; الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة.. آمال وتطلعات | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة.. آمال وتطلعات

الكاتب جميل عبدالرحيم حمامي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997

مشاهدات 66

نشر في العدد 1254

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 17-يونيو-1997

جاءت اتفاقية أوسلو مفاجأة للشعب الفلسطيني بشكل عام، وللوفد المفاوض الذي انبثق عن مؤتمر مدريد بشكل خاص، وكنا قد حذرنا في حينه إلى أن هذا الاتفاق سوف يحدث انقسامًا داخل المجتمع الفلسطيني لأسباب عديدة لا مجال لذكرها في هذه المعالجة.

 الحركة الإسلامية وقفت من هذا الاتفاق موقف المعارض والرافض لأسباب، أن هذا الاتفاق قفز على كثير من قوانين الشعب الفلسطيني، وحطم آمال أبناء وطموحات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، حيث إن الاتفاق جاء غير واضح في القضايا التي تعالج شؤون فلسطين، ويحمل أكثر من تفسير، في حين جاءت القضايا التي تعالج الأمور الإسرائيلية واضحة لا تحمل سوى تفسير واحد هو التفسير الإسرائيلي.

المعارضة الفلسطينية بكافة قواها إسلامية -وغير إسلامية- على الرغم من تباين برامجها واستراتيجيتها- حاولت جاهدة تجميع نفسها لمواجهة المرحلة الناشئة عن اتفاقية أوسلو، ولكن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح لأسباب عديدة.

 رفعت المعارضة الفلسطينية شعارات كثيرة من أجل إسقاط اتفاق أوسلو وإحباطه، إلا أنها فشلت في تحقيق أي من هذه الشعارات. 

لم تنجح المعارضة في أي عمل مشترك لمواجهة مرحلة أوسلو عدا المهرجانات الطربية أو بعض البيانات المشتركة، وذلك لأن قوى المعارضة كانت تتعامل مع نفسها من منطلق عدم الثقة والخوف من البعض، وحتى تستطيع إلقاء الضوء على واقع الحركة الإسلامية كجزء كبير من المعارضة الفلسطينية التي تعيش داخل الوطن وخارجه، وصاحبة أكبر تجمع داخل المعارضة، لا بد أن نلقي الضوء على الحركة الإسلامية وتحديد الرؤيا المستقبلية لها.

أولاً: واقع الحركة الإسلامية داخل الوطن المحتل

الحركة الإسلامية كغيرها من فصائل العمل الفلسطيني كان لها الدور الفاعل والمؤثر على سير الانتفاضة، وأحدثت انقلابًا كبيرًا داخل المجتمع الفلسطيني خلال فترة الانتفاضة لا يستطيع أحد أن يذكره ولا تجاوزه أو القفز عليه، بل إن الفعاليات التي قامت بها الحركة الإسلامية أبهرت الجميع وفاجأت كل المراقبين في الداخل والخارج، وكان البعض يعيب على الحركة الإسلامية تأخرها في مقاومة الاحتلال، بل وصل الأمر عند البعض إلى درجة الاتهام في حين كانت الحركة تربي وتهيئ وتُعد النفوس الإعداد الروحي والمعنوي لمواجهة المرحلة الحاسمة، ولما حان الوقت وتهيأت الظروف كانت الانطلاقة العملاقة في مواجهة الاحتلال، تعبيرًا وأمينًا ودقيقًا في رفض  صور الاحتلال وبطش الاحتلال وقهره وكبته، مما عرَّضها كبقية المقاومين للاحتلال والضرب والقمع الشديدين، مما أثر على بنية الحركة وسير عملها، وما عملية الإبعاد الجماعي لرموز الحركة الإسلامية في فلسطين إلا دليلًا على قسوة القمع وشدته الهدف منه شل الحركة وإفشال مخططاتها، أداء المبعدين أفشل كل المخططات، ولكنني أعتقد أن عدم استثمار عملية صياغة خطاب سياسي إسلامي واضح المعالم ضيع الفرص أمام الحركة الإسلامية لمخاطبة الجماهير الفلسطينية، بل اكتفى بالحديث العاطفي الخطابي ولم يستغل استغلالًا عمليًّا قادرًا على مواجهة الأحداث التي تلت عملية الإبعاد ومنها اتفاقية أوسلو، نعم أقولها وبصوت عال إن أداء المعارضة الفلسطينية بما فيهم الحركة الإسلامية لم يكن بمستوى مواجهة أوسلو وما فيها، حتى غدت أوسلو حقيقة واقعة مفروضة على شعبنا الفلسطيني في أماكن تواجده.

