; الحركة الإسلامية علاقات الأنظمة من التضاد إلى التطبيع | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الإسلامية علاقات الأنظمة من التضاد إلى التطبيع

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1989

مشاهدات 66

نشر في العدد 914

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 25-أبريل-1989

 

مجابهة الحركة الإسلامية لأساليب الفكرة الاشتراكية أورث الحركة تعاطف الجماهير المسلمة مما قلل من رصيد الأنظمة المركزية جماهيريًّا

 

في أعقاب الفترة الاستعمارية برزت في الساحة العربية عدة تيارات حكومية وسياسية وقد كان من أوفر التيارات حظا تلك التنظيمات التي استظلت بأعمدة النظم الوريثة للاستعمار، ولا غرو فالمستعمر كان حريصا على صياغة طبقة حفيظة على تراثه تعتمد النهج العلماني في معيار الفكر والسلوك السياسي وتعتصم بدعاوى القومية والديمقراطية والاشتراكية ومن الطبيعي أن تفرخ تلك الصياغات نقاط حضور داخل المؤسسات المجتمعية سواء كان ذلك في مراكز التوجيه الإسلامي والتربوي والسياسي أو داخل المؤسسة العسكرية الدفاعية والأمنية بالإضافة إلى التركيبة الخدمية والمكتبية (البيروقراطية) التي ابتدعتها نظم الإدارة الغربية، وبجانب الوجود المنظم لتيارات الاستلاب الحضاري قام الوجود المميز الحركة الفكر الإسلامي أو ما يعرف سياسيا بالحركة الإسلامية الحديثة ... وتأسيسا على المنطلقات المتباينة بين التيارات القائمة وتيار الحركة الإسلامية تكونت العلاقة السلبية بينهما والتي ربما اتخذت شكلا عدائيا في أكثر الأحيان.. فقد استغرقت التيارات العلمانية أضواء الحداثة واستهوتها شعارات التقدمية والاستلحاق الحضاري.

 

مما أفقدها مجرد الإمكانية في إقامة حوار داخلي استيطاني في أروقتها الذاتية أو مع الآخر الذي يجسده التيار الإسلامي ونظرا للتقارب النِّسبي بين التيارات العلمانية ومؤسسات السلطة السياسية المعمدة بواسطة الغرب الصليبي تمكنت تلك التيارات من تسيير زمام الأمور في البلدان العربية وظهرت العسكرية الاشتراكية في كثير من تلك البلدان والتي تميزت في أغلبها بطابع العداء السافر للحركة الإسلامية وساعدت على صياغة العلاقة في ذلك الإطار أسباب عدة أبرزها التصور القاصر في استيعاب دور الدين في الحياة والانبهار الطاغي بتجربة الغرب الحضارية والانسياق اللاشعوري وراء الغلبة الحضارية المستدرك مشروعها بواسطة السيطرة الكلية على العقل العربي في تلك المرحلة وما إلى ذلك من أسباب ومن جانب ثان، فإن الحركة الإسلامية كانت في طور النشأة والتكوين، ومن البدهي ألَّا تمتلك مشروعا محدد البرامج وتصورات ترقى إلى الاستعلاء على الغلبة الحضارية العربية ناهيك عن تجاوز المشروع الغربي ... ومن هنا كانت العلاقة تندرج ضمن مشروع تقدُّمي تمثله السلطة فئة رافضة تقليدية تتمثل في التيار الإسلامي... هذا بالنسبة للدول ذات التوجه الاشتراكي والتي يلي زمام الأمر فيها طليعة عسكرية من القوات المسلحة ... أما بالنسبة للدول التي يأخذ النظام فيها وضعية وراثية فإن طبيعة العلاقة تختلف عما هو سائد هناك .

 

عسكر الاشتراكية:

 

