; الحركة الإسلامية في المغرب العربي: بين الاستعمار والاستشراق | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الإسلامية في المغرب العربي: بين الاستعمار والاستشراق

الكاتب الأستاذ مازن صلاح المطبقاني

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1989

مشاهدات 254

نشر في العدد 914

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 25-أبريل-1989

الحركة الإسلامية في المغرب العربي بين الاستعمار والاستشراق

 

شهدت بلدان المغرب العربي صحوة إسلامية مباركة في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري «الربع الثاني من القرن العشرين الميلادي» في الوقت الذي كانت فيه هذه البلاد تعاني من وطأة الاحتلال، ولقد تعرضت هذه الصحوة وما تبعها من قيام الحركة الإسلامية لحرب عنيدة من قبل قوى الاستعمار المختلفة بما فيها الاستشراق، وتعود جذور عداء فرنسا للمغرب العربي أو شمال أفريقيا، كما يطلق عليه أحيانًا إلى حركة الفتوح الإسلامية التي توقفت عند جبال البيرية ومعركة بلاط الشهداء بخاصة، وتجدد هذا العداء من قبل أوروبا عامة وفرنسا بخاصة في الحملات الصليبية التي ساهمت فيها فرنسا مساهمة كبرى، وظلت فرنسا تنظر نظرة العداء للجزائر حينما أصبحت الأخيرة قوة بحرية كبرى تخطب ودها دول أوروبا كلها، وتترقب الفرصة المواتية لمهاجمتها واحتلالها، ووجدت الفرصة مواتية عام ١٨٣٠م (١٢٥٦هـ) فكادت للإسلام من أول يوم وطأت أقدامها أرض الجزائر، ولما ظهرت الصحوة الإسلامية ونمت أخذ الاستعمار والاستشراق في محاربتها، فتمثلت حرب  المستشرقين بالدراسات التي كانوا يعدونها بناء على طلب من وزارة المستعمرات، أو وزارة الخارجية أو الداخلية، أو تلك التي يتطوع بها هؤلاء دون طلب من أحد، والذي يتيسر له الاطلاع على الوثائق الفرنسية يجد تشابهًا كبيرًا بين كتابات المستشرقين وهذه الوثائق.

 

حرب استشراقية:

وقد استمرت محاربة بعض المستشرقين وتلاميذهم من أبناء المغرب العربي للصحوة والحركة الإسلامية بعد الاستقلال في صورة دراسات وأبحاث تستند إلى تقارير الحكومة الفرنسية ودراسات المستشرقين التي أعدت أيام الاحتلال، لتستغلها الدول الغربية التي لم تقض بعد مصالحها في هذه الديار في ضرب هذه الحركات والقضاء عليها.

 

ولعل أبرز هذه الدراسات ما كتبه شارل اندري جوليان Charles Andre Julien وشارل روبرت أجرون  R. Ageron    Charlesوأندريه نوشي   Andre Noucheومكسيم رودنسون Maxim Rodenson ومن تلاميذهم علي مراد ومحفوظ قداش وعبد القادر حنجول وغيرهم.

 

وسنحاول في هذا البحث بإذن الله أن تلقي الأضواء على كتابات بعض المستشرقين وعلى نماذج من الوثائق الرسمية لنستطيع من خلالها تجلية الحقائق عن هذه الصحوة الإسلامية المباركة وأبرز مظاهرها في المغرب العربي بعامة وفي الجزائر بصفة خاصة، آملين أن تعود الحركة الإسلامية إلى سالف قوتها فتعود أمتنا إلى الوحدة والقوة والمنعة.

