; الحرية الأكاديمية.. وانتهاكات الحرم الجامعي في العراق | مجلة المجتمع

العنوان الحرية الأكاديمية.. وانتهاكات الحرم الجامعي في العراق

الكاتب محمد الربيعي

تاريخ النشر السبت 11-مارس-2006

مشاهدات 81

نشر في العدد 1692

نشر في الصفحة 18

السبت 11-مارس-2006

بعد سقوط نظام البعث لا تزال القوى السياسية تتدخل في عمل الإدارات الجامعية 

هناك من يستهدف العقول العراقية من خلال القتل والاغتيال والاعتداءات على أساتذة الجامعات والعلماء

عندما كتبت حول الحرية الأكاديمية وانتهاكات الحرم الجامعي لم أكن أتوقع أن تثير المقالة مشاعر قوية عند جمهرة من الأكاديميين العراقيين وتدفع العديد منهم للإدلاء بدلوهم، وطرح قناعاتهم ومخاوفهم وتوقعاتهم التي في مجملها تتفق على أن الأوضاع سيئة وتزداد سوءً يومًا بعد يوم وبدرجة صورها البعض بأنه أكبر تحد يواجههم في حياتهم حاليًا بعد مشكلة انعدام الأمن والسلامة والمشكلة الأخيرة هي مشكلة عامة تواجه العراقيين جميعًا.

ومن الأمثلة على خطورة الوضع الحالي المتمثل باستهداف العقول العراقية قتل الدكتور عبد الرزاق النعاس أحد أساتذة كلية الإعلام، وتعرض الأستاذ مؤيد الخفاف من نفس الكلية إلى الاعتداء الجسدي من قبل ملثمين، وتوجيهم تهديدات بالقتل لبعض الأساتذة الآخرين. وتتحدث المصادر عن سلسلة من العنف تشهدها جامعة بغداد منذ مدة من دون تحديد الأسباب أو الجهات التي تقف وراءها.

ولتسلمي ردودًا عديدة من جهات مختلفة حول الموضوع، بالإضافة إلى حصولي على معلومات أخرى من مصادر داخل بعض الجامعات حول الاعتداءات التي يواجهها أعضاء الهيئات التدريسية والتدخل في شؤونهم الأكاديمية من قبل جهات مختلفة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، والتأثير السلبي الممارسات بعض الطلبة على العملية الأكاديمية يجعلني أعود للموضوع مرة أخرى.

من ضمن الردود جاءتني رسالة إلكترونية من أحد أساتذة جامعة بغداد فيها ما يقلق كثيرًا وما يحزن كثيرًا وما يغضب كثيرًا، أدرج مقاطع منها لإعطاء فكرة عن الوضع الحالي الذي يعيش فيه أساتذة الجامعات العراقية، علمًا بأن رسائل وصلتني من مصادر أخرى تحمل أخبارًا وآراء مشابهة: «أقول لك إن الأستاذ في هذا الوقت قد أهين وضرب بالكراسي من قبل الطلبة لا لشيء إلا لأنه يخالف آراء هؤلاء الطلبة. وأصبحت القيم من النوادر وانتهى دور الأستاذ الجامعي وأصبح كالنعامة يخبئ رأسه في التراب والجامعة والحكومة واقفتان موقف المتفرج والبعض يشجعون هذه الممارسات ضد الأساتذة. الكثير من زملائنا الأساتذة قد اغتيلوا وقتلوا بأيدي هؤلاء المتخلفين القتلة. الأستاذ في زمن صدام كان لا يستطيع أن يقول رأيه، أما الآن فإنه يستطيع أن يقول رأيه ولكن لا أعتقد أنه سيكون على قيد الحياة إذا قال رأيه بصراحة».

هل يمكن أن يحدث هذا حقًا في أحد أقدم معاقل الفكر والبحث العلمي في الشرق الأوسط ؟ تصور أن أستاذًا في العلوم الإنسانية أراد تحقيق هدف الجامعة في تحفيز العقل من خلال إثارة الأسئلة غير المرغوب في إثارتها. ماذا سيحدث لهذا الأستاذ؟ أترك الجواب لزملائي في كليات العلوم الإنسانية!

