; الحركة الإسلامية والدور الجديد «1 من 6» | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الإسلامية والدور الجديد «1 من 6»

الكاتب خالد الطراولي

تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2003

مشاهدات 131

نشر في العدد 1565

نشر في الصفحة 66

السبت 23-أغسطس-2003

قراءة في العلاقة بين «الإسلام السياسي» وظاهرة التدين الاجتماعي

حين انطلقت الصحوة الإسلامية في بداية القرن الماضي، كانت الأمة تعيش تمزقًا حضاريًا رهيبًا، ساهم فيه الداخل والخارج على السواءكانت القابلية للانهزام والتبعية والتقوقع حالة حملتها الأمة في ثقافة الاستبداد السياسي والفقر الاقتصادي والجدب العلمي والمعرفي، في واقع مهتز على أكثر من باب، يصفه أحمد أمين في شكل مزعج: «فساد نظام واستبداد حكام وفوضى أحكام وخمود عام» (1)، فكانت الصحوة تعبيرًا عن عمق الأزمة ومحاولة وطنية وإنسانية لتجاوزها، مثلتها في بعدها السياسي والشمولي الحركة الإسلامية الحديثة (2). 

وبعد مرور قرن من الزمن وما طاف بهذه الأخيرة من تحديات، وما شابها من إخفاقات ومراجعات، وما عاشته من نجاحات وتمكين، فإن إطارًا جديدًا للحالة الإسلامية، بدأ يطرح نفسه منذ عقد من الزمن، تمثل في ظاهرة التدين الاجتماعي، أو الإسلام القاعدي والفطري، بعيدًا عن الركب السياسي، كانت عودة روحية أخلاقية، مثلت في الغالب رد فعل تجاه واقع مادي متعاظم، ومحاولة للنجاة الفردية أمام صعوبة النجاة الجماعية التي حملت صيغتها الحركة الإسلامية، وتأكيدًا للدور الأساسي للأمة في أي مسار للتغيير.

وفي تصفح أطوار هذه الظاهرة تبدو عفويتها وفطريتها أساسًا لنجاحها، حيث بدأت في الانتشار بسرعة كبيرة عمت الأفراد والمجموعات والمؤسسات، لا يحدها انتماء سياسي أو وظيفي أو طبقي، ولا يحدد إطارها فرد أو جماعة أو مؤسسة، غير أن أسئلة عديدة بدأت تطرح نفسها في خضم هذا المشوار وهذا الإطار الجديد للصحوة، في علاقة هذه اليقظة بالحركة الإسلامية، هل هي نهاية صيغة وطرف وتمثيل؟ وماذا بقي من أطروحة التغيير للحركة الإسلامية المعاصرة؟ هل يعني حديثنا هذا غفلة عنها وخفوتًا للإسلام السياسي، وانتهاءً لدوره الريادي في التغيير؟ هل توخي منهجية التدين الاجتماعي يعني فشل منهجية التمكين السلطاني، وانهيار أولوية الدولة على المجتمع وبالتالي يمثل الإسلام السياسي محطة خاطئة في مسار التغيير؟ أم أن أدوارًا أخرى تنتظره ومحطات جديدة تناسبه لتجعله أكثر تأهيلًا لقيادة تعبيد مجتمعه إذا وعى مهمته وكنه دوره واستوعب واقعه؟ لتكون منهجية التدين في لقائها مع الإسلام السياسي الحلقة المفقودة وهمزة الوصل المنشودة لنجاح المسار التغييري للمجتمع وتأكيد الدور المنسي أو المغيب للأمة.

المفارقة الكبرى

في مراجعتنا لمسار الحركة الإسلامية يطالعنا تأرجحها بين الطائفية عند تنزيل مشروعها، في تبنيها لمبدأ التحزب، وبين الشمولية في التنظير، التي كثيرًا ما أدت إلى تبوئها مقام المتحدث الرسمي والوحيد باسم الإسلام، واعتبار فهم الجماعة هو الفهم، وأن اجتهادها هو الاجتهاد، حتى يصبح الولاء للجماعة ولاءً للدين، وأن خلافها خلاف ميوعة أو نفاق أو زندقة، إن لم يكن خلاف تكفير

