العنوان الحروب والأزمات وأثرها على الطفل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998
مشاهدات 1
نشر في العدد 1286
نشر في الصفحة 61
الثلاثاء 27-يناير-1998
أحمد جعفر
يخشى المختصون في مجال الطفولة من أن تؤثر أحداث الحروب والأزمات التي مرت بعالمنا العربي، بما في ذلك حرب الخليج والحرب الأهلية في لبنان والانتفاضة في فلسطين المحتلة تأثيرًا سيئًا على النمو النفسي - الاجتماعي للأطفال العرب وعلى اتجاهاتهم نحو المجتمع وعلى علاقاتهم مع الآخرين، وعلى نظرتهم إلى الحياة بصورة عامة. وتشير الدراسات النفسية في هذا المجال إلى أن مشاعر الأطفال تجاه هذه الأحداث والأزمات والحروب تتنوع وتختلف، فمنهم من يبدي الخوف ومنهم من يبدي الحنق، ومنهم من يبدي الشعور بالعجز والألم.
وعلى ضوء ذلك تأتي الدراسة الميدانية، إثر الحروب والأزمات على الطفل العربي للدكتور قاسم الصراف، رئيس الجمعية الكويتية - لتقدم الطفولة العربية التي تعرضت لتأثير الأزمات على الذات لدى الأطفال، مؤكدة على أن للخبرة دورًا مهمًا في تكوين مفهوم الذات لدى الأطفال، كما أن المفهوم الذات أيضًا دورًا في تشكيل الخبرات لدى الأطفال، ومفهوم الذات، كما هو مستخدم في علم النفس الحديث يشير إلى معنيين متميزين المعنى الأول اتجاهات الطفل وأحاسيسه نحو نفسه، أما الثاني فيشير إلى مجموعة العمليات النفسية التي تحكم السلوك والتوافق. وتنتقل الدراسة إلى الآثار التي تتركها الأزمات على الأطفال، مشيرة إلى أن خبرات العنف التي يتعرض لها الأطفال تترك آثارًا مدمرة على نموهم النفسي - الاجتماعي وعلى اتجاهاتهم نحو المجتمع، وعلى علاقاتهم ببعضهم البعض، وكذلك على نظرتهم العامة للحياة.
الضغوط والصدمات:
وتؤكد الدراسة أن انطباعات الأطفال الأولية عن الضغوط والصدمات المتعلقة بالحروب والأزمات تختلف تبعًا للعمر وطبيعة الصدمة، ولكن تظل الملامح العامة لهذه الانطباعات واحدة وتقع تحت طائلة الأعراض الإكلينيكية لرد الفعل الإجهادي لما بعد الصدمة. وتتكون أعراض رد الفعل الإجهادي لما بعد الصدمة أساسًا من اضطرابات النوم وصعوبة التركيز وصعوبة التذكر (وخصوصًا في الأعمال المدرسية وفقدان الاهتمام بالأنشطة السارة والانفصال العاطفي عن الوالدين والرفاق وزيادة حالة اليقظة والحذر. هذه الأعراض تمثل رد فعل طبيعي لخبرات ضاغطة قوية، وإذا كانت الصدمة في حضور الوالدين أو الأقارب فإن أعراضها سوف تختفي بعد فترة وجيزة، ولسوء الحظ فإن معظم الأطفال يستمرون في المعاناة لمدة طويلة بعد حدوث الصدمة. إن للصراعات المسلحة أيضًا تأثيرات بعيدة المدى على النمو النفسي والاجتماعي للأطفال، وتظهر هذه التأثيرات على شكل تغيير جوهري في الأنماط السلوكية، كالسلوك العدواني والكآبة وتغير الاتجاهات والمعتقدات واضطرابات الشخصية وإعاقة النمو الأخلاقي في دراسة هدفت إلى الكشف عن الآثار السيئة التي تتركها الأزمات والكوارث على الأطفال قام الباحثون باختيار عينة قوامها ٤٥٢ طفلًا ممن تعرضوا لأزمات وكوارث مختلفة داخل الولايات المتحدة ثم قاموا بتقسيم أفراد العينة إلى ثلاث مجموعات:
1- مجموعة تعرضت للأزمة بطريقة مباشرة.
