; الحلقة (23) جولة جديدة في النقاش.. الحوار مع الشيوعيين نتائجه... وثماره.. الحركة الخارجية. | مجلة المجتمع

العنوان الحلقة (23) جولة جديدة في النقاش.. الحوار مع الشيوعيين نتائجه... وثماره.. الحركة الخارجية.

الكاتب عبدالحليم خفاجي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1973

مشاهدات 108

نشر في العدد 150

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 15-مايو-1973

  • الربا يؤدي إلى إضعاف حجم الاستثمار.. والتوظيف
  • الإخلال بالتوازن بين العمل.. ورأس المال
  • تعريض العمل -وحده- للمجازفة والمخاطر
  • الملكية مضبوطة بمقتضيات المصلحة والضرورة
  • نماذج تطبيقية إسلامية تصلح للعمل والتقنين

2- الحركة الخارجية: أي العلاقة بين المالك والمجتمع، ولها في الإسلام ضابطان لا مقابل لهما في الملكية والرأسمالية..

أ- التزام حدود السير «الأوامر والنواهي».

ب- أداء حقوق السير «الزكاة».

1- التزام حدود السير: أي الالتزام بالأوامر والنواهي التشريعية التي تعمل على توزيع الثروة وعدم تركيزها والتي تجعل حق المالك ملكه ليس مطلقًا.. ولا يعني ذلك الحد من نمو الثروات المشروع إلى أكبر قدر ممكن ما دامت لا تضيع حقًا ولا تعطل حركة.

القيام المشروع: لأن قيام الملكية قيامًا مشروعًا -على غرار ما رأينا في الحلقة السابقة- له أثره في تنظيم حركة الملكية في المجتمع وفي حفظ التعادل بين الثروات؛ لأن القيام المشروع يحول دون تضخم الثروات تضخمًا سرطانيًا بأساليب استغلالية غير مشروعة، ويحول أيضًا دون تعطيل نمو الثروات نموًا طبيعيًا..

فالربا مثلًا يؤدي إلى إضعاف حجم الاستثمار وحجم التوظيف، ويخل بالتوازن بين العمل ورأس المال بما يسبب من دخل ثابت مضمون للمقرضين ومن تعريض العمل وحده للمخاطر، والفائدة المركبة كثيرًا ما أدت إلى إفلاس التجار وغير التجار مما حدا ببعض القوانين إلى إلغائها والبعض الآخر إلى إجازتها بشروط..

ما تقتضيه المصلحة العامة: من نزع ملكية منزل أو قطعة أرض مع التعويض العادل، أو من إخراج لبعض أشياء عن دائرة التعامل، أو من تقرير حقوق الارتفاق أو حق الشفعة، أو عدم التعسف في استعمال الحق، أو عدم الإضرار بالغير، أو عدم الحجر.

وهذه الضوابط التشريعية بعضها غير موجود بالمرة في النظام الرأسمالي، وبعضها يتوارى في خضم الصراع الطبقي يلتزمه الضعيف دون القوي..

وقد ترك لنا الهدي النبوي وهدي الخلفاء الراشدين آثارًا في كل ذلك؛ فالرسول ﷺ أمر مالك النخلة التي تقع في دار غيره أن يبيعها له أو يقطعها حتى لا يؤذيه بتردده على داره. وألزم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مالك الأرض أن يجعل سبيلًا للماء إلى أرض جاره، وأوعده أن يجري الماء على بطنه إن لم يجد سوى ذلك حلًا.. كما عوض الذين دخلت بيوتهم في توسيع المسجد.

وهذه الحالات تعرض كثيرًا في الحياة اليومية، ولا تكاد تتجاوز أطراف العلاقة الاجتماعية، وهي من ثم تختلف عن حالات الضرورة الاجتماعية التي قد تصيب المجتمع بأسره من مجاعة أو حرب.. ولهذه الحالات مواجهة خاصة ستقابلنا فيما بعد.

نظام الميراث: لا يستمر نمو الثروة من الناحية العملية إلى أبعد من حياة الفرد؛ لأن الثروة النامية لا تلبث أن تتوزع من جديد بعد وفاة المالك. وتقوم قواعد الميراث وتوزيع الثروة توزيعًا عادلًا بين أقرباء المتوفى مما يحول دون تركزها في أيدٍ قليلة..

ومن المقررات الشرعية ألا يدخل شيء في ملك الإنسان جبرًا عنه غير الميراث. ودائمًا يكون أبناء المتوفى هم أكثر الورثة حظًا من الميراث، ويشاركهم بعد ذلك أقرباء المتوفى من أم وأب وزوجة وإخوة، وفي الجملة لا يكون ما يستحقه الأبناء أقل من النصف في أكثر الأحوال.

