; الحزب الاشتراكي اليمني من المهد إلى اللحد (۱) من (٥) الصعود إلى هاوية السلطة | مجلة المجتمع

العنوان الحزب الاشتراكي اليمني من المهد إلى اللحد (۱) من (٥) الصعود إلى هاوية السلطة

الكاتب ناصر يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1994

مشاهدات 60

نشر في العدد 1120

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 11-أكتوبر-1994

أحداث اليمن الأخيرة والحزب الاشتراكي

خيمت أحداث اليمن الأخيرة على الأجواء العربية والعالمية بشكل بارز خاصة بعد الحرب التي قلصت وجود ونفوذ الحزب الاشتراكي اليمني، وأحدثت واقعًا جديدًا على الساحة اليمنية والعربية، ولأن الحرب التي دارت في اليمن لم تكن الأولى خلال العقود الثلاثة الأخيرة وإنما كانت تواصلًا لحروب يمنية عديدة بدأت قبل خروج البريطانيين من الجنوب وانتهت بالحرب الأخيرة التي انتهت قبل ثلاثة أشهر؛ ولأن الحزب الاشتراكي اليمني كان محور هذه الحروب التي بدأت بولادته وانتهت بالقضاء على قوته، لذلك فقد أعددنا هذه الدراسة عن تاريخ الحزب الاشتراكي اليمني، وذلك لتوضيح صورة هذا الحزب أمام القارئ العربي الذي ربما لا يعرف كثيرًا عنه، وذلك من خلال الطرح الموضوعي والمميز الذي تحرص "المجتمع" على تقديمه لقارئها.

فإلى صفحات الدراسة تعود جذور التأسيس الحقيقي للحزب الاشتراكي اليمني إلى السنوات الأخيرة للخمسينيات، عندما وصل المد القومي العربي إلى ذروته في أعقاب إعلان الوحدة المصرية السورية عام 1958م.

وتكاد كل الدراسات التي تناولت تاريخ نشوء الأحزاب اليمنية، تُجمع على أن عام 1959م، هو بداية تشكيل أول خلايا حركة (القوميين العرب) بفعل تأثر عدد من الطلاب اليمنيين الدارسين في الخارج بالحركة الأم التي اتخذت من بيروت مركزًا رئيسيًا لها.

وفي قائمة المؤسسين الأوائل، يبرز اسم كل من (فيصل عبد اللطيف الشعبي)، و(عبد الملك إسماعيل) من الجنوب اليمني، والسلطان (أحمد عمر)، و(عبد الحافظ قائد من شمال اليمن). بالإضافة إلى عدد آخر من الذين انضموا على أيدي المذكورين وشكلوا الخلايا الأولى للحركة في كل من (عدن)، و(تعز)، قبل أن تنتشر تلك الخلايا في العديد من المناطق اليمنية، وتكتسب روافد متتالية من طلاب الريف الذين نقلوا مبادئ الحركة إلى قراهم. فشكلوا بذلك امتدادًا عميقًا للحزب لم يحظ به حزب آخر، وفي السنوات الأولى اقتصر نشاط القوميين على بناء تنظيم دقيق محكم أعانهم في المراحل الصعبة على التماسك والصمود في وجه التحديات، في حين سعى القوميون إلى نشر أفكارهم بين العمال والطلاب من جهة وتعبئة الرأي العام بعدائية ضد الاستعمار البريطاني والسلاطين حيث صدرت عدة كتب كإسهام في التوعية وكشف حقيقة المشاريع الاستعمارية مثل مشروع اتحاد إمارات الجنوب العربي بالإضافة إلى التوعية الصحفية، وعبر النشرات والمحاضرات في الأندية الثقافية والروابط الأدبية التي اتخذتها الحركة ستارًا لنشاطها ورغم أن القوميين العرب لم يعلنوا النضال المسلح ضد الإنجليز إلا بعد أعوام على التأسيس، إلا أن بذور ذلك كانت كامنة في التربية العقائدية للحركة والمتأثرة بالحركة الأم التي رفعت شعار (وحدة - تحرير - ثأر)، (دم. حديد - نار)، لكن القوميين كانوا يرون استحالة قيام حركة مسلمة في الجنوب قبل أن تتغير الأوضاع في الشمال.

وبالفعل، فما أن استولى الضباط الأحرار على الحكم في صنعاء حتى كان المتطوعون الجنوبيون الذين تدفقوا على الشمال للقتال مع الجمهوريين - يجتمعون فيما بينهم للوصول إلى صيغة موحدة لحل مشكلة الجنوب العربي بعد أن أنعشت ثورة 26 سبتمبر آمالهم بضرورة الحل العسكري للأزمة.

على صعيد آخر، كانت القيادتان اليمنية والمصرية في صنعاء تشعران بالحاجة إلى دعم عمل عسكري ما في الجنوب لإشغال الإنجليز الذين دعموا المتمردين وشجعوا بعض السلاطين على مساندتهم ضد الجمهورية الأولى في صنعاء.