 

انطلقت في الجزائر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ۱۸ ذي الحجة عام ١٣٤٩ – ٥ مايو ۱۹۳۱م، ولم يكد يمض سنتان على تأسيس هذه الجمعية حتى تنبهت الإدارة الاستعمارية إلى خطورة العلماء السياسية، فأصدر السكرتير الإداري لحاكم عام الجزائر منشورًا يطلب فيه من جميع المسؤولين الفرنسيين في أرجاء الجزائر جميعها مراقبة العلماء، موضحًا أن خطرهم يتمثل -حسب زعمه- في نشر التعاليم والأصول الوهابية، والدعوة إلى العودة إلى العقيدة الصحيحة، ومحاربة البدع والخرافات التي انتشرت على أيدي الطرق الصوفية، ولا يستبعد المنشور أن يكون وراء هذه الدعاية مرمى سياسي يهدف إلى المس بالنفوذ الفرنسي ، ويشير هذا التقرير أيضًا إلى ارتباط جمعية العلماء بالحركة الدستورية التونسية «الدستور القديم» (1). وكان من نتائج هذا المنشور أن منع العلماء من الوعظ والتدريس في المساجد التي كانت تديرها وتشرف عليها الجمعية الدينية التي أصبح رئيسها موظفًا فرنسيًا.

 

أما نصيب هذا التقرير أو المنشور من الحقيقة فقليل، فجمعية العلماء كانت تدعو إلى العودة إلى منابع الإسلام الصحيحة، لكنها لم ترتبط بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وذلك لما صرح به رئيس الجمعية بأن العلماء لم يتصلوا بالانتاج الفكري للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولم يتتلمذوا على كتبه أو كتب اتباعه (۲) وبالنسبة لوجود مرمى سياسي لدعاية العلماء فقد استبعد العلماء النشاط السياسي بنص القانون الأساسي للجمعية. (۳).

 

الإدارة الاستعمارية في الجزائر

وهكذا واصلت الإدارة الاستعمارية مراقبتها للحركة الإسلامية في الجزائر، وقد حصل الباحث على وثائق فرنسية بصورة تقارير يومية قدمها أحد رجال الأمن حول الاجتماغ العام للجمعية في الفترة من ١٣/٧ إلى ١٥/٧/١٣٥٥هـ - 28/9 إلى ٣٠/٩/١٩٣٦م. وفي هذا التقرير إشارة إلى عدة موضوعات أهمها عناية الإدارة الاستعمارية بالإرساليات الكاثوليكية ومدها بالمساعدات المالية، والأمر الثاني قيام ضابط فرنسي بتأليف كتاب عن الرسول ﷺ يتعرض فيه له بالأذى، والأمر الثالث دقة التقارير حول اجتماعات الجمعية كأنما كان يحضرها مندوب من إدارة الأمن أو ربما كان لإدارة الأمن عيون ينتسبون ظاهرًا لجمعية العلماء.

 

 يذكر التقرير أن الشيخ محمد السعيد الزاهري (4) تحدث في هذا الاجتماغ قائلًا: «في الوقت الذي تدعي فيه الحكومة انفصال الدين عن الدولة نجدها تؤيد الإرسالية الكاثوليكية، فقد قام ضابط ذو رتبة كبيرة برحلات عبر الجزائر وبخاصة في الجنوب لإنشاء اتصالات مع هذه الإرساليات، وأضاف الزاهري بأن الحكومة أمدت الإرسالية المسيحية في عين صفرة بمبلغ 4.100.000 فرنك في الفترة ۱۹۲۰ – ١٩٣٦م (۱۳۳۸ – ١٣٥٥هـ). وطالب  الزاهري في هذا الاجتماغ بتوجيه احتجاجات شديدة ضد إعادة طبع كتاب مصنوع من الذهب، الذي يتعرض فيه مؤلفه الكولونيل كوربيه Colonel Corbier للنبي ﷺ بالأذى.(ه).