ثانياً الحركة الإسلامية خارج الوطن المحتل

كنتُ أعتقد أن الحركة الإسلامية خارج الوطن المحتل ستكون أكثر انطلاقًا في تحديد موقفها مما يجري على أرض الوطن فلسطين وأن يكون لها أداء فاعل وقوي وقادر على التعبير، ولكنني أقول بصراحة كان أداء الحركة داخل الوطن أكثر فعالية وتأثيرًا رغم القيود المفروضة عليها، من أداء الحركة الإسلامية العالمية، بل واكتفت الحركة بإصدار البيانات وإقامة المهرجانات الخطابية وعلى استحياء وفي حذر شديد لعدم إحراج نفسها مع الأنظمة القائمة، وأرجو أن لا يفهم من كلامي أنني أدعو إلى الصدام مع الأنظمة، لا.. بل إنني أرفض أسلوب الصدام مع الأنظمة الحاكمة، لأنني أعرف عواقبها وقدرات الحركة الإسلامية، بل الذي أعنيه هو محاولة وضع استراتيجية واضحة، وخطاب سياسي إسلامي واضح وبصوت عال، ولم أشعر أن أحدًا من رموز الحركة الإسلامية استطاع أن يضع حلًا أو يطرح مشروعًا واضح المعالم سوى مشروع الدكتور موسى أبو مرزوق، عندما أعلن عن مبادرته والتي قلت في حينها إنها تعبير عن قدرة الحركة الإسلامية في التعامل مع الأحداث بديناميكية، وقدرتها في التعامل مع الأحداث بشكل قوي مع الحفاظ على الثوابت، وتأكيدًا على أنه لا يوجد في السياسة أبيض وأسود خاصة عندما تعرف أن السياسة العالمية اليوم تقوم على التوازنات والمصالح لكل دولة، هكذا هي السياسة العالمية والتي يجب أن نفهمها بإطارها الصحيح.

ثالثًا: الحركة الإسلامية واتفاق إعلان المبادئ وما تلاه من اتفاقات

جاء اتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي ليشكل مرحلة جديدة في الحياة السياسية الفلسطينية داخل الوطن وخارجه، وهذا الاتفاق الذي جاء نتيجة محادثات سرية في أوسلو متجاوزًا الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن، ومفاجئًا للجميع كما قلت سابقًا، فإن التعامل مع هذا الاتفاق والتأقلم معه كان سريعًا وسلميًا لدرجة غير متوقعة، وهذا راجع إلى أن مرحلة المفاوضات السابقة منذ انعقاد مؤتمر مدريد هيأت الأجواء ومهدت السبيل لقبول مرحلة جديدة وتقبل المفاجأة والتعامل معه كواقع قائم على المستويين الشعبي والسياسي خاصة بعد أن حصلت منظمة التحرير على اعتراف إسرائيل بأنها ممثلة للشعب الفلسطيني وهذا إقرار من سلطة احتلالية بوجود سلم قائمة ونافذة في الوقت الذي كانت السلم الاحتلالية لا تعترف أصلًا بوجود شعب فلسطين، ورغم هذا التغير في الواقع السياسي الفلسطيني، إلا أن هذا الاتفاق لم يعمل تغيير يذكر في الساحة السياسية الفلسطينية في الخارطة السياسية، فالتحالفات بقيت كما هي بل تدنى أداء هذه التحالفات، والأكثر من

فإن الحركة الإسلامية وجدت نفسها محاصرة واضطرت للدخول في تحالفات مع قوى تختلف معها في الطرح الأيديولوجي والمواقف السياسية، لكنها اتفقت جميعًا على تجنب اللجوء لاستخدام وسائل العنف للتعبير عن رفض الاتفاق أو تقويضه، وشددت هذه القوى على ضرورة التمسك بالخيار الديمقراطي، والاعتماد على خيار الشعب واختياره، وحددت موقفًا تاريخيًّا مهمًا وهو تحريم الاقتتال الداخلي، وعدم استخدام السلاح في وجه السلطة. 

