العنوان الحركة الإسلامية بالمغرب.. بين «هم» الوطن و«هموم» الأمة
الكاتب مصطفى الخلفى
تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2003
مشاهدات 79
نشر في العدد 1562
نشر في الصفحة 32
السبت 02-أغسطس-2003
المشروع الأمريكي لتعميق وتوسيع الهيمنة على الشعوب يسهم في التغيير الجذري للوضع السياسي في المنطقة ويفرض علي الجميع القوى الفاعلة تغيير أولوياتها
متغيرات استراتيجية تشمل أربعة محاور أبرزها ارتفاع مستوى الاستعدادات الشعبية لمواجهة العدوان المتواصل على الأمة
ما انعكاس ما جرى ويجري من عدوان واحتلال جديدين للمنطقة على الحركة الإسلامية بالمغرب؟ وماذا أعدت قوى العمل الإسلامي والوطني لهذه المرحلة تكتسب الإجابة عن هذين السؤالين أولوية كبرى في الظروف الراهنة، باعتبارها محددًا لمدى واقعية المشروع الإسلامي المغربي ومستوى انخراطه في متطلبات اللحظة التاريخية، لاسيما أن الملاحظ هو وجود حالة من تأرجح الفعل الحركي الإسلامي بالمغرب بين مسارين متوازيين: مسار الاستجابة للتحديات التي طرحها العدوان على الأمة، والذي يعيد صياغة المنطقة العربية والإسلامية حسب مقاييس الأهداف الصهيونية، ومسار الاستجابة لاستحقاقات ومتطلبات التدافع الاجتماعي والسياسي الوطني.
وضعية التأرجح هذه تمثل مازقًا حادًا يعوق التطور الإيجابي للمشروع الإسلامي بالمغرب وأسهمت بشكل كبير في الارتباك الذي ميز تعاطي مختلف فعاليات الحركة الإسلامية مع مجريات العدوان على العراق، ثم التطورات التي عرفتها المنطقة وكشفت عن دورة استعمارية جديدة، ونعتقد أن تجاوز هذا الاختلال يتطلب تحليل المتغيرات الراهنة ودراسة انعكاساتها على المغرب إجمالًا.
وعلى قوى النهوض والتحرر خاصة ليمثل أرضية الاستكشاف خيارات العمل المستقبلية.
المتغيرات الاستراتيجية بعد الاحتلال
تحيل دراسة إشكالية الموضوع على إشكالية التحرير والتغيير ولمن الأولوية فيهما؟ وهي قضية نظرية بامتياز، ذلك أن النقاش حول تحديد المسار ذي الأولوية في الممارسة. هل هو مسار الاستجابة الهموم الأمة أم مسار الاستجابة لهموم الوطن؟ – هو تعبير متجدد عن الجدل القائم بين التغيير والتحرير، وسارت الإجابة إلى القول: إن المسارين متكاملان ولا وجه لإقحام التعارض بينهما، بل إن المسار الثاني جزء من الاستجابة للمسار الأول. فهموم الوطن في التنمية والديمقراطية والعدل. تندرج ضمن هموم الأمة في التحرر والوحدة، ولا داعي للفصل بينهما، بل إن أي فصل يتجاوز الطابع الإجرائي ما هو إلا فصل وهمي، والحاصل - أن هذه مجادلة قديمة طرحت منذ عقود في صفوف الحركات القومية واليسارية وعرفت باسم جدل «التحرير والتغيير». ولمن الأولوية فيهما، هل لتحرير فلسطين أم لتغيير الانظمة العربية وبقي الجدل مستحكمًا لسنوات عديدة، ونجمت عنه صراعات وانشقاقات، وتشكلت في صوته جبهات وتكتلات وتحالفات.
واليوم يتجدد طرح الإشكالية نفسها فالتطورات المتتالية بدءًا من العدوان على العراق واحتلاله، ثم التوجه نحو العدوان على سوريا. وتصفية المقاومة الإسلامية بجنوب لبنان، وتشديد الخناق على الانتفاضة بأرض فلسطين والإعلان عن مبادرة الخارجية الأمريكية القاضية بتخصيص ۱۰ ملايين دولار كدعم للجمعيات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية في عدد من البلدان العربية بالإضافة إلى إيران، وما يعنيه من استماتة أمريكية في تعميق سياسات التدخل والتحكم الخارجي في الشعوب وصوغها حسب النموذج الأمريكي، كل ذلك أسهم ولا يزال في التغيير الجذري للشروط العامة للفعل السياسي – والحركي في المنطقة، ويفرض بالتالي على القوى العاملة في تأطير الشعوب وتوجيه حركتها تغيير أولوياتها، في اتجاه استيعاب انعكاسات التحولات الجارية التي يمكن رصد أهم المتغيرات الاستراتيجية فيها في المحاور الأربعة التالية:
1-حصول تغير سلبي في موازين القوى المحلية بين النخب والأطراف وموقع الحركة الإسلامية في ذلك، وهو ما يعني استقواء التوجهات العلمانية المرتبطة بالقوى الغربية والمستعدة لتنفيذ برامج التبعية الثقافية والاقتصادية والسياسية وغير المترددة في اعتماد سياسة ضرب قوى النهوض والتحرر داخل الأمة. وخصوصًا الحركات الإسلامية والوطنية، أي أن میزان القوى المحلي في هذا البلد أو ذاك تعرض الاختلال شديد بفعل نتائج عملية العدوان، وما کشفته من استقواء اللوبي المؤيد للكيان الصهيوني في مفاصل النظام الأمريكي، وهذا التغير يزيد من تعقيد شروط المبادرة عند الفاعل الإسلامي، ويحد من هامش الحرية وسقف الأهداف والمطالب كما يحول دون برامج الانفتاح على باقي قوى المجال السياسي والاجتماعي، بل يدفع العلاقات معها نحو مسارات صراعية سلبية تعمق من عزل الحركة الإسلامية وتيسر الاستفراد بها.