 

ولم يقتصر نشاط جمعية العلماء على المجال الديني والثقافي بل تعدى ذلك إلى النواحي السياسية، ففي عام ١٣٥٥هـ  ١٩٣٦م (۱) عقد في الجزائر المؤتمر الإسلامي العام للنظر في المشروعات الفرنسية الرامية إلى إدماج النخبة الفرنسية وإعطائها الحقوق السياسية، وكان موقف الجمعية في هذا المؤتمر الدعوة إليه والمشاركة في أعماله، وقد استطاع العلماء في هذا المؤتمر توحيد موقف جميع فئات الشعب الجزائري لتطالب بالمحافظة على الذاتية الإسلامية ورفض الاندماج الذي كانت تسعى له فرنسا، أما إعطاء النخبة بعض الحقوق الدستورية فقد أشارت إلى ذلك الوثائق الفرنسية بأنه كان هدفًا مرحليًا أو خطوة أولية للحصول على فرص أفضل مستقبلًا (1)

 

وثائق فرنسية

هذه بعض مواقف الإدارة الفرنسية من الحركة الإصلاحية في المغرب العربي، وقد عرضنا المثل لها بالجزائر، وساعد في تكوينها مستشرقون سياسيون غلبت عليهم صفتهم السياسية، فلم يعرفوا بوصفهم مستشرقين حتى اختلط الأمر على بعض الباحثين ممن لا يعرف هذه المنطقة ففصلوا بين الاستشراق والاستعمار، فكأنهم تصوروا المستشرقين باحثين في أبراجهم العاجية يبحثون في شؤون المغرب العربي، ويؤيد هذا أن الحكومة الفرنسية لم تكن تعين في المناصب القيادية في المغرب العربي إلا من كان على علم باللغة العربية والدين الإسلامي، والأمثلة على ذلك كثيرة وأبرزهم م. ميرانت «Mirante» الذي أنشئت الجمعية في عهده ثم م. ميو «Milliot» الذي تولى منصب الحاكم العام بعده، وكذلك م. موران «Morand» الذي كان مديرًا للشئون الأهلية، فقد كان عالمًا بالفقه الإسلامي ورجل قانون (۸)، وكذلك أغسطين بيرك Augustine Berque كان مديرًا للشؤون الأهلية.

 

أما في المغرب الأقصى فقد أخذت الحركة الإسلامية على عاتقها أن تحارب الاحتلال الأجنبي بيث الوعي الإسلامي الصحيح من خلال دروس علمائها وخطبهم في المساجد، ولذلك نجد الإدارة الاستعمارية تتخذ إجراءات مماثلة لما حدث في الجزائر بعد إنشاء الجمعية ،وهي قيام المقيم العام الفرنسي بالإيعاز إلى الوزير الأكبر بإصدار تعليماته إلى جميع باشوات وعمال المملكة لمنع أي نشاط في المساجد سوى العبادة فقط، ويرى المقيم العام بأن جامعة القرويين «هي التي توشك أن تصبح المركز الرئيسي للتشويش»(1).

 

وفي تونس نجد أن السلطات الحكومية الاستعمارية أرادت من حزب الدستور القديم أن يخضع لها فيأتي الجواب بالرفض، ولكن مؤرخًا «مستشرقًا» فرنسيًا يسمى الأشياء بغير أسمائها، يذكر أن حزب الدستور القديم عارض التعاون مع ممثلي الحكومة الفرنسية لأنه كان من أنصار الوحدة العربية، وكان اتباعه «يتطلعون إلى القيم المعنوية والغايات الروحانية» ويضيف هذا المؤرخ «وسبحوا في أحلام إعادة نظام ديني تقليدي في تونس(١٠).

 

المستشرقون والصفة السياسية:

ولعلنا نسأل هذا المؤرخ «المستشرق» لماذا يكون التعاون مع ممثلي الحكومة الفرنسية ضد الوحدة العربية وضد التطلع إلى القيم المعنوية والغايات الروحانية؟ هل أصبحت تونس جزءًا من فرنسا فلا علاقة تربطها بالدول العربية، إن هذه ليست المرة الأولى التي تنظر فيها الإدارة الاستعمارية وبعض المستشرقين إلى الوحدة العربية بأنها تعني محاربة النفوذ الفرنسي، ففي ٢٣/٤/١٣٥٣ هـ (٤ أغسطس ١٩٣٤م) وقع صدام بين المسلمين واليهود في الجزائر، وتسامع المسلمون خارج الجزائر بما حدث لإخوانهم، فهبوا لنجدتهم بما يستطيعون، ولم يكن ذلك سوى إرسال مبلغ قدره خمسون جنيهًا إسترلينيًا، فعدت السلطات الفرنسية ذلك اتصالًا بجهات أجنبية وتلقى المعونة منها هذا يهدد النفود الفرنسي (١١).

