية للزعماء الشيوعيين الأجانب الزائرين.

ومثلما اهتم السوفييت برعاية الجيش تخصص الكوبيون في رعاية فرق الميليشيا العسكرية، وركز الألمان الشرقيون على جهاز المخابرات الذي سرعان ما اكتسب السمعة المخيفة المعهودة لأمثاله من الأجهزة في دول الستار الحديدي.

وفي المقابل ازدادت الحالة المعيشية والاجتماعية للشعب تدهورًا وانهيارًا، واستمر زحف الآلاف الذين فروا إلى خارج البلاد عبر أي وسيلة ممكنة، بما فيها عبور الجبال والوديان والصحاري.

أما النظام الماركسي فقد بدأت عوامل التناحر تعمل فيه بين الزعماء المتنافسين مع ظهور عوامل خارجية وداخلية عديدة على تفجيره من الداخل بعد أن بدا أن مظهره الخارجي قد جعله بعبعًا مخيفًا لكل خصومه المحليين والخارجيين.

الرابط المختصر :