٢- ارتفاع مستوى الاستعدادات الشعبية المواجهة العدوان المتواصل على الأمة، وهي استعدادات تجاوزت سقف البرامج والشعارات المرفوعة من طرف النخب الوطنية والإسلامية، إلا أنها في الوقت نفسه تعبيرات عفوية وتلقائية ولحظية، وهو ما يطرح تحديات تأطير وريادة الحركة الجماهيرية على القوى المناهضة السياسات العدوان والاستعمار.
٣- اتجاه السياسات المحلية نحو مزيد من الاستنساخ والارتهان للتوجهات الغربية عمومًا والأمريكية خصوصًا، ولاسيما السياسات المرتبطة بقضايا الديمقراطية، والإرهاب، والتعليم، والمرأة، واقتصاد السوق، والاستثمار الخارجي، والتي تمثل محور التدخل الأجنبي في المرحلة الحالية، ويجدر هنا التذكير بمبادرة كولن بأول المسماة بمبادرة الشراكة بين الويات المتحدة والشرق الأوسط، وهي مبادرة أعلن عنها وزير خارجية أمريكا في ١٢ ديسمبر الماضي وحسب نشرة لوزارة الخارجية الأمريكية فقد هدفت المبادرة إلى «تشجيع المشاركة الشعبية في العملية السياسية، ومساعدة المؤسسات التعليمية والتربوية في سائر أرجاء الشرق الأوسط، ومكافحة الأمية و مؤازرة حقوق المرأة، ودعم القطاعين العام والخاص في العالم العربي على تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والاستثمار، فضلًا عن دفع عجلة التفاهم والشراكة بين شعب الولايات المتحدة والشعوب العربية»، وهو ما يعني أنها مبادرة شاملة لمختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتعليمية تحد من الهامش المتاح للأطراف المحلية في صوغ سياساتها حسب أولوياتها وخصوصيتها وإمكاناتها واحتياجاتها، ولا تحتاج إلى التذكير بأن هذه الشعارات هي التي رفعت كتبرير للحملة العسكرية على العراق.
٤- إلحاق السياسات الخارجية للدول العربية بأولويات السياسة الخارجية الأمريكية لاسيما في علاقتها بخدمة التطبيع مع العدو الصهيوني وما يسمى بمكافحة الإرهاب وهو ما ورد جزئيًا بوضوح في خطاب كولن باول المشار إليه انفًا حيث قال: «إن هدفنا النهائي هو تسوية عادلة وشاملة، عربية – إسرائيلية تكون فيها جميع شعوب المنطقة مقبولة كجيران تعيش في سلام وأمن» وبغض النظر عن عدم صدقية مفهوم التسوية العادلة والشاملة في المنظور الأمريكي فإن الإعلان عن هدف التطبيع بهذا الوضوح دليل كاف على حجم الدعم المستقبلي الموجه البرامج التطبيع والاختراق الصهيوني وتسويقها بشعارات السلام والأمن. المتغيرات الأربع السابقة تطرح تحديات كبرى على القوى الرافضة المشاريع الهيمنة الأمريكية، وتمثل محاور اشتغال أساسية للتفكير المستقبلي.
الحركة الإسلامية وتحديات المستقبل
في الحالة المغربية نجد الجوانب الأربعة والتي تعكس مستويات تأثر المجال الوطني بمتغيرات المحيط الإقليمي والدولي، تكتسب دلالات استثنائية وربما مصيرية تفرض معالجة دقيقة ومفصلة تساهم في العمل على استدراك الأداء الباهت للحركة الإسلامية بمختلف فصائلها أثناء العدوان على العراق، بل وتستدرك ضعف مواكبتها وتفاعلها مع تطورات الساحة السياسية الوطنية والتي شهدت إرادة مصممة على استئناف العمل بالمقاربة الأمنية في تدبير اختلالات وإشكالات التدافع الاجتماعي والسياسي الوطني.