 

ونمضي مع هذا المؤرخ المستشرق في وصفه للدستور القديم بأنه كان يحلم بإعادة نظام تقليدي في تونس، والرد على ذلك في غاية البساطة وهو أن العلماء العاملين لا يحلمون، وإنما يعملون ويقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل إعلاء كلمة الله، أما قوله نظام ديني تقليدي فهو حكم على الإسلام بأنه أصبح من مخلفات الماضي تقليديًا، ولا يمكن للإسلام أن يكون تقليديًا بل هو مسألة حياة أو موت بالنسبة للمسلمين وأن تقاعس بعضهم عن المطالبة بذلك مؤقتًا.

 

 إن الباحث في التاريخ المغربي الحديث قد يتملكه العجب عندما يرى تشابه الأحداث التي وقعت للحركة الإسلامية في البلدان الثلاثة. ففي تونس بدأ الصراع عام ١٥٥٣هـ (١٩٣٤م) في صفوف حزب الدستور القديم؛ مما أدى إلى انشقاقه إلى كتلتين إحداهما ظلت وفية ملتزمة بالفكر الإسلامي، بينما انطلقت الأخرى في ركاب الفكر الغربي. (١٢).

 

إن توجيه اللوم للتيار المستغرب وحده في شمال أفريقيا أمر لا ينسجم مع العدل، فإن الحركة الإسلامية لابد أنها قد ارتكبت بعض الاخطاء مما أدى  إلى تراجعها عن قيادة الجماهير في ثورة التحرير (۱۳) أما المؤرخ «المستشرق» الفرنسي فقد فسر الشقاق الذي حدث في حزب العمل المغربي أنه كان نتيجة تنافس ذى صبغة مالية شخصية شجعته تأثيرات خارجية في فبراير ۱۹۳۷م (١٤) دون ذكر هذه الأسباب الخارجية التي قد تكون تأييد الاستعمار للاتجاه المستغرب.

 

الموقف من الوحدة

ومن ألوان العداء للحركة الإسلامية وصفها بالعودة إلى البدائية أو الهمجية، فهذا ليون براون «Leon Brown» يصف الشيخ عبد الحميد بن باديس (۱5) وحركته بأنها عودة إلى السلفية مع جهود خاصة للعودة إلى الإسلام البدائي مع الأخذ بالتمدن والمنطق الغربي (١٦)، فإذا تتلمذ أبناؤنا على أيدي مثل هؤلاء المستشرقين فأية نظرة سينظرون بها إلى الإسلام؟ بل إن مثل هذا المستشرق له تلاميذ وزملاء من أبناء جنسه يأخذون بآرائه ويحترمونها. (۱۷)

 

ومستشرق آخر يحاول تقويم أثر العلماء في رفع مستوى الشعب الجزائري فيقرر صعوبة هذا الأمر، بيد أنه يعترف بمساهمتهم في تجريد العلماء الرسميين والطرقيين وإظهارهم على حقيقتهم، ويؤكد نجاح العلماء في القضاء على البدع والخرافات في عقول الشباب (۱۸) ونحن نشكر لهذا المستشرق اعترافه بالحقيقة هنا، لكنه يعود ليبحث عما ينتقده على العلماء فيذكر أنهم «العلماء» استطاعوا إبعاد فئة الشباب عن مغريات الحضارة الفرنسية، وجذبونهم إلى الثقافة العربية مؤكدين على الشخصية العربية المسلمة. ونتساءل ما مغريات الحضارة الفرنسية التي كان على الشباب أن ينجذب إليها؟ أهي مغريات مادية؟ أم مغريات فكرية ثقافية؟ هو لم يوضح ذلك ولعله يقصد النوعين.