من المفيد أن أشير إلى أنني عندما عملت في التعليم العالي مباشرة بعد سقوط النظام البعثي لمست عن كتب تدخل القوى السياسية وغيرها، وبصورة متزايدة في عمل الإدارات الجامعية، وتعرضت بصورة شخصية، كما تعرض العديد من العاملين في إدارة التعليم العالي، لاعتداءات الطلبة ولضغوطهم المستمرة لفرض أنماط معينة على الحياة الجامعية بتدخلهم المستمر في كل شاردة وواردة من أمور الجامعة والعمل الأكاديمي، خصوصًا عندما شرعت في وضع مسودة لنظام اتحاد طلابي ديمقراطي للجامعات العراقية. ولكني في تلك الأيام كنت أتوقع أن تتحسن الأوضاع، وكنت أعزو ذلك إلى قلة الخبرة والعزلة الشديدة التي عانت منها الجامعات العراقية في الماضي. وكنت أعزو الفوضى التي لازمت الأسابيع والأشهر الأولى إلى انعدام المستلزمات الأساسية من البنى التحتية بعد النهب والسلب والحرائق التي أصابت معظم المؤسسات الجامعية وتلكؤ عملية الإعمار وإلى عجز الإدارات الجديدة للجامعات من ممارسة عملها بصورة كاملة وناجعة نتيجة هيمنة المستشارين الأمريكيين قليلي الخبرة سواء في التعليم العالي أو الإدارة الجامعية أو الحياة الجامعية الشرق أوسطية على كل مفاصل عمل النظام الجامعي: مما أدى إلى إحباط واسع بين القيادات الجامعية وتردد في التعامل الديمقراطي الحر مع المسؤول الأمريكي لوزارة التعليم العالي بالإضافة إلى أن القضاء على النظام الصدامي وفر أجواء جديدة من الحرية والديمقراطية مما أدى إلى بروز محاولات من بعض أطراف السلطة الجديدة لفرض حالة جديدة من الأمر الواقع تريد بها فرض هيمنتها على مفاصل الحياة الجامعية. 

ويبدو أنه من المبالغ به قول البعض إن ما يحدث اليوم مماثل لما كان يحدث أيام العهد البائد لسبب بسيط، هو أن الجامعة لم تعد تخضع لسيطرة الدولة وفلسفتها المؤدلجة التي لا ترى فيها إلا وسيلة لخدمة أهداف وتطلعات النظام، فهي اليوم تخضع لابتزازات وضغوط مستمرة متناثرة ومن جهات مختلفة تعرقل عملها وتتدخل في شؤونها أو تحاول فرض تقليد أو ممارسة معينة لا تمت بصلة إلى مهمتها العلمية والتعليمية. وقد يعود هذا إلى انعدام سيطرة الدولة على الأوضاع الأمنية وعدم احترام بعض الطلبة لحرمة الجامعة وتفهمهم الخاطئ لمفهوم الحرية الأكاديمية. ويحتمي هؤلاء الطلبة تحت واجهات معينة إلا أن مصالحهم لا تمت أبدًا بصلة بمصالح القوى والعصابات المنظمة التي تتعمد العنف والقتل والخطف للأكاديميين والأطباء والعلماء العراقيين لكي تحقق هدفها في إرجاع العراق إلى عهد الدكتاتورية المقيتة وجعله مركزًا للإرهاب العالمي ومعاداة الغرب.

 ويمكن تقسيم القوى «داخل الجامعات يمثل الطلبة معظم منتسبيها» التي تعمل على قمع العمل الأكاديمي والكلمة الحرة وتعيق تحقيق التألف والأخوة والمنفعة العامة داخل الجامعات وبما يخدم مصلحة الوطن والتقدم الاجتماعي والتكنولوجي-إلى المجاميع التالية:

  1. قوى أو أفراد من بقايا النظام السابق أو من تلك التي فقدت مواقعها ونفوذها داخل الجامعات بحيث لم يعد من صالحها أن ترى الهدوء والسلام يعم ربوع الجامعات ولا أن تتحول إلى ورشات عمل مستقلة للفكر الحر لتحقيق التقدم العلمي والتكنولوجي الحقيقي للعراق.

  2.  قوى سياسية تريد «تطهير» الجامعة من كل أكاديمي بعثي أو متعاون مع النظام السابق، وقوى طائفية تريد التخلص من كل أكاديمي ينتمي إلى طائفة من غير الطائفة التي تشكل الأكثرية في المحافظة التي تنتمي لها الجامعة.