• فبفضل هذا النظام لا تلبث الملكيات الكبيرة التي يتفق تجمعها أن تتوزع من جيل لجيل فتشمل عددًا كبيرًا من الأنفس وتستحيل إلى ملكيات أصغر، وبذلك تتقارب مستويات الناس من آن لآن.. ولحرص الإسلام على هذا الهدف نراه يحظر كل تصرف يؤدي إلى الإخلال بقواعد الميراث، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء: 13-14).

ومن ثم فقد ذهب كثير من الفقهاء إلى تحريم الوقف الأهلي لما في ذلك من الإخلال بقواعد الميراث، ومن هؤلاء ابن عباس، والقاضي شريح، والحنفية. وقد اعتمد القانون المصري رقم 180 لسنة 1952 على هذه المذاهب في إلغاء جميع أنواع الوقف الأهلي وحظره، وقرر أن كل وقف من هذا القبيل يعد باطلًا في المستقبل.

كما حظر الإسلام على المالك أن يوصي لأحد ورثته بأكثر من حقه الشرعي بعد وفاته إلا في حدود الثلث بعد إجازة بقية الورثة لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث»، كما حظر عليه ألا يوصي لغير ورثته إلا في حدود الثلث.

• كل ذلك فضلًا عما ينطوي عليه من حكم اجتماعية، فإن فيه تقريبًا للمستويات، وتوزيعًا للسلطات المالية بين أفراد المجتمع، وتحفيزًا للعزائم على مواصلة السعي والتنمية، والقضاء على الطبقية في المجتمع حتى لا يكون بين الناس إلا الدرجات المفتوحة؛ فكما أن حركة الملكية من الداخل المتمثلة في العلاقة الإنتاجية تدفع الثروات إلى التقارب من أسفل من خلال المشاركة في النماء... فكذلك يعمل الميراث على تحقيق ذات التقارب بالضغط على الثروات التي بلغت غاية النمو من أعلى إلى أسفل جريًا على سنة التكاثر في عالم الأحياء؛ فكما أنجب المورث أبناءً أو خلف ورثة، كذلك أنجبت تركته ثروات بعدد الأبناء أو الورثة..

ثورة اقتصادية

إذا أدركنا ما تعانيه المجتمعات في قواعد الميراث، علمنا مقدار التقدم فيما حظر الإسلام؛ ففي بعض المجتمعات يوصي المورث لمن يشاء بما يشاء حتى ولو أوصى بجميع ثروته للقطط والكلاب، أو يكون ممن يضع شروطًا لتقسيم تركة تقيد التصرف فيها عدة أجيال، أو تحرم المرأة من الميراث، أو يقصر الميراث على أكبر أبناء المتوفى حتى يبقى حجم الإقطاعيات ثابتًا لا يطرأ عليها أي تفتيت..

وقد ضجت من ذلك حفيظة الناس ودبت بينهم العداوة والبغضاء على مستوى الأسرة وعلى مستوى المجتمع، وظهرت محاولات التخلص من الوارث بشكل ملحوظ ليخلو الطريق للمحرومين من بعده..

فضلًا عن كل هذه المساوئ الأخلاقية، فإن أكبر المساوئ الجماعية تكمن في خدمة هذا الفصام للوضع الطبقي وتعميقه حتى ضجت أقلام الكتاب والمفكرين في أوروبا بالشكوى من نظام الميراث الجائر؛ فهذا آدم سميث يقول: «لا يمكن أن أتصور قانونًا يهدد حقوق الأسر الكبيرة مثل هذا القانون الذي يفرض الحرمان والفقر على كل الأفراد ليوفر التركة لوارث واحد»، ويحض على إلغاء قوانين الحبوس وقوانين عدم التقسيم وجميع القيود التي تحرم حرية تداول التركة وهبتها وبيعها والتنازل بالوصية(1).

وفي فرنسا كان من أهم قرارات سان سيمون الاشتراكي وأتباعه في أوائل القرن 19 هو القضاء على نظام الميراث الذي يعد عقبة كؤودًا أمام أحلامهم في إصلاح المجتمع..

ما تقتضيه الضرورة الاجتماعية من تدخل الحاكم لتحقيق التوازن بين الثروات أو بما يفرضه على الملكيات من التزامات لا تتعارض مع روح الشريعة وأصولها، وليست من قبيل الضرائب -كما سنوضح فيما بعد- لأن الضرائب نظام ثابت له طبيعته الخاصة.

