العنوان الحركة الإسلامية وظاهرة التمرد على قراراتها
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003
مشاهدات 31
نشر في العدد 1556
نشر في الصفحة 66
السبت 14-يونيو-2003
من الظواهر التي أخذت تطفو على سطح الساحة
الإسلامية وتتكرر هنا وهناك وهنالك، في هذا البلد أو ذاك... ظاهرة التمرد على
القرارات السياسية التي تتخذها الحركة الإسلامية، وخاصة ما يتصل منها بالترشح
للانتخابات التشريعية عبر مسمياتها المختلفة: المجالس النيابية، مجالس الشعب،
مجالس الأمة..
إن تكرار هذه الظاهرة يعني استفحالها وتفاقمها..
ويعني بالتالي زيادة خطورتها ومفاسدها.. ويعني كذلك وجود خلل ما يبعث على إيقاظها
وتحريكها وتنميتها، مما يدعو بإلحاح ومن غير تأجيل إلى دراستها بتأنٍ وتجرد
وشفافية لاستكشاف الأسباب الحقيقية الكامنة وراءها.
قد تقع حالات من التمرد الحركي في جوانب متعددة من
العمل الإسلامي، كالعمل الاجتماعي والخيري والتربوي والدعوي وغيره.. إنما تبقى
تداعياتها محصورة مطوقة لا تشكل خطورة على الحركة، ولا تترك آثارًا سلبية في
المجتمع والمحيط من حولها، والذي قلما يسمع بها.
التمرد في الإطار التمثيلي العام - سواء منه البلدي
أو النقابي أو النيابي أو الوزاري - هو الأخطر على الحركة؛ لأن من شأنه أن يضعها
وكل مشكلاتها في دائرة الضوء، وتحت مباضع التشريح والاستغلال السيئ من قبل الخصوم.
وهذا وحده يكفي ليكون حافزًا على تناول هذه الظاهرة، ومحاولة فهمها واستكشاف
أسبابها ومن ثم المبادرة إلى معالجتها.
لا يكفي لمعالجة هذه الظاهرة إصدار قرارات فصل بحق
المخالفين؛ لأن فصل هؤلاء لا يعني استئصال العلة، ولو كان هذا الإجراء سليمًا
وكافيًا لما وقع هؤلاء فيما وقع فيه أسلافهم ومن سبقهم من قبل ممن صدرت بحقهم
قرارات فصل مماثلة.
القضية تحتاج إلى شيء من التجرد في تناول الظاهرة
ودراستها، كما تحتاج إلى تقليب وجهات النظر بشأنها. وليس من غضاضة البتة في توسيع
دائرة الدراسة لتشمل الجوانب الشرعية والحركية والمصلحية، ومن غير استعجال في
اتخاذ القرارات التنظيمية، مما يفرض جلاء كل غموض والإصغاء إلى كل رأي ولو كان
مخالفًا، ومن غير استعجال في اتخاذ الإجراءات التأديبية والجزائية؛ فإن قرار الطرد
والفصل قد يكون من أسهل القرارات، لكنه لن يكون الأسهل في نتائجه أو الأفضل في
عواقبه.
فالحركة مدعوة لمراجعة تجربتها السياسية، وبخاصة
النيابية منها:
- مراجعة
قراراتها وخياراتها الترشيحية.
- مراجعة
دورها في دعم وترشيد من أوصلتهم إلى قبة البرلمان، ومراقبتهم ومحاسبتهم.
- مراجعة
سياساتها التحالفية.
- مراجعة
خطابها السياسي كحركة، إضافة إلى خطاب سياسييها ونوابها.
- مراجعة
مشروعها السياسي جملة وتفصيلًا، ومدى تقيدها بمبادئه وضوابطه، وما له من
أولويات وموازنات.
أنا لا أشك لحظة أن الذين تمردوا قد أخطأوا
الطريق.. إنما تخطئة هؤلاء لا تعفي الحركة ومؤسساتها من مسؤولياتها؛ فقد يكون
الموقف الذي صدر بحقهم - هو كذلك - مجانبًا للصواب والمصلحة.
وفي إطار معالجة الأمراض البدنية، لا يلجأ الطبيب
إلى استئصال عضو مريض في الجسم قبل استكمال كافة الفحوصات الطبية والأخذ بكل
العلاجات والموازنة بين أضرار بقائه ومنافع استئصاله؛ والقاعدة أن «آخر الدواء
الكي».
لماذا لا تأخذ الحركة بقاعدة أن ما تراه صوابًا قد
يحتمل الخطأ - ولو صدر من رأس الهرم التنظيمي - وأن ما يراه سواها غير ذلك قد
يحتمل الصواب ولو كان من في مؤخرة الركب وفي قاعدة الهرم التنظيمي؟! والرجوع عن
الخطأ في الإسلام فضيلة وليس رذيلة.