ثورة الشيخ

وفي منتصف عام 1963م، كان قد تبلور مشروع جبهة للكفاح المسلح ضد الإنجليز حيث تشكلت الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل، وكان القوميون العرب بتنظيمهم الحديدي هم العمود الفقري للجبهة والتي ضمت كذلك - عددًا من المنظمات الصغيرة مثل: (جمعية يافع الإصلاحية)، و(منظمة الضباط الأحرار)، ومنظمة ناصرية صغيرة تدعى (جبهة القوى الناصرية).

بالإضافة إلى عدد من الشخصيات المستقلة المرتبطة بشكل ما بمجموعات ذات توجه إسلامي مثل (أبو بكر شفيق) الذي صار أول محافظ لعدن وأحد المؤسسين للتجمع اليمني للإصلاح في سنة 1990م.

وفي أكتوبر 1963م، اندلعت انتفاضة مسلحة في منطقة (ردفان) بين قوات بريطانية ومجاميع من رجال القبائل بقيادة: الشيخ راجح بن غالب لبوزة كانت راجعة من الشمال حيث كانت تشارك في القتال ضمن قوات الحرس الوطني ضد التمرد الإمامي.

ويبدو أن الإنجليز كانوا يتخوفون من عودة المقاتلين إلى (ردفان) فأصدروا أوامر إليهم بتسليم أسلحتهم وضم منطقة (ردفان) إلى إمارة (الضالع) وأميرها المتعاون مع الإنجليز.

وبالطبع، رفض المقاتلون تنفيذ الأوامر واندلعت انتفاضة مسلحة أبدى فيها أبناء (ردفان) مقاومة شرسة للجيش البريطاني المدجج بالأسلحة والطائرات قبل أن يسقط الشيخ راجح لبوزة شهيدًا في 14 أكتوبر 1963م، والذي اعتبر فيما بعد يوم اندلاع شرارة الثورة المسلحة ضد الوجود البريطاني في جنوب اليمن.

وقد تبنت الجبهة القومية انتفاضة (ردفان) وقدمت صنعاء والقيادة المصرية في اليمن دعمًا قويًّا لرجال القبائل ثم للجبهة القومية التي صارت من ذلك الحين مسؤولة عن الثورة المسلحة التي انتشرت في عدد من المناطق قبل أن تمتد إلى (عدن) نفسها بعد عام تقريبًا على شرارتها الأولى في ردفان وهناك حيث تتمركز القيادة العسكرية البريطانية، أضافت العمليات الفدائية للقوميين وقودًا جديدًا للنضال السلمي الجماهيري الذي كان يشعل الإضرابات والمظاهرات وتوزيع المنشورات وبانتقال المعركة إلى (عدن) انكسر حاجز الحصار الإعلامي البريطاني حول ثورة ردفان، واكتسبت المعركة أبعادًا شعبية وعربية ودولية رفعت من أسهم (الجبهة القومية) ودفعت التنظيمات السياسية مثل حزب الشعب الاشتراكي بزعامة عبد الله الأصنج إلى التخلي عن مبدأ الكفاح السياسي والتفكير في القتال، خوفًا من سحب البساط من تحت حزبه ذي الشعبية الكبيرة.

محاولة توحيد التنظيمات المختلفة

ومع تطور العمليات العسكرية، وبزوغ نجم الجبهة القومية، قررت الجامعة العربية ومن ورائها القيادة المصرية ضرورة توحيد كل المنظمات والجبهات في تنظيم واحد لاستلام السلطة عند رحيل الإنجليز في يناير 1968م.

 ولذلك فرضت السياسة المصرية حينذاك دمج أبرز منظمتين هما (الجبهة القومية) و(منظمة التحرير) في تنظيم جديد أعلن عنه في 13 يناير 1966م باسم (جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل).

وقد أثار الدمج القسري خلافات كبيرة داخل الجبهة القومية، ورفضه الكثيرون ولاسيما المقاتلين في الداخل، ولذلك تداعى القوميون إلى مؤتمر عام في 29 نوفمبر 1966م أعلنوا فيه انفصالهم عن جبهة التحرير وعودة نشاطهم ضمن إطار الجبهة القومية.

وقد تسبب هذا الانفصال في غضب المصريين الذين كانوا - حتى ذلك الحين - مصدر الدعم الرئيسي للجبهة القومية، فحولوا دعمهم إلى جبهة التحرير، ودخلت الجبهة القومية في أزمة خانقة لانقطاع التمويل المصري عنها، كما ظلت علاقتها متوترة بمصر حتى توسط زعيما حركة القوميين العرب (جورج حبش، ومحسن إبراهيم) عند الرئيس السابق جمال عبد الناصر لتعيد مصر النظر في مواقفها تجاه القوميين، وفي المقابل أدى انقطاع الدعم المصري إلى زيادة اعتماد الجبهة القومية على مصادر أخرى للتمويل، بما فيها القيام بعمليات سطو على بنوك أجنبية ومحلات الذهب، كما توثقت علاقتها بعدد من قيادات الجيش الاتحادي والشرطة الذين انخرطوا ضمن تنظيم سري للجبهة أسهم بقوة في توفير الأسلحة والذخائر للمقاتلين، بالإضافة إلى توفير الحماية الأمنية وتسريب أسرار الجيش البريطاني، وتحذير الفدائيين من عمليات المداهمة، وتهريب الملاحقين إلى خارج عدن.