ذلك أنه في الظروف العادية تكون الشريعة قادرة على التوازن بين الثروات وتوفير أفضل شروط النمو فيها من غير حاجة إلى تدخل الحاكم إلا ما تقتضيه طبيعة مهنته من حراسة ورعاية وتوجيه.

لكن عندما تمر بالمجتمع ظروف غير طبيعية، أي ظروف مرضية -شأن كل كائن حي يصح ويمرض- من حرب أو مجاعة أو كارثة طبيعية من فيضان أو آفة، تزداد في هذه الحالة دواعي تدخل الحاكم لمواجهة الموقف وتصحيح الأوضاع في نطاق الأصول الشرعية لهذا التدخل..

• وقد جاءت السنة الشريفة بسابقة عملية لم يكن سببها الحرب أو المجاعة، وإنما كان سببها التفاوت بين الدخول الناشئ عن طبيعة المجتمع الوليد في المدينة على أنقاض مجتمع جاهلي لم تنتهِ ضغوطه بعد.. ولكي تتضح الصورة يلزم الإشارة إلى الفترة السابقة على فعل الرسول لنرى فيها حكمة هذا الإجراء، ولننظر في احتمال وجوده مرة أخرى من عدمه..

1- ففي مكة المكرمة التي تعرض فيها المسلمون لكثير من العنت في أنفسهم وأموالهم، نزلت أول آية تعالج الوضع المالي بين المؤمنين بهذا الدين الجديد، وقد حثت على الإنفاق بصفة عامة بدون تفصيل حسبما تستوجبه الأخوة في الله في قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المزمل: 20).

2- لم يتجاوز التنظيم المالي هذا النطاق الأخوي الإيماني في العهد المكي، حتى إذا كانت الهجرة وإخراج المؤمنين من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ونزلوا على إخوانهم الأنصار بالمدينة، قامت من جديد أعظم صور التآخي إفاضة بالحب والإيثار استوجبت ثناء الله عليهم.. وفضلًا عن هذا الإخاء الذي قام بين كل اثنين من المهاجرين والأنصار، فقد أقام رسول الله درجة أكبر من التآخي بين القبائل والبطون من المؤمنين باعتبارهم أمة واحدة من دون الناس تتكافأ دماؤهم وأموالهم، يفدون عانيهم(2) بالمعروف، ولا يتركون بينهم مفرحًا(3) إلا أعانوه، ويتعاقلون(4) معاقلهم الأولى.. كما نظم التعامل بين هذه القبائل وبين اليهود الموجودين بالمدينة.. وقد حوى كتاب «الموادعة» نصوص هذه المعاهدة الفريدة التي لا غنى لداعية عن إدراك مراميها العظيمة..

3- ثم كانت السنة الثانية من الهجرة، وفيها نزلت تشريعات الزكاة فكانت الدستور المالي الدائم الذي يلبي حاجة الأمة مهما اتسعت رقعتها في الزمان والمكان، وكانت تتويجًا لكل ما سبقها..

4- ومع كل ما سبق.. وبعد نزول تشريع الزكاة، إلا أن أوضاع المسلمين المالية لم تكن قد أخذت شكلها المستمر والطبيعي بعد، وخاصة أوضاع المهاجرين على ما وسعهم إخوانهم الأنصار في ديارهم وأموالهم، فكان أحدهم يقول لأخيه: «أبقِ عليك مالك، وليبارك لك الله فيه ودلني على السوق».. وقد استمرت هذه الحال حتى فتح خيبر سنة 6 هـ، ففي هذا التاريخ فقط «كان المسلمون قد استوفوا العاملين، فكل مزارع له أرض وكل عامل له عمل»(5).

5- وهنا يمكننا فهم ما قام به الرسول من توزيع الفيء من غزوة بني النضير سنة 4 هـ على المهاجرين فقط واثنين من فقراء الأنصار، ليحقق بذلك تقاربًا في الثروات وتوازنًا في الملكيات بين هذين الفريقين اللذين يتألف منهما أول مجتمع إسلامي.. ففهم هذا الإجراء يكمن في استمرار الظروف غير الطبيعية التي سببت التفاوت المالي بالرغم من نزول تشريعات الزكاة سنة 2 هـ. وقد قال الرسول للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم، ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة»، فقالت الأنصار بلغة الحب والإيمان: «بل نقسم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها»، فدعا لهم رسول الله بخير، وفي هذا نزل قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 7-9).

