; الحرية.. والخضوع لله | مجلة المجتمع

العنوان الحرية.. والخضوع لله

الكاتب خالد شلتوت

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

مشاهدات 144

نشر في العدد 549

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

مقدمة:

مما يضلل به مدرسو الفلسفة الناشئة المسلمة، كلمة الحرية، وهم لا يفقهون معناها، ولا يضبطون مصطلحها؛ ولذا رأيت أن نضبط هذا المصطلح ونبين معناه، بإذن الله تعالى.

مفهوم الحرية عند العامة:

عندما تتمرد الفتاة على أسرتها، وترتكب ما يضرها شخصيًا قبل أن يضر سمعة أهلها ترد على اعتراض والديها قائلة: أنا حرة تملأ فمها بهذه الكلمة دون أن تفقه معناها، وقد يؤنب الأب ابنه المدخن فيقول الابن: أنا حر، وقد يحرق أحدهم أمواله ويقول: إنها أموالي وأنا حر بها، وقد يشرب الخمر ويدعي إنه حر، وكل هؤلاء يعبرون عن المعنى العامي للحرية وهو الفعل الطليق.

ومع الأسف إن فلاسفة جددًا مثل سارتر يرون الحرية بهذا المعنى، فهي الفعل الطليق من كل سبب!!

نقد هذا الرأي:

الفعل الطليق غير موجود حقيقة، وإنما الموجود واقعًا أفعال لها أسباب، وقد يكون السبب واضحًا وقد لا يكون، ومن هذه الأسباب: الغريزة والجماعة والعقل والعقيدة ... إلخ.

فالفتاة التي تقول: أنا حرة، إنها تندفع إلى فعلها ذلك بسبب غريزتها أو الجماعة «صديقاتها» أو عقلها، وعلى كل حال فعلها ليس طليقًا «الفعل الطليق: فعل بدون أسباب باعثة له».

الحرية هي التقيد:

لقد حاول كثير من الفلاسفة إنكار الحرية، عندما عرفوا أنه لا يوجد فعل طليق، وبما أن كل الأفعال لها أسباب فهي مقيدة إذن، وبالتالي ليست حرة وهؤلاء أنصار التقيد ومنهم: أنصار التقيد النفسي «الغريزة هي بواعث العمل» مثل فرويد، وأنصار التقيد الاجتماعي «الجماعة وتقاليدها هي بواعث وأسباب أفعالنا» مثل دور كايم، وأنصار التقيد الطبيعي «الطبيعة أو القوانين الطبيعية هي أسباب سلوكنا» مثل ماركس، وأنصار التقيد الديني «الله هو سبب أفعالنا» مثل: الجهم بن صفوان.

نقد:

أقرب هذا الآراء إلى المنطق أنصار التقيد الديني، لولا أنه يجر المسلم إلى اتكالية حمقاء، كما يشيع بين المسلمين اليوم، فكل شيء مكتوب «كما يقول المغاربة» ونحن لا ننفي ذلك، وإنما نستنكر الاتكالية، وفهم النصوص من جانب واحد فقط، ونصوص القرآن الكريم بينت أن الإنسان مخير ومسير معًا، وهو ما نلتزم به.

ما هي الحرية إذن؟

لننتبه إلى المثال ولله المثل الأعلى:

نحضر /100/ مائة قلم حبر من أنواع مختلفة ومتفاوتة بدرجة عددية، بحيث تتناسب قيمتها مع الأرقام /1، 2، 3، 4 ... وحتى المائة.

نعرض هذه الأقلام على طفل عمره سنة أو دون، إنه سوف يأخذ واحدًا لا على التعيين منها، وبتعبير رياضي مجال الاحتمال أمامه من واحد حتى مائة، أي أن القلم الذي قيمته واحد يعادل عنده الذي قيمته مائة، وهكذا هذا الفعل قريب من الفعل الطليق، وليس طليقًا تمامًا، فقد يتدخل سبب اللون أو القرب من الطفل ... إلخ.

وبتعبير فلسفي يأخذ الطفل واحدًا من هذه الأقلام دونما سبب يدفعه إلى هذا أو ذاك، والدليل على ذلك أننا لو وضعنا الأقلام مرة ثانية أمامه بعد أن أخذنا منه القلم الذي أخذه في المرة الأولى سوف يأخذ آخر بنفس الطريقة العشوائية ... إن هذا مثله مثل الحرية عند عامة الناس، ولو بدلنا هذا الطفل بسارتر وأخذ قلمًا، وقلنا: لماذا أخذت هذا ولم تأخذ غيره؟ لن يقول: لأنه أحسن، أو لأني أحب اللون كذا؛ بل سوف يقول: لأنني حر، حتى أنه قد يأخذ القلم ذا القيمة «واحد» أي أردأ الأقلام ويقول أنا حر.