2- ومجموعة تعرضت للازمة بطريقة غير مباشرة.
3- مجموعة لم تتعرض لآثار الأزمة.
وقد توصل الباحثون إلى نتائج مفادها أن أطفال المجموعة الأولى أصبحوا يعانون من مستويات مرتفعة من القلق والتوتر النفسي أكثر من المجموعتين الأخريين، بينما خلت المجموعة التي لم تتعرض لآثار الأزمة من أي أعراض أو اضطرابات نفسية، وعلى وجه الخصوص اتضح من استجابات أطفال المجموعة الأولى أنها تعاني من ستة أنواع من الاضطرابات هي الكآبة، اضطراب وظائف الأعضاء الخوف النفسي القلق العام الإجهاد العصبية الزائدة، بينما تبين من استجابات المجموعة الثانية وجود كل أنواع الاضطرابات ولكنها بصورة أخف كثيرًا من المجموعة الأولى وأكثر قليلًا من المجموعة الثالثة بالرغم من عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين المجموعتين الثانية والثالثة.
ولقد أشارت نتائج الدراسة أيضًا إلى أن الخبرات الصدمية للمجموعة الأولى فاقت بقدر ثمانية أضعاف المجموعة الثالثة وأربعة أضعاف بالنسبة للمجموعة الثانية. وفي مجال تأثير صدمة الأزمات على الجانب الانفعالي تشير الدراسة إلى أن أزمة الاحتلال الأجنبي على الأطفال من شأنها اهتزاز الثقة بالحياة وبالآخرين، كذلك دلت نتائج الدراسة أن الإجهاد المرتبط بصدمة الأزمات له تأثيره الواضح على الناحية الانفعالية للأفراد وخصوصًا ارتباطه بأعراض القلق التي تظهر في صورة الحزن والكآبة واليأس، والملل والشعور بالتعب والإرهاق، فقدان الاهتمام بالأشياء عامة. وفيما يتعلق بتأثير الأزمات على الجانب المعرفي، تشير الدراسة إلى أن صدمة الاحتلال لها آثارها السلبية على القدرات العقلية للأطفال، حيث يشعر الطفل بضعف في نشاطه العملي، وخمول في طاقته الذهنية، وأن الأطفال الذين يعانون من صدمة الأزمات تصبح الصور العقلية لديهم عن الاستقرار والسلام العالمي مشوهة لدرجة أنهم يواجهون صعوبات فائقة في عملية التوافق مع الأوضاع الجديدة التي يشهدها العالم.
وفي مجال تأثير الأزمات على الجانب السلوكي، قام الباحثون ممن بإجراء دراسة إكلينيكية على عينة قوامها ستة وعشرون طفلًا. كانوا يعانون من اضطرابات الصدمة بسبب مرورهم بأزمة حادة فوجدوا أن ٢٥% منهم أصبحوا يعانون من اضطرابات النوم، وأن ١٦% منهم أصبحوا يعانون من اضطرابات سلوكية حادة، كالعصبية الزائدة والعنف والإهمال للنفس والواجبات، وفي دراسة أخرى أجريت على عينة كبيرة من الأطفال ممن كانوا يعانون من إفرازات الحرب الفيتنامية نتيجة معايشتهم لها مدة طويلة توصل الباحثون إلى أن من أبرز المشكلات السلوكية التي ظهرت على هؤلاء الأطفال السرقة والكذب والاعتداء والتخريب والتمرد على النظام والقانون وأن هذه الاضطرابات كانت النتيجة الطبيعية لتعرض هؤلاء الأطفال الصور العنف والقتل والتعذيب أيام الحرب.
أحمد جعفر