• وفيما عدا هذه الحالة لم نجد أن الرسول قد لجأ إلى مثل هذا الإجراء مرة أخرى؛ حيث أثبتت تشريعات الزكاة فاعليتها بتوفير الطاقة لحركة الجسم السليم.. اللهم إلا عندما تعرض هذا الجسم الفتي لامتحان جديد في حروب الفتوحات، ووجد عمر بن الخطاب الهدى في آيات سورة الحشر مرة أخرى لمواجهة الواقع المالي الجديد، مما أوجد نظام الخراج على ما سنبينه في موضعه إن شاء الله.. وقد انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وبين أيدينا شريعة السماء العادلة التي لا يتولد عنها أي خلل في حركة الثروات المشروعة لو التزمنا حدود الله في حركتها، ولو خلت الحياة من مواقف الفتن بالحروب والأقدار كالفيضانات والبراكين والآفات التي تخل بالتوازن في بيئة من البيئات.. وعبء جديد أسهمنا في وجوده هو ما خلفه الاستعمار على أرضنا من فقر وحرمان، ومن تعطيل يكاد يكون كاملًا للشريعة..

• ولم تخلُ حياة المسلمين بعد الرسول من أمثال هذه الأقدار، كالمجاعة في عهد عمر بن الخطاب وحروب الفتوحات.. وقد كانوا يواجهون الأمر بروح الشريعة وأصولها.. وقد هيأت التربية الإيمانية النفوس لتقبل التبعات في مواجهة هذه الأقدار بما بثته فيها من أن المال مال الله وأنه تعالى هو المالك على الحقيقة، وكان هذا المعنى الإيماني الشامل يحيط بالمعنى القانوني المحدود لمفهوم الملكية ولكنه لا يقلل من قيمته ولا يلغيه كما قد يتوهم البعض.. ومن هنا ينفرد الإسلام بأنه النظام الوحيد الذي يثق في الفرد ولا يطارده بل يحرك فيه دوافعه الذاتية، وقد أتى المسلمون في كل ذلك بالعجب، وهي درجة من رقي الإنسان لا تحلم البشرية بها بعيدًا عن هداية السماء، أما إثارة الأحقاد والضغائن فلا تخلف إلا الآثار السيئة حتى في نفوس المنتفعين من ورائها.. والنفس البشرية تأتي بالمعجزات لو حركها الإيمان والحب، يجهل ذلك من يجهل النفس البشرية ولا يثق بها.. ولا غرابة في الأمر؛ ففي عصرنا الحاضر نأخذ هذا الدرس من أحد الهنود.. «إنه فينوبا بافي زميل غاندي الذي مر على القرى بالهند واعتمد على قوة الإقناع في دفع الأغنياء إلى التنازل عن جزء من أراضيهم حتى نجح في توفير 12 مليونًا من الأفدنة بهذا الأسلوب، وكان يسمى دعوته بهودان أي التنازل مختارًا عما يزيد عن الحاجة»(6).

فإذا علمنا أن قانون الإصلاح الزراعي في مصر -الذي أوقع البلاد في صراعات وملأها بالمعتقلات- طبق على نصف مليون فدان، أدركنا مقدار جهل الإنسان بمفاتيح الحلول..

• ومع هذا فإني أرى فيما فعله الرسول عمقًا آخر، حيث لم ينمُ سوى العوامل الأخوية في الفترة السابقة على غزوة بني النضير ولم يتعرض فيها لمال أحد، وإنما اعتمد على مال الفيء الذي لم يوجف عليه أحد بخيل ولا ركاب، فخصصه للمهاجرين واثنين من الفقراء من الأنصار.. ولو كان قد قسم أموال الأنصار بينهم وبين المهاجرين لما وجد منهم إلا الترحيب ولكنه لم يفعل، ولم يتوانوا بدورهم عن كل بذل، والكسب من وراء ذلك كله إنساني ونفسي في الدرجة الأولى وإن تأخر الكسب المادي حتى غزوة بني النضير.

• هذا كله فيما يتعلق بمصادر التملك، أما فيما يتعلق بالأعباء أو التكاليف التي تتحملها الملكيات علاوة على الزكاة المقررة شرعًا لمواجهة هذه الضرورات الاجتماعية ريثما تندفع، فلها هي الأخرى وجودها وموازينها التي تبعدها عن صورة الضرائب الدائمة، وسيأتي الكلام عنها في موضوع الزكاة.

