; الحركة الإسلامية والدور الجديد.. أين الخلل؟ | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الإسلامية والدور الجديد.. أين الخلل؟

الكاتب خالد الطراولي

تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003

مشاهدات 79

نشر في العدد 1568

نشر في الصفحة 66

السبت 13-سبتمبر-2003

إن مرحلة الانتظار الفاعل والذكي تستند إلى مجموعة مبادئ وفرضيات وقع طمسها غالبًا عند ممارسة الحركة الإسلامية لنشاطها، لأسباب عديدة ساهم الداخل والخارج في تعميقها رغم وجود بعضها في أدبياتها وفي مراجعاتها وتقييماتها، منها التدرج السليم، وعدم إغفال المصالح المشتركة، والرضا بالمسموح به، والتواضع في المطالب، وتفهم الإطار الداخلي والموضوعي والعلاقات الدولية في عمومها. فالتدرج مبدأ قرآني وسنة نبوية وممارسة حضارية، قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه عمر: يا أبت، مالك لا تنفذ في الأمور، فوالله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور. قال له عمر: لا تعجل يا بني، فإن الله تعالى ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق حملة فيدفعوه وتكون فتنة (1).

والانتظار شكل فاعل ومدني للتدرج وهو يمثل محطة تتلوها محطات. ولعل الحركة الإسلامية في عمومها قد أضاعت في بعض تاريخها لقاءات جادة ومجدية مع حكامها نتيجة نقص تجربة بعضها، أو قلة وعي أصحابها، أو حبًّا في الاستفراد والغلبة بالضربة القاضية، أو شعورًا بالعظمة واستنقاصًا لما حولها من سلطة ومعارضة، فنتج عنه جهل وتجاهل العديد من المصالح المشتركة التي غابت في ثنايا الفعل المتوتر ورد الفعل، وخسرت الحركة الإسلامية مواعيد حاسمة مع التاريخ. كان دستور المدينة الذي وضعه الرسول الكريم ﷺ محاولة جادة في بناء الجبهة الداخلية رغم تنوعها، ومصالح مشتركة وقع تأكيدها رغم عدم تناغم بعض أطرافها، وكان صلح الحديبية تعبيرًا عن الهم السلمي للمشروع، ومسايرة لتطور العقلية المقابلة نحو المصلحة المتبادلة، يقول فيه عليه السلام: «لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتها إياها».

 كما كانت بعض تصرفات الحركة الإسلامية في بعض مواقفها غير قابلة لحيز الحريات أو الفعل الذي سمح لها به في بعض الأطر والمجالات، رغم قلته ورغم ضيقه في أكثر الأحيان. وكان الأجدى الرضا بالمسموح والعمل على إتقانه واستغلاله واستثماره سواء كان هذا الفعل يتنزل في إطار دعوة بسيطة، أو تلقين الأطفال في كتاتيب قرآنية، أو تعليم الناس فقه حياتهم العبادية، أو تخليق بعض الممارسات الاجتماعية أو حتى الوجود في منظمة كشفية في انتظار الأفضل.

كما غلب على بعض المطالب التي عبرت عنها بعض الحركات الإسلامية تجاوزها للمقبول وحتى المعقول، ورفعت السقوف في بعض الفترات مما جعلها في بعض الأحيان تعجيزية من باب كل شيء أو لا شيء. وقد ساعد بعض الفترات الخصبة لحركات إسلامية معينة، نتيجة اعتقادها بالتفاف المد الجماهيري حولها، على عدم تواضعها ووقوعها في خطأ القفز على الواقع ونسيان حقيقة حجمها واستنقاص حجم منافسيها، فبنت مطالبها على ركائز خاطئة ورفعت سقوفها ورفضت التنازل عنها، وجعلت من نفسها الوصي على المجتمع، فوقع المحظور وخسرت الحركة كل شيء (۲). ولكم كانت الشعارات المرفوعة من مثل «الإسلام هو الحل»، تخفي في بعضها ضآلة الأطروحة وتهافتها وغيابها، أو عدم واقعيتها وعدم نضجها. وحتى التي أريد لها أن تنضج كانت المواجهات المستمرة مع السلطات القائمة لها بالمرصاد لوأدها في المهد وتحطيم ما بدأ بنيانه، فتعتقل العقول وتغيب الأفكار من جديد، وينحسر البناء -أو يكاد- حتى يأتي جيل آخر لتكرار المأساة مرة أخرى، وهكذا دواليك، وكأن قدر العمل الفكري لبناء المشروع هو الغياب أو التهميش.

الانتظار كمرحلة حاسمة في التغيير

إن المنهجية المطروحة للحركة الإسلامية في هذه المحطة، في مسارها نحو الحكم، هو اللاحكم، في انتظار أن يتكفل المجتمع بإسلاميته وتدينه الفردي ثم الجماعي وتسود قابليته، بعيدًا عن وصاية طرف أو كفالته. ولعل وجود الإسلام السياسي في المعارض غير المعترف بها مثل دائمًا عند أصحابه عقبة كأداء صعبة في الأغلب تجاوزها. و شکل استضعافًا مؤثرًا في مردوده وساهم في استنقاص دوره، وكانت حاجزًا لإشعاعه وهو ما سعت إليه الأطراف المقابلة محاولة تهميش فاعليته واستبعاد تأثيراته فأصبحت هذه الحالة سلبية مؤرقة، حاولت الحركة الإسلامية غالبًا دون جدوى تجاوزها بالحصول على الإذن القانوني لعملها لمن رُفض وجوده، أو برفع سقوف ممارستها المسموح بها لمن اعتُرف له بحق الوجود. ولا يختلف واقع الحركة الإسلامية عمومًا خارج ديارها في المنفى، أو في داخل أوطانها عن حالة ترقب سلبي يتمثل في مواجهة مباشرة وغير رشيدة مع الأنظمة القائمة، والتي أدى أغلبها إلى معاناة متواصلة، وإما إلى تضميد جراح سابقة، وإما إلى محاولة وجود سياسي وحقوقي معلن وقع رفضه جملة وتفصيلًا، في ظل غياب الدعم الجماهيري، تفهمًا أو مناصرة، خوفًا أو رفضًا وعداوة، وهو السند الذي يمثل الركيزة الأساسية لأي تحول أو تغيير، فمهما تعددت أنماط الشرعية أو اللاشرعية للحركة الإسلامية، فإنها لا تخرج من أحوال ثلاث:

  • وجودٌ ذو سقف عملي محدد، دافعه الاستقرار للدولة والمجتمع، مع خطوط حمر لا تُتجاوز حتى تكون الحركة موجودة للتحكيم ولا للحكم، مثل الأردن والمغرب.

  • أو وجود متوتر ومرفوض، ولكن بصيغة قانونية وحضارية، مثل تركيا ومصر.

  •  أو مواجهة قاصمة وعاصفة مثل الجزائر.

 فما نطرحه يجعل هذه الحالة السلبية التي تعيشها الحركة الإسلامية حالة إيجابية للمشروع، حيث يصبح الوجود على الأطراف صيغة مثل الوجود الأدنى والنشاط الذكي الذي يشكل حالة الوجود والانتظار في الوقت نفسه، وهو ليس انسحابًا للسياسي ولا تخليًا عن المشروع؛ بل تدعيمًا مستقبليًّا له وحضورًا أكبر في غده.

الرابط المختصر :