والتمرد السياسي له خلفيات كثيرة ومتعددة لمن أراد
البحث والتنقيب والمعالجة، ونظر إلى القضية من مختلف الزوايا:
1.
قد يكون
التمرد نتيجة هوى نفس، وشهوة ذات، وزيغ في التفكير والتقدير، ونزغات النفس الأمارة
بالسوء.
2.
وقد يكون
التمرد نتيجة حرص على طلب الولاية؛ وطالب الولاية كما قرر الرسول الأعظم ﷺ لا
يُولّى.
3.
وقد يكون
التمرد نتيجة قرارات قيادية غير سليمة ولا صائبة، لم تأخذ بمبدأ العدل والموضوعية
مراعاةً لخاطر مسؤول أو نافذ؛ والقاعدة القرآنية ألا تزر وازرة وزر أخرى.
4.
وقد يكون
التمرد نتيجة خلل في مناهج التربية والتكوين، أو نتيجة تعطل وتوقف التربية
والتكوين بالكلية؛ حيث إن الطبقة القيادية التي ترشح عادة للمواقع النيابية تصبح
أحيانًا فوق التربية والتوجيه، وأكبر من التذكير والتحذير، ومن هنا تتوالد
المشكلات وتتكاثر الأمراض في الجسم الحركي تبعًا لانعدام المناعة وتوقف أجراس
الإنذار المبكر وغياب وظائف النصح.
5.
وقد يكون
التمرد نتيجة سوء اختيار الحركة لمرشحيها بعيدًا عن صيغ الشورى الحقيقية السليمة
مع قواعدها في الداخل، ومن غير احتساب لأدنى مساحة من الاستئناس بالرأي العام في
الخارج.
6.
وقد يكون
التمرد نتيجة عقليات قيادية تعمد إلى المبالغة في تحجيم قياداتها المتميزة، وبخاصة
النواب الذين اكتسبوا خبرة طويلة في مجالات العمل السياسي والبرلماني والذين يحسن
أن يتابعوا ما بدأوه لتنمو التجربة وتتراكم، لا أن يُحال الأمر تلقائيًا إلى أشخاص
لا يملكون أدنى خبرة في العمل العام، مما يجهض التجربة ويعود بها إلى نقطة
البداية.
7.
وقد يكون
التمرد نتيجة تقدير الحركة المبالغ فيه لوزنها الجماهيري، وظنها أن بإمكانها خوض
الانتخابات وتحقيق النجاح بأي مرشح تختاره، لاعتقادها أن الأصوات التي تمتلكها
يمكن تجييرها بالكامل لأي شخص ترشحه، علمًا بأن الأشخاص لدى عموم الناخبين ليسوا
سواء، ومن الخطأ بمكان الظن بأن قرارات الحركة التنظيمية ملزمة للجماهير العريضة
في مطلق الأحوال.
قد يكون من المفيد والضروري للحركة - قبل الإيغال
في التجارب التمثيلية البرلمانية - أن تضع من المبادئ والأسس ما يضبط مسيرتها؛ بل
إنه لا يجوز بحال خوض الشأن العام خارج هذه الأسس والضوابط:
- فقد
يكون من المصلحة - ابتداءً - اعتماد مبدأ عدم ترشيح من يتولون مسؤوليات
قيادية مفصلية: كالمسؤوليات التنظيمية والتربوية والدعوية والمالية المباشرة
في الحركة، حمايةً لتلك الأجهزة واستقلاليتها.
- وقد
يكون من الأفضل عدم ترشيح المسؤول الأول (الأمين العام أو المراقب العام)
للمواقع النيابية؛ ليبقى مرجعًا وضابطًا للإيقاع السياسي والتنظيمي، دون أن
يصبح طرفًا مباشرًا في التجاذب البرلماني الداخلي فيصغر دوره ويصبح بحاجة إلى
من يضبطه!
- وقد
يكون من المصلحة تريث الحركة في خوض غمار المعترك النيابي حتى تستكمل بناءها
الداخلي وترسيخ مؤسساتها، وهي إن قررت دخول هذا المجال وجب عليها الاستمرار
فيه بوعي ورؤية متكاملة؛ لأن الانسحاب الفجائي أو الارتباك يخلف الكثير من
الانتكاسات.
- وقد
يكون من الضروري انتقاء وتأهيل المرشحين ضمن معايير دقيقة وبرامج تدريبية
وتثقيفية متخصصة تتصل بالشأن السياسي والدستوري والنقابي.
إن كل هذا كفيل بإنجاح مشروع الحركة السياسي
والتمثيلي، وصيانة صفها من الانشقاقات والتصدعات، ووقايتها من مراكز القوى وصراعات
الأجيال، إضافة إلى ما تتكبده من خسائر فادحة في الأفراد والطاقات.