  3. قوى أو أفراد من بعض الأحزاب السياسية الدينية تريد أن تكون الجامعة جزءً من المجتمع الإسلامي بالصورة التي تراها للإسلام فتتدخل في شؤون الإدارات أو تحاول فرض تقليد أو ممارسة معينة لا تمت بصلة إلى مهمة الجامعة، كممارسة الشعائر الدينية التي لا تمارس عادة إلا في الجوامع أو الحسينيات أو عن طريق الاجتماعات السياسية المخصصة لدعم اتجاه أو قوة سياسية معينة، وهم بأسلوبهم هذا يريدون أن تخضع الجامعة لمعاييرهم وقيمهم الأخلاقية، متناسين أن مثل هذا الأسلوب كان قد اتبع سابقًا فتحولت الجامعات إلى ثكنات عسكرية.

  4. عصابات أو أفراد هدفها ابتزاز أساتذة الجامعة عن طريق التهديد من أجل مصالح فردية، وكثيرًا ما يتم تنفيذ هذه التهديدات إما بضرب الأستاذ أو قتله. ويجد هؤلاء الأفراد مجالًا واسعًا لتنفيذ جرائمهم نتيجة لانعدام الأمن وسيطرة الدولة.

  5. مجاميع أو أفراد لها مصالح شخصية في التخلص من واحد أو أكثر من أعضاء الهيئات التدريسية، فتقوم بالتحريض على ضربه أو إبعاده أو قتله.

  6.  أفراد من الانتهازيين الذين لا يهمهم إلا مصالحهم الأنانية الضيقة يضعون عملهم الجامعي في خدمة مصالح بعض القوى الطلابية المؤثرة، مما يمنح هذه القوى تأييدًا ودعمًا يساعد في نشر مناخ الخوف في المحيط الجامعي.

من هذا نستنتج أن قوى وأفرادًا عديدين مختلفي المصالح يدفعهم هدف زعزعة الأمن الجامعي وعرقلة العمل الأكاديمي، بعضهم انتهازي وشخصي وبعضهم أيديولوجي الدوافع. تخليص الجامعة من العناصر الأولى يتم بالتدريج مع إحكام سيطرة الدولة على الأمن وتحقيق الأمان على صعيد الشارع العراقي والقضاء على العنف وانتشار ثقافة احترام الرأي والرأي الآخر والالتزام بالمبادئ والقيم والأخلاق الوطنية والعالمية ذات الأساس القانوني.

 أما التخلص من المجموعة الثانية فهو عمل أشد صعوبة لما يرتبط بالوضع السياسي وبمدى اقتناع القيادات السياسية بمفهوم استقلالية الجامعة والحرية الأكاديمية كمبدأ مهم من مبادئ التعليم الجامعي.

إن هذا الهدف يتطلب أن تقوم القيادات السياسية بمراجعة مواقفها من حرية الفكر والتعليم الجامعي، وإذا كان من الحكمة إقحام السياسة والدين بداخل الجامعة خصوصًا في الكليات العلمية والطبية والزراعية والهندسية، ومن هذا المنطلق تأتي أهمية تصريحات وزير التعليم العالي الأستاذ الدكتور سامي المظفر الذي دعا إلى عدم تسييس الجامعات وإلى ضرورة التمسك بالثوابت والقيم العلمية والأكاديمية والتربوية وزجها في صراعات طالما حرصت الوزارة وغالبية القوى الوطنية الشريفة الابتعاد عنها، حفاظًا على المؤسسات التعليمية الوطنية ودورها الحيوي في بناء مجتمع متحضر وواع. ولربما يكون هذا أحد الأسباب التي وراء المحاولة الفاشلة على حياته قبل أيام.

وأدعو في نهاية المقالة، بل أطالب القوى السياسية وأعضاء مجلس النواب والحكومة العراقية الجديدة- بالاشتراك مع قيادات الجامعات العراقية وأعضاء هيئاتها التدريسية-بعقد مؤتمر عام حول الحرية الأكاديمية لمناقشة وإقرار مبادئ شرف يتمسك بها الجميع للحفاظ عليها كمؤسسات علمية وتربوية لنشر مبادئ الحرية والعدالة من خلال التعليم والبحث وتطوير أساليب التألف والأخوة والمنفعة العامة، بما يخدم مصلحة الوطن والتقدم الاجتماعي والتكنولوجي .

الرابط المختصر :