ازدياد قوة القوميين بالداخل

ومن الآثار اللاحقة لعملية الدمج القسري ثم الانفصال؛ ازدياد قوة جناح الداخل الذي برزت ضمنه أسماء اشتهرت بعد ذلك مثل (علي عنتر - سالمين - مطيع.. إلخ). كما شهدت تلك الفترة بدء تأثر العناصر القيادية في الداخل بالأفكار الشيوعية المتطرفة، وتكون جناح شيوعي داخل الجبهة القومية بزعامة (عبد الفتاح إسماعيل - الخامري - سالمين) الذين كان لهم صلات بالاتحاد الشعبي الديمقراطي بزعامة (عبد الله باذيب) وهو أول حزب يمني تأسس على نهج الماركسية اللينينية عام 1961م.

وفي أعقاب استعادة القوميين لإطارهم السابق نشطوا في العمليات الفدائية، وفي محاولة إثبات أحقيتهم في قيادة النضال المسلح، رغم أن عددًا من قياداتهم فضلوا البقاء ضمن إطار جبهة التحرير، وعدد آخر كانوا محتجزين في القاهرة بما فيهم (قحطان الشعبي) زعيم الحركة الذي سوف يصير أول رئيس للجمهورية في (عدن).

بريطانيا تدعم القوميين

على صعيد آخر، أدى الخلاف المصري - (القومي) إلى ظهور تيار قوي في الحكومة البريطانية يفضل تسليم السلطة إلى الجبهة القومية نكاية في (عبد الناصر)، وبحكم أن جبهة التحرير أكثر التصاقًا به وتنفيذًا للسياسة البريطانية الجديدة وصل في 20 مايو 1967م المندوب السامي الجديد همفري تريفيليان الذي لم يخفِ تعاطفه مع (الثوار) واشمئزازه من السلاطين وحكام الاتحاد الذين كان البريطانيون يراهنون عليهم في استلام السلطة بعد رحيل قواتهم، لكن ضعف حكام المحميات والخلافات فيما بينهم جعلهم يرفضون استلام السلطة ويفضلون بقاء البريطانيين فترة أخرى حتى تستقر الأمور، أما القوميون فقد نجحوا في قراءة المتغيرات التي طرأت على السياسة البريطانية منذ مجيء حكومة العمال بزعامة (هارولد ويلسون)، وبدأوا منذ منتصف عام 1967م في عمليات إسقاط الولايات والإمارات والسلطنات والاستيلاء عليها، بينما كانت السلطات البريطانية تكتفي بتقديم النصائح لحكام المحميات بمغادرة البلاد مع تسهيلها لسفرهم، ومنع المصرين على العودة وتخويفهم من العواقب.

وقد أدت التطورات الجديدة إلى زيادة حدة التوتر بين الجبهتين المتنافستين داخل (عدن)، وبدأت جولات من الاقتتال الأهلي في يوليو وسبتمبر عام 1967م، كانت تنتهي باتفاقيات وقف إطلاق النار، ومباحثات بين الزعامات التي تعيش في القاهرة، وفجأة أعلن البريطانيون تقديم موعد انسحابهم من (عدن) إلى الثلاثين من نوفمبر عام 1967م، الأمر الذي أشعل حِدَّةَ التوتر بين القوميين والتحريريين من جديد، فاندلعت أشرس المواجهات في الثاني من نوفمبر واستمرت أيامًا مالت فيها الكفة لصالح التحريريين المدعومين من صنعاء والقاهرة.

وتجنبًا للهزيمة، قاد ضباط الجيش الاتحادي الموالون للقوميين وحداتهم المدرعة ومدافعهم الثقيلة للمشاركة في المعركة وتمكنوا من اقتحام معاقل التحريريين في (المنصورة) و(دار سعد) و(الشيخ عثمان) وحسموا الصراع لصالح الجبهة القومية وأعلنوا ولاءهم لها في بيان صدر في 11/7/1967م، وبعد يومين وجه القوميون نداء لبريطانيا طالبوها فيه بالاعتراف بهم كممثل وحيد للشعب، وبعد يومين آخرين استجابت بريطانيا للنداء، وأعلنت موافقتها على التفاوض مع الجبهة القومية، وهي المفاوضات التي بدأت في 21/11/1967م، بين وفد الجبهة القومية برئاسة (قحطان الشعبي) والوفد البريطاني برئاسة اللورد (شاكلتون).

ولدهشة المراقبين انتهت أسرع مفاوضات استقلال خلال أسبوع واحد (!). وفي الثلاثين من نوفمبر 1967م كان (قحطان الشعبي) يهبط بطائرة في مطار (عدن) الدولي بعد أن رحل آخر جندي بريطاني على ظهر حاملة طائرات مروحية كانت ترسو في البحر العربي.

وأعلن في اليوم نفسه قيام (جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية) وصار التنظيم السياسي للجبهة القومية هو الحزب الحاكم، وبدأت مرحلة جديدة من الصراع على السلطة بين الداخل والخارج.

 

الرابط المختصر :