امتازت العلاقة مع السلطات العسكرية ذات التوجه الاشتراكي بالتوتر والعدائية والشد التناقضي في أحيان كثيرة، فالحركة الإسلامية في مطلع الخمسينات من هذا القرن وجدت نفسها محاطة بكم هائل من التصورات والسلوك العدائي من قبل السلطات الحاكمة آنذاك، ففي مصر الناصرية كما في سوريا أيام القوتلي، أمين الحافظ، يوسف زعين، اعتبر التعامل مع الحركة الإسلامية يرقى إلى درجة العمالة وبذلك تعرضت الحركة وأعضاؤها إلى التشريد والنفي وامتلأت بهم سجون (أبو زعبل، والقلعة) ويرتكز الاتهام المحقق سلفا على صلة الحركة الإسلامية بدوائر الاستعمار الحديث أو الولايات المتحدة الأمريكية ... فالسلطات الاشتراكية وهي تحارب الاتجاه الإسلامي ترى فيه مشروعًا مغايرًا رافضًا لما بين أيديها من مسلمات و ثوابت وخاصة بعد تبنيها الثوري للحل الاشتراكي والذي يجعل من الغرب - المستعمر السابق خصما رئيسيًّا لنظمها، ولذلك عملت على تقويض الحركة الإسلامية باعتبار أنها ترفض الاشتراكية، وهي بذلك تقف مع العدو - الغرب - في خندق واحد ومن هنا جاءت وصمة العمالة للاستعمار، وتعمق الوضع في العلاقة التناقضية في الستينات وقسطا من السبعينات فقد اشتدت وطأة الاشتراكية في مصر الناصرية وأعدم عدد من قياديي الحركة الإسلامية كالأستاذ سيد قطب، والشيخ الجليل محمد فرغلي وغيرهم، والحال لا تختلف كثيرا في الجزائر بومدين - وتونس الحبيب بورقيبة.

 

وفي أواخر الستينات حدث انقلاب جعفر غيري في السودان وثورة الفاتح في ليبيا وتعرضت الحركة الإسلامية في السودان الهجمة شرسة قادت زعماء الحركة إلى المعتقلات وفي سبيل الدفاع عن النفس كانت حركة الجزيرة أبا بالتحالف مع جماعة الأنصار أتباع المهدي الكبير مما استدعى نظام النميرى ذو السنحة الشيوعية يومها إلى تدمير الجزيرة أبا، وقتل من ثم ما يفوق ستة آلاف من الأنصار والإخوان المسلمين، وقد استشهد وقتها الدكتور محمد صالح عمر، كما استشهد فيما بعد الإمام الهادي عبد الرحمن المهدي وإجمالا فإن علاقة الحركة الإسلامية في كثير من البلدان العربية ذات التوجهات الاشتراكية والمحكومة بأنظمة عسكرية كانت علاقة عدائية، وربما مرد ذلك إلى أن الاشتراكية أعدها مبتدعوها كنظام حياة مستقل يرفض التعايش مع الأفكار الأخرى، ويسعى إلى أحداث انقلابية في تصورات المجتمع ونظمه الإدارية والسياسية والاجتماعية معتمدا على التفسير الاقتصادي لجدلية الحركة الزمنية ... إضافة إلى أن الأنظمة الاشتراكية تصد أبوابها أمام كل الأفكار والعقائد إسلامية كانت أو غيرها، وهو أمر يتصل بالنظرة المادية لفكرة الحرية.

 

تفاهم وتعايش

 

وفي الجانب الآخر فإن الحركة الإسلامية تمتعت بأوضاع طبيعية مع الأنظمة الوراثية والتقليدية وإن لم تتح بعض تلك الأنظمة للحركة الإسلامية أن تنمو في حرية واستقلالية إلَّا أنها لم تتعرض لها بالأذى والتضييق كما أن الأنظمة ذات التعددية السياسية بداهة لا تقيد الحرية في مجال التنظيمات والأحزاب وكانت العلاقة بين دول الأنظمة الوراثية تضبطها القوانين السائدة، والتي غالبا ما تستمد روحها من الأعراف والتقاليد المجتمعية كما أنها تأخذ بقسط متفاوت من الأحكام الإسلامية أو تستمد الأحكام من الشريعة الإسلامية بصفة أساسية كما هو قائم في العربية السعودية ومما يساعد على وجود علاقة طبيعية نسبيا مع تلك الأنظمة وجود هامش تعبيري نسبي يسمح للجمعيات والتنظيمات ذات التوجه الأصيل والملتزم، ولهذا نجد الحركة الإسلامية تمارس نشاطا واضحا وقانونيا في كل من الأردن والكويت والإمارات العربية المتحدة والمغرب العربي.