سوف نعرض الأقلام الآن على طالب في المدرسة الابتدائية، نلاحظ أنه ينتقي بعد عملية تفكير قصيرة واحدًا من الأقلام المحصورة بين الرقم /30-100/ «الطفل يأخذ بدون تفكير» أي أن طالب الابتدائي مميز رقم «6» عن رقم «56» وعرف أن الثاني أفضل وبالتالي استبعد الأقلام من «1» إلى «30» من اختياره، وضاق أمامه الاختيار بالنسبة إلى الطفل، ودخل مقدار من التقيد في مجال حريته قدره من /1 إلى 30/.

نعرض الآن الأقلام على طالب في الثانوية، نلاحظ أنه يفكر مدة أكثر من الطالب الابتدائي، ثم ينتقي واحدًا من المجموعة «60-100».

لقد ضاق مجال اختياره، أو قلت حريته، وزاد مقدار التقيد فيها أو قل في سلوكه. وهكذا يقل مجال الفعل الطليق أو الفوضوي كلما تفتح العقل.

فلو عرضنا الأقلام على موظف قديم يعمل في المكاتب، وله خبرة في الأقلام، أو لنعرضها على طالب جامعي أو مدرس نلاحظ أنه يختار واحدًا من بين المجموعة «80-100»؛ لأنه يميز أن القلم ذا الرقم «50» أفضل من «30»، وإن «80» أفضل من «60» لكن يقف به عقله عند هذا الحد، ويشكل عليه التمييز بين الأقلام «80-100» ومع الأسف إن الكثيرين يدعون أن هذه الأقلام «80-100» لا يوجد فرق بينها مع أننا فرضنا ذلك بالفرض؛ لأن الفوارق صغيرة بينها لا تستطيع عقولهم معرفتها، ومع الأسف مرة أخرى إنهم يدعون بأن عقولهم تعرف كل شيء وقد عرفت أنه لا فرق بينها.

الآن سوف نعرض الأقلام على متخصصين بصناعة الأقلام سوف يفكرون كثيرًا ثم ينتقون القلم ذا الرقم «100» أي القلم الأفضل.

ونستنتج:

1- انعدم مجال الاختيار أمامهم.

2- حل التقيد محل الحرية.

3- لو سألت أحدهم لماذا أخذت هذا؟ يقول: أنت قلت لي لك الحرية أن تختار واحدًا من هذه، وأنا اخترت الأفضل.

أقول له: لماذا لا تختار غيره، يقول: لأنه لا يوجد أفضل منه، أقول له إذن: أنت مقيد به ولست حرًّا، يضحك ويقول: سبحان الله! وهل الحرية تدفعني لاختيار الأسوأ أم الأفضل؟؟؟

الحرية الحقيقية:

الآن سوف نعيد المثال ذهنيًّا فقط، ولكن لن نخرج عن المبدأ سوف نحضر مجموعة لا متناهية من الأقلام، وكلها تمتاز عن بعضها، بحيث تتناسب مع الأرقام «1- 2- 3- ... لا نهاية ...» من يستطيع الآن أن يجد القلم الأفضل؟؟؟

إنه لا شك عالم يعلم كل شيء، علمه لا نهائي، غير محدود، وهو الله عز وجل.

ولو بدلنا الأقلام بالأفعال، نصل إلى أن الله عز وجل عالم بالفعل الأفضل، ولذلك خضوعنا لله والالتزام بطاعته فيما انتقاه لنا من أفعال هو السلوك الأفضل، وهو الحرية ذاتها.

الخاتمة:

الحرية هي الخضوع للعقل، هذا تعريف يقبله أكثر الفلاسفة، ونحن نصحح فنقول: هي الخضوع للعقل اللامتناهي، أو غير المحدود، وهو الله عز وجل؛ إذ لو خضعت إلى عقلي ودفعني إلى سلوك خاطئ توهم عقلي أنه صحيح؛ لما كان هذا الفعل حرًّا خالصًا.

ولو خضعت لعقل غيري؛ وقعت في العبودية له، وتخليت عن حريتي.

لذلك الحرية هي الخضوع لله عز وجل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 55

118

الثلاثاء 13-أبريل-1971

حوار مفتوح.. أزمة المثقفين

نشر في العدد 275

83

الثلاثاء 18-نوفمبر-1975

مصر بين عهدين