 

ومن مظاهر محاربة الحركة الإسلامية أن بعض المستشرقين يوجهون النقد إلى جهود العلماء في مجال التعليم، فيصف أحدهم التعليم لدى جمعية العلماء بأنه لم يكن تعليما حرًا وكافيًا، بل كان تعليما قرآنيًا دينيًا ومدنيًا وملتزمًا جدًا.

 

ويضيف هذا المستشرق: «وبدقة أكثر إنه تعليم ديني مبني على التعصب وكره الأجنبي xenophobic (١٩)

 

 والحقيقة أن الذي يقرأ التقارير الرسمية في الوثائق الفرنسية ويطلع على مثل هذا المقال يكاد يجزم بأن الذين كتبوا تلك التقارير لم يكونوا مجرد إداريين رسميين ذوى ثقافة عادية، بل هم مستشرقون وإن لم يتسموا بالمستشرقين. إن التعليم الذي كانت تقوم به جمعية العلماء مبني أساسًا على الفكر الإسلامي الصحيح الذي يدعو إلى نبذ الظلم والاستبداد، أما كره الأجنبي فليس مما ينص عليه هذا التعليم. (٢٠).

 

ألوان معادية

وليس كل المستشرقين على تلك الشاكلة، فمنهم من استطاع أن يرى الحقيقة وينشرها. ومن هؤلاء المستشرق الكندي –الذي أعد رسالة دكتوراه حول الشيخ عبد الحميد بن باديس– فحين تحدث عن مسألة التمدين ومعالجة التأخر في العالم الإسلامي بعامة وفي الجزائر بخاصة ذكر أن ابن باديس طالب بالعودة إلى مبادئ الإسلام مع الأخذ من العلوم الأوروبية، مشيرًا إلى أن المسلمين قد فعلوا ذلك في السابق حين استعانوا بعلوم اليونان وغيرهم من الأمم.

 

 ويضيف الباحث الكندي أن ابن باديس يؤكد على أن الأخذ من الحضارة الفرنسية يجب أن يقتصر على العلوم والتقنية مع التمسك بمبادئ العقيدة الإسلامية واللغة العربية، ويوضح الباحث أن النخبة المفرنسة قد اختلط الأمر عليها بأنه لا يمكن الفصل بين العلوم الأوروبية والحضارة والثقافة، ولكن ابن باديس يؤكد على أن من حضارة الغير يجب أن يكون على التنازل عن الشخصية الإسلامية، ويضرب المثل بالأوروبيين الذين أخذوا من الحضارات التي سبقتهم دون التنازل عن قيمهم من أجل أي نوع من التطور. (۲۱).

 

ومن الجدير بالذكر أن الحركة الإسلامية فطنت إلى الكيد الاستشراقي والتنصيري مع الإدارة الاستعمارية، ففي عام ١٣٤٨ هـ (۱۹۳۰م) عقد المؤتمر الأفخارستي في تونس –وهو مؤتمر نصراني– كان هدفه محاربة الإسلام في أفريقيا وبحث الوسائل لنشر المسيحية، ومن دهاء السلطات الاستعمارية أن رصدت مليوني فرنك في الميزانية التونسية لهذا المؤتمر وجعلتها من ضمن بنود مصروفات القصر حتى لا يعترض أحد على ذلك، وجاء في بيان لعلماء تونس ينددون فيه بهذا المؤتمر، ويذكرون أن فرنسا الدولة التي لا تعترف بالدين في بلادها هي التي تؤيد عقد مؤتمر نصراني في بلد مسلم (۲۲). وهذا التناقض لا يدل إلا على وجود مصالح مشتركة بين التنصير والاستعمار.

 

وبعد ثماني سنوات عقد هذا المؤتمر نفسه في الجزائر في الفترة من ١٢ – ١٦ ربيع الأول ١٣٥٧ هـ( ٣- ٧ مايو ۱۹۳۸م)، ولسنا بحاجة إلى ما كتبته صحف جمعية العلماء عن هذا المؤتمر، فقد نقل لنا المستشرق الفرنسي أجرون صورة دقيقة لذلك إذ يقول: «إن هذا المؤتمر أعاد ذكرى الاحتفال المئوي «مرور مائة سنة على الاحتلال»، وقد أعطت الكنيسة للمظاهرات الدينية طابعًا سياسيًا، حيث شارك في هذه المظاهرات مندوبون من الأجهزة الحكومية والعسكرية وأعاد إلى الأذهان تاريخ الحروب الصليبية». (٢٣).