هذه الطائفية عند تنزيل المشروع تمثل نتيجة طبيعية المفهوم السياسة القائمة على تبني مفاهيم معينة للتمكين والتسيير، يجتمع عليها أفراد ليكونوا مجموعة صاحبة مشروع وبرنامج للحكم

وتلتقي مع هذه الأطروحات أطراف وتخالفها أخرى، وهي مسلمات التعامل الديمقراطي والتعدد الحزبي، فالإشكال ليس في تجنب الخطاب الطائفي والحزبي عند التنزيل، لأن هذا هو منطق التحزب والتناظر والنزال الديمقراطي، لكن المفارقة كيف تبني مشروعًا شموليا يجمع شؤون الدين والدنيا، بأداة حزبية ولسان فرقي وإطار تعددي؟ وهذا يمثل حسب ظني التناقض الذي حملته الحركة الإسلامية الحديثة بين أحشائها منذ ولادتها.

كان جواب مؤسسها الأول حسن البنا صريحًا في هذا الباب حتى يتجنب هذا الوضع: أن الحزبية السياسية بغيضة وأن الأحزاب مصنوعة وليست حقيقية ولا تجوز في ديار الإسلام (3)، وأن الحركة الإسلامية هي أكبر من حزب سياسي، وأن الإخوان جماعة فوق الأحزاب جميعها (4). فكان رفض التحزب وعلو المشروع مخرجًا لتفادي هذا الإشكال، وأصبح التحزب عنوانًا للأمة، مقبولًا لجماعتها ممثلة في الحركة الإسلامية، ومرفوضًا لمجموعاتها، ممثلًا في أطيافها السياسية، غير أن العيب الأكبر والمطب الأخطر لهذا الطرح هو السقوط في الشمولية عند التنزيل واحتكار الصفة الإسلامية ومجانبة حالة التعدد والديمقراطية داخل البلاد، ولعله الاقتراب في نهايته من تيوقراطية مخيفة وأحادية مستبدة.

الهوامش

(1) أحمد أمين «زعماء الإصلاح في العصر الحديث» مكتبة النهضة المصرية 1945 ص 4.

(2) لتيسير متابعة الحديث فإن معنى واحدًا يجمع بين ما ترمز إليه تارة بالإسلام السياسي، أو الحركة الإسلامية السياسية، أو الحركة الإسلامية فقط، وهي جماعات ما اصطلح غالبًا على تسميتها بالحركة الإسلامية الحديثة، رغم أن فهمنا للحركة الإسلامية أوسع بكثير يصل في أقصاه حين يلتحم الطرف الحامل للبعد السياسي مع المد التديني واليقظة الإيمانية في المرحلة الأخيرة - إلى مفهوم الأمة الإسلامية التي تمثل جزءًا كبيرًا من الأمة المدنية. انظر لمزيد التفاصيل مقالنا «الحقيقة الغائبة»: خطأ أن يتحزب الخطاب الإسلامي، مجلة رؤى السنة الثانية يناير 2001م باريس وموقع Islam-online تحت عنوان «الحركة الإسلامية بين الانتماء للطائفة والتعبير عن الأمة». 

(3) حتى لا نبخس الرجل حقه، فقد كان موقفه في هذا الباب اجتهادًا فرديًا ورأيًا حساسًا: «إن لي في الحزبية السياسية آراء هي لي خاصة ولا أحب أن أفرضها على الناس فإن ذلك ليس لي ولا لأحد»، كما أن الحالة المصرية هي التي بدت معنية بموقفه أكثر من غيرها «أن الحزبية السياسية إن جازت في بعض الظروف في بعض البلدان فهي لا تجوز في كلها وهي لا تجوز في مصر أبدًا.. لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية هي سيئة هذا الوطن الكبرى وهي أساس الفساد الاجتماعي.. وليست أحزابًا حقيقية بالمعنى الذي تعرف به الأحزاب في أي بلد من بلاد الدنيا».. «مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا»، المؤسسة الإسلامية للطباعة والصحافة والنشر بيروت - الطبعة الثالثة 1984، ص: 162 و326.

(4) المرجع السابق، مثال ذلك ص: 125 و215.

 

الرابط المختصر :