ب- أداء حقوق السير «الزكاة»: وأخص ما تتمثل هذه الحقوق في فريضة الزكاة التي تعرف شرعًا بأنها «مقدار محدود من مال مخصوص يصرف لطوائف معينة من الناس». وهي تقوم بدور كبير متعدد الآثار في ميدان النفس والمجتمع والثروة.

• أما في ميدان الثروة -وهي أول ما يهمنا في تشريعات المال- فإنها تبث فيها الحركة وتحد من تضخمها وتؤدي إلى عدالة التوزيع مما يسبب دوام التنمية ويبعد شبح الأزمات..

• وقد أفصح التعريف اللغوي لها عن هذه الحقيقة: فالزكاة في اللغة هي النماء والبركة وزيادة الخير، وهي أيضًا التطهير.. وهذا التعريف صورة وصفية للواقع وترجمة لما يؤول إليه حال المجتمع حين يلتزم تشريعها الحكيم..

• فالزكاة في عبارة موجزة طهرة للنفس والمال مصداق قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: 103).

• والزكاة صدقة، والصدقة زكاة، يفترق الاسم ويتفق المسمى.. وهو مشتق من تبادل الصدق: فالذي يدفع الزكاة مصدق والذي يحصلها مصدق.

مقدارها: والزكاة تفرض على أربعة أنواع من الثروة:

1.      الزروع والثمار.

2.      الأنعام.

3.      الذهب والفضة «النقدين».

4.      عروض التجارة.

• ونصاب الزكاة: في الإبل 5، وفي البقر 30، وفي الغنم 40، وفي الزرع 5 أوسق أي 300 صاع أي ما يوازي أربعة أرادب وسدس أردب، وفي النقدين والتجارة ما يوازي 530 جـ مقدرًا بالعملة المصرية..

• والحصة المفروضة على النصاب تبدأ من 2.5% على الأموال، وتصعد إلى 5% على الإنتاج الزراعي الذي يتطلب جهدًا في ريه، ثم 10% على الإنتاج الزراعي الذي يروى بدون جهد، ثم 20% في الركاز الذي ينال من غير جهد؛ فالحصة تتناسب تناسبًا عكسيًا مع الجهد المبذول في الإنتاج، كلما زاد الجهد قلت الحصة المفروضة، وكلما قل الجهد زادت الحصة المفروضة.

أما الحصة المفروضة على الثروة الحيوانية فهي ذات تصاعد معكوس.. ويلاحظ أن زكاة الزرع أكبر من مقدارها في الأموال المنقولة لأنها في الأخيرة تؤخذ من رأس المال والنماء، أما في الزروع فإنها لا تؤخذ إلا من النماء.. ولا ثِنى في الزكاة لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا ثِنى في الصدقة».

• ولأدائها يلزم توفر شروط:

1.      الملك التام.

2.      القابلية للنماء.

3.      النصاب المعين.

4.      مضي الحول.

5.      الفضل عن الحاجة الأصلية.

• ويكون المال قابلًا للنماء بنفسه أو بالعمل فيه، وليس الشرط أن ينمو فعلًا، وحيث إن علة الزكاة هي النماء فتقديرها في «الخارج» بتحقق النماء بالحصاد، وفي الأموال بحولين الحول، واشتراط الحول سببه أن النمو يتحقق فيها غالبًا فأقيم السبب الظاهر -وهو الحول- مقام المسبب وهو النمو.

• والزكاة حق المال تلزم صاحبه حال الحياة ولا تسقط بموته حيث تؤدى من تركة المتوفى كدين الآدمي، ودين الله أحق بالأداء، وعند الجمهور تجب من مال الصبي والمجنون.

والأموال التي تفرض عليها الزكاة تنقسم إلى أموال ظاهرة وأموال باطنة؛ فالظاهرة هي ما لا يمكن إخفاؤها كالزروع والثمار والأنعام، والباطنة ما أمكن إخفاؤها كالنقدين وعروض التجارة..

(1) كتاب «حقوق الإنسان» لآدم سميث ص 80.

(2) أسيراً لهم.

(3) مجهودًا بدين أو حاجة.

(4) يشتركون في دفع الدية.

(5) بناء الاقتصاد الإسلامي لزيد أبو المكارم ص 147.

(6) ملحق الأهرام 28 - 9 - 1962.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 20

122

الثلاثاء 28-يوليو-1970

إلى العمال - العدد 20

نشر في العدد 18

102

الثلاثاء 14-يوليو-1970

من بيان ‎25‏ يونيو ‎1970

نشر في العدد 34

128

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

لعقلك وقلبك (34)