 

تراجع الاشتراكية

 

في أواسط العقد الماضي - السبعينيات افتقدت الاشتراكية كفكرة منهجية بريقها وتبينت عوراتها وعجزها على تنمية الواقع وتقديم حلول لمعضلاته وخاصة بعد أن تعرضت طلائع تلك الأنظمة لهزيمة ٦٧ المنكرة وبذلك بدأت التساؤلات تتجاوز إطار الحس والتحدث بصوت خافت وتطور الانتقاد للنظام الاشتراكي - العسكري من قِبل قادته أو مهندسيه في بعض الأحيان فضلا عن معارضيه، وفي جانب الشعوب فإن قسوة النُّظم الاشتراكية أفرزت لديها كراهية وبغضا شديدا، وفي ذات الوقت تنامت إليها درجة التعاطف مع الحركة الإسلامية التي كانت تنفرد في أحيان كثيرة بمواجهة تلك الأنظمة ومعارضة مشاريعها وأساليبها المستوردة، وهنا بدأت بعض الأنظمة تعيد النظر في علاقتها مع الحركة الإسلامية وكانت مساعي السادات في مصر ونميري في السودان تصب في هذا الإطار، فقد حاول كل منهما التقرب إلى الحركة الإسلامية والاستفادة من الوضعية التعاطفية التي أكسبها لها الشعب في مصر والسودان بعد معاركها الصامدة والجسورة مع نظام نميري الدكتاتوري الاشتراكي، ونظام عبد الناصر واكتملت صورة التطبيع مع العقد الحالي، واتسعت في كل من مصر وتونس والجزائر وخفت حدتها نسبيًّا مع بقية الاشتراكيين وبهذا يمكن أن نستنتج أن العلاقة قد تجاوزت درجة العدائية الظاهرة إلى علاقة تتفاوت بين الحسنة والطبيعية.

 

مستقبل العلائق:

 

إن الحركة الإسلامية بدءا لم تقم لخلق الخصومات وإيجاد الفرقة في النظام السائد أيًّا كان نوعه وأيًّا كانت مستويات تلك الفرقة، وتلك حقيقة تقريرية بسيطة وإنما قامت الحركة الإسلامية لتأصيل الوجود الحضاري للأمة، وإزالة صور التناقض المنعكسة على عقلية الأمة في تبعيتها للآخَر المعتاد لتصوراتها وقيمها وسلوكها الحضاري، ويمكن أن نذكر هنا بكل تأكيد بأن الحركة الإسلامية كانت مجبرة على تكييف العلائق السابقة مع الأنظمة العربية وبخاصة الأنظمة (العسكر - اشتراكية) وهو سلوك دفاعي أَملتْهُ لغة التخاطب من جانب واحد، أما وقد تخلت الأنظمة المركزية التوجهية عن عقائدها (أيديولوجيتها) الاشتراكية وبدأت رحلة نحو تركيز الذات وتأصيل الهوية فإن الحركة الإسلامية بحكم طرحها المبدئي لا بد أن تكون سباقة في تطوير العلاقة مع الأنظمة الحاكمة حتى تحتوي آثار الماضي وتستشرف آفاق المستقبل بناء علاقة طبيعية مع الأنظمة العربية التي تهتدي بالنهج العام للفكر الإسلامي وحتى تلك التي تتردد في تحديد هويتها فإن على الحركة الإسلامية أن تبدأ معها مشوار الطرح للمشروع الإسلامي من مبدأ تجسير العلاقة وإقامة الحوار ولقد كانت هناك عدة تجارب ناجحة في تجسير العلاقة مع النظام الحاكم وإزالة أسباب الفرقة التضادية، كما هو الحال مع النظام القائم في تونس ومصر وتجربة السودان مع نميري على الرغم من المآخذ التي أدينت بموجبها إلَّا أنها كانت لها إيجابيات تفوق المآخذ بكثير، وفي سبيل تجسير العلاقة تقف عدة عوائق تحجم تنامِي العلاقة وفي مقدمة تلك العوائق تأتي التدخلات الخارجية وأبرزها رفض الغرب الصليبي لبروز التيار الإسلامي وبخاصة الولايات المتحدة التي طالما حذرت أتباعها من مغبة التعامل مع التيار الإسلامي ومن أبرز الأمثلة في ذلك موقف ريفان بوش من التقارب بين الإخوان في السودان ونظام جعفر نميري ونفس الموقف تكرر في النصائح الشيطانية والتدخلات السافرة أحيانا مع النظام التركي وباكستان ضياء الحق وتحذير السادات، ومن جانب آخر فإن الحركة الإسلامية مطالبة باستبطان الواقع الدولي من جانب وتلافي العلاقة الداخلية مع التيارات السائدة من جانب آخر حتى تبنِي علائقها مع الأنظمة العربية وفقا لثوابت منطقية تدفع باستثمار الوقت من أجل صياغة واقع أصيل صميم توجهه للعقيدة الإسلامية مدرك لواقع الحياة من حوله.

الرابط المختصر :