وقفت الحركة الإسلامية من العملية السلمية منذ البداية موقفًا أكثر حدة ووضوحًا وبينما نجد أن كثيرًا من قوى المعارضة ترفض الاتفاق كناحية تكتيكية والبعض يرفضها استراتيجيًا، فإن الحركة الإسلامية جعلت أساس رفضها هو الرفض العقائدي، دون طرح البديل لهذا الرفض واكتفى الأمر بتوضيح الرفض العقائدي فقط وإنني لا أقلل من عظمة هذا الموقف، ولكن يجب أن يكون برنامجًا عمليًا ينسجم مع واقع الحركة وقدرتها وإمكانياتها وفهمها للواقع السياسي العالمي.

رابعًا الحركة الإسلامية بعد مجيء السلطة

لما دخلت السلطة الفلسطينية إلى غزة وأريحا وأصبحت أمرًا واقعًا، وجدت الحركة الإسلامية نفسها أمام واقع جديد، هناك سلطة بغض النظر عن شكل والية السلطة، وهناك احتلال لا زال على الأراضي الفلسطينية، السلطة وقَعت على اتفاقيات مع الحكومة الإسرائيلية السلطة تعتبر أي عمل يمكن أن يسبب لها إحراجًا مع الحكومة الإسرائيلية مساسًا بالسلطة، الحركة الإسلامية وجدت نفسها ملزمة باستمرار مقاومة الاحتلال، إسرائيل تُحمِّل السلطة الفلسطينية مسؤولية أي عمل يقوم ضدها من داخل الأراضي الفلسطينية، في ظل هذه المعادلات المعقدة لا بد من الاصطدام، الحركة والسلطة حددتا موقفهما من مبدأ الاقتتال الداخلي فهو محرم وخط أحمر، ولكن هناك من يدفع بهذا الاتجاه، هناك من ينظر من داخل السلطة إلى أن الحركة الإسلامية تعتبر مفوضًا للحكم الفلسطيني، وهناك من الحركة الإسلامية من يعتبر أن السلطة هي امتداد للاحتلال، وتشكلت احتقانات كبيرة أدت إلى تفجير العلاقة بين السلطة والحركة الإسلامية، وما أحداث مسجد فلسطين عنا ببعيدة، إسرائيل ساهمت بشكل واضح عندما أقدمت على اغتيالات داخل منطقة السلطة لعناصرها من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، الأمر الذي دفع الحركتين إلى الدفاع عن كرامة حركتيهما ووجودهما.

ترسخ مبدأ عدم الثقة بين الطرفين وتعمقت الخلافات وزادت حدتها، فكانت محاولات لوقف حدة التدحرج لكرة الثلج التي تكبر وتكبر مع كل حدث، وهنا لا بد من تحديد خيارات الحركة الإسلامية أمام هذا الواقع حتى تحافظ الحركة الإسلامية على نفسها وزخمها واحترامها الذي اكتسبته من خلال أعمالها المتعددة على ساحة الوطن الفلسطيني.

إنني أختلف مع من يقول إن المعارضة الفلسطينية بما فيهم الحركة الإسلامية لا تستطيع أن تعلن عن مواقفها الحقيقية واستراتيجية عملها خلال المرحلة الانتقالية خاصة بعد أن تيقنا أن الاتفاق أصبح حقيقة وأن السلطة غدت واقعًا ملموسًا، وتشكيل ملامح الدولة الفلسطينية بغض النظر عن شكل هذه الدولة وهيكلتها، وخاصة أن القرار الدولي واضح في إنهاء حالة الصراع الشرق أوسطي، وإحلال حالة الاستقرار المؤقت للمنطقة، بل لا بد للحركة الإسلامية من أن تعلن موقفها وبرنامجها السياسي بما يتلاءم مع إمكانياتها وقدراتها ومسؤولياتها في المشاركة في بناء الوطن الفلسطيني، إنني لا أعتقد أن اتفاقًا ما يبقى ملزمًا للشعوب إلى ما لا نهاية، بل الفهم الدقيق للواقع السياسي لكل مرحلة هو الأقدر على تحديد مطالب كل حركة وهنا لا بد من اتخاذ خطوات منها:

أولًا: تقييم دورها الذاتي لإمكانية الاستمرار في تنفيذ الاتفاق، ومدى قدرتها في التأثير على مجريات الأمور.