 

بعض المنصفين:

وقد أدركت المستشرقة الفرنسية يوفان تورين Yvanne Tourrine أن الدين الإسلامي كان هو السد المنيع ضد سياسة الاستعمار في محاربة العقيدة الإسلامية واللغة العربية، وتشير إلى أن الصراع قد بدأ منذ شرع المحتل في فرض لغته وتفكيره عن طريق المدرسة والمستشفى حيث تقول: «ورد المسلمون الهدية المسمومة لصاحبها الذي قضى حوالي عشرين سنة ۱۸۳۰ – ١۲۳۸ – ١٢٥٨هـ) يحدث المدارس فلا يجد لها تلاميذ وينشئ المستشفيات فلا يتردد عليها مريض، وتعددت الصعوبات في وجه المحتل وكثرت وأصبح الدين الإسلامي كالأسمنت المسلح يحمى من التفكك والاندماج». (٢٤).

 

 لم يفتأ بعض المستشرقين يكيدون للإسلام والطعن فيه بشتى الوسائل، وقد توالت ردود الفعل من الحركة الإسلامية تنكر هذا الكيد والهجوم على الإسلام. ومن ذلك ما كتبه الشيخ محمد السعيد الزاهري –عضو جمعية العلماء وهو الأديب والشاعر المعروف– موضحًا وجود نوعين من المستشرقين الحاقدين على الإسلام: أحدهما صريح العداء للإسلام، شديد التعصب للمسيحية، ويمثل هذه الصورة لوي برتراند Louis Berteand الذي يقول عنه الزاهري إنه «خصيم الشرقيين الألد وعدو المسلمين الأزرق» (٢٥).

 

 ويبين لنا الزاهري أن مثل هذا المستشرق أمره واضح فهو يثير في الشباب المسلم الذي يتعلم في المدارس الأجنبية الغيرة والحمية والغضب. أما النوع الآخر فهو كما يقول الزاهري: «ولكن الغربيين ليسوا سواء منهم من ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾(سورة آل عمران:118)(٢٦) ومنهم من يدس السم في الدسم، ويدعو شبابنا الذين يقرأون لغاتهم إلى التفريج والاندماج دعاية هي غاية ما يمكن أن تكون لطفًا واحتيالًا (۲۷)

 

سد منيع:

ومظهر آخر من مظاهر محاربة الحركة الاسلامية وتشويه سمعة رجالها قيام المستشرقين وتلاميذهم باتهام العلماء بالتدخل في السياسة الأمر الذي عدّه هؤلاء المستشرقين خارجًا عن اختصاص العلماء، وكان محرمًا في نظر الدولية المستعمرة، فهل قيام العلماء بالذب عن الدين الإسلامي ومحاولة نشر الفكر الإسلامي الصحيح وبسط حقائقه واضحة جلية سياسة؟ فإن كان هذا العمل سياسة فإليهم رد أحد زعماء الحركة الإسلامية في الجزائر الذي يقول فيه: «و نحن سياسيون منذ خلقنا لأننا نشأنا «مسلمين»، وما الإسلام بجميع مظاهره إلا السياسة في أشرف مظاهرها وما المسلم الصحيح إلا المرشح الإلهي لتسيير دفتها أو ترجيح كفتها »(۲۸) ويضيف قائلًا: «ونحن سياسيون طبعا وجبلة ونحن الذين أيقظنا الشعور بهذا الحق الإلهي المسلوب.....

 

 ...ونحن سياسيون لأن ديننا يعد السياسة جزءًا من العقيدة... »(۲۹) فلو لم تكن حملة المستشرقين وتلاميذهم ضد دخول علماء الدين الإسلامي مجال السياسة قوية وعنيفة لما جاءت كلمات الإبراهيمي بهذه القوة والصراحة والوضوح.

