; الحركة الإسلامية والدور الجديد (3 من 6) ... معادلة العمل الناجح | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الإسلامية والدور الجديد (3 من 6) ... معادلة العمل الناجح

الكاتب خالد الطراولي

تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2003

مشاهدات 64

نشر في العدد 1567

نشر في الصفحة 66

السبت 06-سبتمبر-2003

إن مهمة الإسلام السياسي في ظل هذا المنهج التديني العام والصاعد تتنزل في مرحلتين:

1- مرحلة أولى تتمثل في عدم اقترابه من هذا الزخم وهذه الاستفاقة الدينية خطابًا ورجالا، فلليقظة رجالها وخطابها ومنهجيتها وإطارها، وللحركة الإسلامية خطباؤها ومشرفوها وميدانها بعيدًا عن دور التدين العام ومناسباته، حتى لا يصطبغ هذا بذاك، وتختلط الأطر ويفقد كل منهما خصائصه ودعائم نجاحه.

 أما في المرحلة الثانية فإن هذا المد التديني الذي انطلق شعيرة وطقوسًا، سوف يبحث عن البديل في مجالات أخرى فلن تقتصر عبادته لربه في تسبيحات وأذكار وريادة مسجد وصيام وعمرة فقط بل تتجاوزه إلى مجالات التعامل السياسي والاقتصادي والأحوال الشخصية والقانونية وقضايا الحكم والإدارة فالصلاة عادة والصوم جلادة، أما الدين فهو المعاملة، ولن يكون المدد سوى من الإسلام السياسي. 

إن المرحلة الأولى مرحلة الانتظار ليست غيبة ولا انسحابًا عن الساحة، لكنه حضور دون ظهور، وهو الابتعاد عن الأضواء الكاشفة بلغة الإعلاميين، وهي محطة حساسة ومهمة لإنجاح المشروع الحضاري العادل في المجتمع والدولة، ويتطلب الكثير من الصبر والمصابرة أمام إغراءات الواقع وإثاراته ونداءات الأنا وأحلامه نحو لعب الأدوار الأولى والوصول السريع إلى كراسي الحكم، ويدعو كذلك إلى التريث أمام استفزازات الأطراف المقابلة. 

لقد قاست الحركة الإسلامية في عمومها من الضرب المتواصل لهذه العلاقة الخاصة والمباشرة التي جمعتها بالجماهير، ووقع السعي الحثيث لاستبعادها من كل الميادين والأطر التي تقترب منها، وهو ما عرف في بعض البلاد بسياسة تجفيف الينابيع. فأغلقت دور الثقافة والعلم والتربية والعبادة في وجهها وحيل بينها وبين الناس فنتجت عنه مواقف متباينة من الجماهير:

فريق فضل السلامة ووقف على الأعراف ينتظر، غير أن تباعد المدة جعله يفقد الأمل وينحاز نهاية إلى المعسكر المنتصر.

وفريق ما زال على العهد يؤمن بالفكرة ويؤيد المشروع ويناضل بما يتاح له لاستمراره ونجاحه. وفريق ترك المشروع السياسي ولكنه لم يترك الهم الإسلامي وفضل النجاة الفردية على الموت الجماعي، وفريق خابت آماله في المشروع بعدما هاله ما وصل إليه في بقاع أخرى بلغت مرحلة التمكين ولم يحصل التغيير والرفاه المنتظر، واقتنع بعد حملات إعلامية رهيبة قامت بها أطراف في الداخل والخارج بأن مشروع الحركة الإسلامية ليس المهدي المنتظر، بل لعله كابوس آخر الليل، وفريق مغلوب على أمره يلعن السياسة والسياسيين فضل الابتعاد والانسحاب والبحث على لقمة العيش والعمل على الارتقاء اجتماعيا واقتصاديًّا بعيدًا عن السياسة ومشاغلها، وفريق معاند معاكس ومعاد للأطروحة وأهلها جملة وتفصيلًا، قناعة فكر وأيديولوجيًا، أو قناعة مصالح ومراكز. 

قطعة الفسيفساء هذه، مثلت العنصر المهم في معادلة العمل الصائب والنجاح في إحداث التغيير في المجتمع، فبغياب الجماهير وعدم التفافها وتبنيها للمشروع، تفقد أي أطروحة مصداقيتها وشروط فلاحها، وإذا غابت الأمة غاب الحامل والمحمول وانهار المشروع، وهذا ما يكاد يحصل الآن للحركة الإسلامية باستبعاد السند والمدد عنها، رغم صفاء الينبوع وصلاح الرؤى وإخلاص العاملين، ورغم هذه اليقظة المتعاظمة للإسلام الفطري. 

لقد مثلت منهجية «خلوا ما بيني وبين الناس» التي أطلقها الرسول الكريم ﷺ أساس نجاح الدعوة الإسلامية الأولى، والمبنية على الثقة في النفس وفي صلاح المشروع ورشاده وعلى تجميع الأمة حوله، غير أن هذه المنهجية تبدو الآن مستبعدة ومفقودة. فالحركة الإسلامية حيل بينها وبين الناس، ومُنعت سبل اللقاء والتواصل وليس لها سوى الاضمحلال والانزواء أو طرق باب المجهول والدخول في مواجهات عقيمة ومتاهات مظلمة والبديل المطروح لهذه المنهجية الساعية إلى الناس والمعدومة حاليًا، هو ترك الناس يسعون إلى المشروع عبر مسارهم التديني الصاعد، بعد أن تكتمل قابلية الأمة على حمل المشروع وتبنيه في بعده الشامل ليصبح شعارها بعد حين من «خلوا ما بيني وبين الإسلام»، في مرحلة التدين الحالية التي حملتها الأمة إلى «خلوا ما بيني وبين المشروع الإصلاحي العادل» الذي تحمله الحركة الإسلامية في كل مراحل ومحطات وجودها.

الرابط المختصر :