وقبل المعالجة المباشرة لمختلف تلك الجوانب الأربعة، نتوقف عند ملاحظة تثار بصدد الوضع المغربي، ذلك أن البعد الجغرافي للمغرب عن منطقة النزاع واتسام سياساته إبان العدوان وبعده بنوع من الهامشية والابتعاد عن المبادرة بالإضافة إلى الحرص الأمريكي على تقديمه نموذجًا يحتذى في المنطقة، كل ذلك يبعد احتمالات حصول التدخل الأجنبي الفج لفرض المشروع الأمريكي للمنطقة العربية والإسلامية على المغرب وهي ملاحظة وجيهة نسبيًا، لكن الواقع يكشف في المقابل وجود بعض القوى المحلية التي قد تبادر للسعي من أجل تنفيذ استحقاقات هذا المشروع والمسارعة في تنزيل مقتضياته، مثلما حصل مع برامج الحملة الأمريكية ضد الإرهاب.
ونعتقد أن متغيرات الوضع الإقليمي والدولي المثارة سابقًا تنعكس في المستويات التالية:
على مستوى ميزان القوى تقدم نتائج العدوان فرصة تاريخية تنضاف الأحداث الحادي عشر من سبتمبر المصلحة الجهات المعادية للهوية الإسلامية للمغرب، وهي جهات لا تتردد في الدعوة التبني المقاربة الأمنية في تدبير العلاقة مع الحركة الإسلامية، والانقلاب على المنهج التشاركي والتوافقي الذي اعتمده الحكم في تدبير المرحلة الانتقالية التي يمر بها المغرب، وعلى الرغم من نخبويتها الشديدة، إلا أنها متنفذة يفعل علاقتها الخارجية وتأثيرها الإعلامي، وارتباطها بمواقع الامتيازات والمصالح، وهذا التطور السلبي في میزان القوى ما زال في طور التشكل ولم يأخذ أبعاده الاستراتيجية كاملة، مما يتيح إمكانية الموازنة بشرط المبادرة قبل فوات الأوان.
على مستوى الاستعداد الشعبي، فإن الملاحظ هو حالة الخفوت المذهلة في الحركة الجماهيرية المناهضة لسياسات العدوان والاحتلال، هذا في الوقت الذي شهد عدد من الدول تحركات قوية رغم سقوط نظام بغداد، وذلك بفعل التهديدات الأمريكية بالعدوان على سورية والسعي لفرض مشروع تسوية مذلة على الشعب الفلسطيني، ويمكن القول بأن المسؤولية عن خفوت الحركة الجماهيرية تقع على عاتق القوى الإسلامية والوطنية بالأساس والتي أصيبت هي الأخرى بحالة من الذهول والصدمة إزاء ما حصل باستثناء بعض المبادرات اليتيمة هنا وهناك. والحاصل أن صمام الأمان في مواجهة مختلف سياسات التدخل الأجنبي هو تنمية مخزون الرفض والمقاومة لها واستثمار التأثير الإيجابي للحملة العسكرية على العراق على وعي الشعوب وما فضحته من وهم نشر الديمقراطية من أجل معادلة الاختلال في ميزان القوى المحلي، أي أن هناك مسؤولية جسيمة في القيام بمهام التأطير والتربية في صفوف المجتمع.
-وبخصوص السياسات المحلية، فالمنتظر أن تشهد عودة مكثفة للقضايا المرتبطة بالهوية الإسلامية للمغرب لاسيما ما تعلق بسياسات النهوض بالمرأة والطفل وتغيير مناهج التعليم والثقافة والإعلام، وإلى جانبها القضايا المتعلقة بسياسات مكافحة الإرهاب والعلاقة مع فصائل الحركة الإسلامية، ودون تفصيل كثير في المعطيات التي تهم مختلف هذه المجالات، فإن المنتظر هو اشتعال مختلف تلك «الجبهات»، ودفع التوتر فيها ليصل إلى أعلى درجته وهو ما يفرض الانتباه إلى المعارك المستقبلية القادمة والاستعداد الجيد لها بما يحول دون تشتت الجهود أو الانشغال بقضايا هاشمية.
- أما على صعيد السياسات الخارجية فالملاحظ أن المغرب على أعتاب دورة جديدة من التطبيع مع العدو الصهيوني والتسويق المشاريع التسوية والعلاقات الثقافية والاقتصادية والسياسية، وإلى جانب ذلك مزيد من الانخراط في مقتضيات الحملة الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب، وهو ما سينعكس سلبًا على أولويات التنمية والإصلاح بالبلاد، كما سيؤثر بحدة على مسار التأهيل الديمقراطي، وهي تحديات تفرض سلسلة من الاستحقاقات الداخلية على قوى الحركة الإسلامية أبرزها تجاوز حالة الانغلاق المحلي في الفعل المناهض للاختراق الصهيوني من جهة أولى ومراجعة علاقاتها مع باقي القوى السياسية والاجتماعية بالبلاد من جهة ثانية.
خلاصة
التحديات الأربع تمثل مهام مستعجلة لإعادة دمج الفعل الحركي المحلي في عموم الأمة. وتتجاوز حالة الانكفاء على الهموم الوطنية دون وعي بأبعادها الخارجية، وتتطلب بالتالي إحداث مراجعات متواصلة في مناهج العمل وبرامجه وأساليبه، بما يحقق الارتقاء المستوى تحديات المرحلة ويمكن من الاندماج في الحركة التاريخية للأمة.