 

وفي المغرب الأقصى يتصدى المفكر الإسلامي علال الفاسي لأفكار المستشرقين واتباعهم منتقدًا مفهوم كلمة الدين في الوقت الحاضر حيث أخذت المفهوم الغربي لكلمة Religion «رليجون». فالغرب يرى أن الدين يقوم على تحكم الكنيسة والأرستوقراطية التي يحميها رجال الدين

 

مستعبدي الشعوب. ويؤكد علال الفاسي أن «الدين بالمعنى الغربي لا وجود له في بلادنا، والدولة والدين شيء واحد لأن الدولة لابد أن تقوم على عقيدة أو خلق» (٣٠).

 

هذا الفكر الإسلامي المستنير هو الذي قاوم الاستعمار والغزو الثقافي والحضاري في تونس بزعامة رجال الزيتونة، فقد كان عمل الدين الإسلامي منبهًا من خطر السياسة الاستعمارية وملجأ للجماهير، باسمه تنظم صفوفها لمقاومة السيطرة الأجنبية المسيحية ولاسترجاع السيادة لشعب تونس العربي المسلم. (۳۱) وقد وقف رجال الزيتونة موقفًا مشرفًا حين عقد المستشرقون الفرنسيون مؤتمر اللغة والأدب والفنون الجميلة في الفترة من ٤/٨– ٨٧ / ١٣٥٠ هـ (١٤ – ١٨٧ ديسمبر۱۹۲۱م) نادوا فيه بدعم اللهجات العامية.

 

الدين والسياسة:

كذلك تجلت خطورة الاستشراق والاستعمار في إيجاد طبقة من المثقفين المسلمين تدور في فلكهم وتردد أفكارهم، ومرة أخرى لا نريد أن نستقصي كل الحالات بل نضرب الأمثلة، فهذا أحد الكتاب الجزائريين المعاصرين يكتب عن جمعية العلماء يعترف لها بما اعترف قبله أساتدته من أن نشاطها «الجمعية» قد أزعج المعمرين ورجال الحكم لأنه كان موجهًا ضد الثقافة والمؤسسات الفرنسية. ثم يردد النقد إلى الحركة الإسلامية بأن برنامجها لم يشمل جميع القيم التي كان من المفروض أن تعمل على إحيائها، فقد اقتصر عملها على الصعيدين الثقافي والديني، ونظرت إلى الأوضاع الاجتماغية نظرة سطحية، وطرحت المشكلة السياسية بكيفية غير سديدة (۳۲). والرد على هذه الأفكار يكون من شقين: الأول نؤيد ما ذكره الكاتب عن جهود العلماء الكبيرة ضد الثقافة الفرنسية وأنها قد أزعجت الاستعمار والاستشراق، أما الشق الثاني فهو التساؤل عن القيم التي كان يرى الكاتب أن على الجمعية تبنيها. أليس في القيم الإسلامية ما يكفي؟ ثم إذا كانت نظرة الجمعية للأوضاع الاجتماغية سطحية، أليس هذا اتهامًا للإسلام أيضًا؟ هل ستكون نظرة الجمعية عميقة وفلسفية لو نظرت إلى الأوضاع الاجتماغية بمنظار دوركايم أو ماركس أو غيرهما؟ وأي كيفية كان يريدها الكاتب لطرح المشكلة السياسية؟ هل هي كيفية الأحزاب والنيابة والصراعات الحزبية والتقاتل من أجل مقاعد في برلمان فرنسي. إن الحركة الإسلامية كانت تسعى لتحرير الإنسان أولًا وجعله ينقاد للإسلام في جميع شؤون حياته وعندها ستحل المشكلات الاجتماغية والسياسية بصورة لا مثيل لها فيما تواضع عليه البشر. وأخيرًا نلفت نظر الكاتب إلى العودة إلى الثروة الفكرية العظيمة التي تضمنتها كتابات رجال الحركة الإسلامية وبخاصة ابن باديس ليعرف مدى عمق نظرة الجمعية إلى الأمور التي ذكرها..