ثانيًا: العمل على حماية الذات وحماية المكتسبات مستقبلًا. 

ثالثًا: تحديد علاقتها مع بقية قوى المعارضة، وخاصة تلك التي نظرت إلى الاتفاق من الناحية التكتيكية.

 رابعًا: إعادة النظر في منهج التربية والتوجيه داخل صفوف الحركة، وزيادة الوعي السياسي الواقعي لأبناء الحركة.

خامسًا: إجراء حوار داخلي حقيقي مبني على قواعد عملية لإفساح المجال أمام الأفكار الجديدة.

 وأعتقد أن الحركة الإسلامية بدون أن تتخذ مثل هذه الخطوات ستبقى في دائرة ذاتية حول نفسها دون أن يكون هناك تجديد، وهنا لا أتحدث عن النواحي الثابتة، بل أطلب تحديد الثوابت لا أن تبقى غير واضحة كما حصل مع منظمة التحرير.

المعارضة الفلسطينية لم تنجح في عمل مشترك لمواجهة مرحلة أوسلو سوى المهرجانات أو البيانات المشتركة.

خامساً: الحركة الإسلامية والحوار مع السلطة

تأكيدًا على ما سبق وعلى ضوء بلورة شكل السلطة الفلسطينية، ومحاولة الاستفادة من دروس الماضي، وحفاظًا على مكتسبات الحركة الإسلامية والإبقاء على ذاتها، وانطلاقًا من واجبها أرى أن الحركة الإسلامية مطالبة وبشكل جدي أن تساهم في بناء الوطن الفلسطيني من داخل المؤسسات الموجودة مع حقها في توضيح موقفها لما يجري على الساحة الفلسطينية، وهذا حق لا يستطيع أحد أن يحرمها إياه، لكن أن تبقى في دائرة الرفض الغامضة ودائرة المشاحنة بين الحركة والسلطة، وإفساح المجال أمام من يسعون إلى دفع السلطة للبطش بالحركة تحت حجج وذرائع متعددة، فإن هذا سوف يجعل الحركة في حالة استنفار دائم، وفي حالة دفاع عن الذات للحيلولة دون بناء الذات وتطويره، إنني أرى أن الدخول في حوار وطني واضح المعالم للوصول إلى اتفاق ولو للحد الأدنى من العلاقة سوف يضمن علاقة هادئة مع السلطة، تكفل للحركة الإسلامية قدرة على الحركة داخل المجتمع الفلسطيني، إن القيود الموجودة الآن على الحركة الإسلامية وتحديد حركتها، هي قيود منظمة ومدروسة ومتعاون عليها من قبل الجميع ولعل مؤتمر شرم الشيخ أكبر دليل على ما أقول وما هذا التزاحم الدولي من أجل إرضاء اللوبي اليهودي العالمي إلا تضييقًا عمليًّا للموقف الدولي، لإنهاء الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

 إنني لا أنادي بجلسات حوار على غرار حوار القاهرة، والذي كان همه فقط انتزاع مواقف، بل أنادي بحوار يضع أسسًا للعلاقة الثنائية المبنية على احترام الرأي والرأي الآخر وإلزام السلطة بضرورة التعددية السياسية التي تكفل للجميع حرية التعبير عن المواقف، وكذلك احترام الآراء داخل المجتمع الفلسطيني.

لا تستطيع الحركة الإسلامية وبالذات حركة حماس أن تبقى على هامش المجتمع الفلسطيني فهي جزء مهم ولا يتجزأ من هذا المجتمع، وإذا أردنا أسلمة مجتمعنا الفلسطيني فلا بد من الغوص في أعماق هذا المجتمع وتنشيطه من داخله، دون أن تكون عضوًا في السلطة الرسمية، ويمكن أن يسعنا ما وسع الإخوة في الأردن، والموقف لا يختلف كثيرًا بين البلدين وأرى أن تفعيل دور الحزب السياسي وإعطاء حرية الحركة والتعبير بمواقف مستقلة مهم جدًا هذه نظرة لمستقبل الحركة الإسلامية واجتهاد بصوت عال من داخل الحركة الإسلامية، أملًا أن يتسع الصدر لدى الجميع في تقبل الرأي الآخر، في الوقت الذي نطالب الآخرين في تقبل رأي الآخرين.

 فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.

الرابط المختصر :