 

طبقة المستغربين:

وثمة شبهات أخرى تعرضت لها أعمال العلماء في الجزائر، ومن ذلك أنهم كانوا موالين لفرنسا، وقد ورد هذا في كتاب لأحد المؤرخين الجزائريين المعاصرين. ونظرًا لثقافته الفرنسية فقد اعتمد على كاتب جزائري آخر اطلع على صحافة جمعية العلماء. ويقول هذا الكاتب: «وقد قام علي مراد بإخراج النقاط التي تبرهن على وفائهم لفرنسا وذلك من خلال جريدة الشبهات، هذه النقاط التي ذكرها علي مراد تدين الجمعية رغم بعض المعارضات التي قامت بها من نقد السياسة الفرنسية وقوانين الإنديجينا». (۳۳) هذه العبارات التي رأى فيها الكاتبان إدانة للجمعية بالولاء لفرنسا يبدو أنها لم تقرأ في سياقها القراءة الصحيحة، وإلا أين يكون الولاء والجمعية نادت منذ تأسيسها بشعار «الإسلام ديننا والعربية لغتنا، والجزائر وطننا» (٣٤) وكان عملها بعد ذلك كله تنفيذًا لهذا الشعار. ذلك أن فرنسا منذ أن وطئت أقدامها أرض الجزائر وهي تحارب الإسلام في القضاء على مؤسساتها المختلفة من مساجد وأوقاف وقضاء وتعليم، وتحاول محو اللغة العربية بإحلال الفرنسية محلها، وكادت تلغي فكرة وجود وطن اسمه الجزائر، إنما هي ولاية من ولايات فرنسا. إن عمل جمعية العلماء كان تنفيذًا لشعارها حين بدأت بنشر العقيدة الصحيحة ومحاربة الخرافات والبدع والانحراف في العقيدة. وفي الوقت نفسه حرصت على نشر اللغة العربية بعد أن كادت تندثر، فأسست المدارس في جميع أرجاء الجزائر لهذه الغاية العظمى، أما مسألة الوطن والكيان فإنها رفضت الاندماج وأصدر رئيسها فتوى حول التجنس، بأن المتجنس مرتد (۳۰) ودعت الجمعية إلى احتفاظ الشعب الجزائري بذاتيته وشخصيته ،ويؤكد هذا أنشطتها المختلفة التي يمكن أن نذكر منها إنشاء الفرق الكشفية الإسلامية والجمعيات الفنية والرياضية. والمساهمة الفعالة في جميعات طلبة شمال أفريقيا في فرنسا وكذلك إنشاء جمعيات لاتحاد المسلمين في أنحاء الجزائر المختلفة. نعم إن وجدت عبارات مديح لفرنسا فتلك لعمري مجاملة فرضتها ظروف الاحتلال. (٣٦).

 

وخلاصة القول أن الحركة الإسلامية أو الصحوة الإسلامية واجهت في الماضي مقاومة عنيدة من قوى الاحتلال التي كانت تنظر إليها بأنها الخطر الحقيقي على وجودها، كما كانت ترى فيها المقاوم الوحيد للفكر الغربي النصراني؛ لذلك جندت سلطات الاستعمار طائفة من المستشرقين لدراسة الحركة الإسلامية وتشويه صورتها في أعين أبناء العالم الإسلامي. وقد نجحوا في ذلك أيما نجاح حتى أصبح وضع العلماء كما جاء في الفقرة السابقة، غير أن الأمل معقود لكي يعود العلماء إلى سابق مجدهم فيتولوا الأمانة التي حملوها، والأمل أيضًا في أن يرتفع الوعي لدى الشعوب الإسلامية فتعطي ثقتها لعلمائها المخلصين. نسأل الله أن يردنا إلى الإسلام وأن يربنا الحق ويزرقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وآخر دواعنا أن الحمد لله رب العالمين.

 

          

الرابط المختصر :