; الحركات الإسلامية وتحرير فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان الحركات الإسلامية وتحرير فلسطين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1980

مشاهدات 77

نشر في العدد 486

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 24-يونيو-1980

تحرير فلسطين لم يعد مسألة سهلة كما كان يصورها بطل هزيمة الخامس من «حزيران»- يونيو- في إذاعات القاهرة وصحافتها والمرافق الإعلامية الأخرى.

  • فالقضية في حجمها أكبر بكثير من الزعامات التي مكثت سنين طويلة تبني قصورها الهرمية من رؤوس الشهداء.
  • وفلسطين ليست رمزًا لصنع الشعارات الحزبية الجوفاء التي ما زالت ترسم بالدم على المذبح الفلسطيني أكذوبة الوحدة والحرية والاشتراكية.
  • والدعوات الإقليمية العنصرية كالقومية السورية والقومية المصرية الفرعونية كلها دعوات وجدت مرتع نمائها الخصب في مستنقع القضية؛ الأمر الذي يفقد هذه الدعوات أو إحداها فاعلية الحل والخلاص.
  • أما الطائفية اللإسلامية وما أدراك شرها فهي مشغولة بنفسها من ناحية، وشاغلة الناس بوجودها الذي يشبه وجود السرطان في الجسم الإنساني، وما وجود الأقباط في مصر مثلًا إلا شاهد على هذا الوجود السرطاني الخبيث في جسم مصر وجسم الأمة العربية والإسلامية الكبرى.
  • وإذا كانت المآسي والنكبات التي حلت بشعبنا المسلم في فلسطين ومن ثم الأراضي العربية المحتلة هي نتيجة من نتائج مسلسل طويل من مؤامرات الدول الكبرى إلا أنه يجب في البدء تحديد مسؤولية عملاء هذه الدول من حكام الدول العربية، منذ بدء المؤامرة وحين تجسدت في الكيان اليهودي المسخ عام ١٩٤٨. ولعل خطوط المسؤولية الواقعة على عاتق حكام الشعوب العربية منذ بدء المأساة تتضح في الخطوط التالية:
  1.  التبعية والعمالة للأجنبي، والقارئ غني عن التعريف بمواقع أولئك الحكام على هذا الخط بدءًا بالملك فاروق الذي قدم الأسلحة البريطانية الفاسدة لشعب مصر المسلم تحت اسم التحرير لتنعكس رصاصات البنادق إلى صدور حامليها.
  2.  ديكتاتورية الحكم والبعد عن الشعب وكبت الحريات، وهذا الخط هو الذي أكمل واقع المؤامرة على الشعب المسلم لصرفه عن قضيته في فلسطين وإشغاله بواقع الإرهاب المر الذي جعل المسلمين في بعض أقطار العرب يسكتون أمام ممارسات نهب الأموال واستباحة الحرمات.
  3.  اللا إسلامية في التشريع، أما هذا الخط فهو جوهر المؤامرة الكبرى على عالمناالإسلامي، وتبدو قضية فلسطين في منظور البعض جزءًا صغيرًا من المؤامرة الكبرى التي باعت البلاد الإسلامية لأهل الكفر خلال التشريع اللا إسلامي الحاكم في جميع عواصم الأمة الإسلامية.

هكذا تتحدد مسؤولية حكام الأمة الإسلامية وهكذا وقعت الضحية فلسطين في أيدي أعداء الأمة بينما المتآمرون على شعوبهم يمضون بالكيد للإسلام وأهله بجميع وسائل الإعلام الكاذبة وشتى أنواع الإرهاب وكبت الحريات حتى خيم على المنطقة الإسلامية صمت رهيب يكاد يسدل ستائر النسيان على جرائمهم البشعة، وإزاء هذا الواقع لا بد من انطلاق الألسنة الصادقة لتحديد الموقف وبيان السبل القويمة لاستعادة الحق الذي أضاعه مزاج السلاطين.

الإسلاميون وفلسطين:

منذ البدء كشف أصحاب الاتجاه الديني الإسلامي عناصر المؤامرة على فلسطين وأعدوا العدة للحيلولة دون اغتصابها لأنهم كانوا يعلمون ما يبيته اليهود للعالم الإسلامي، ومن أجل هذا:

  • خاض عز الدين القسام- وهو زعيم مسلم- في معمعة السلاح حربًا كان من شأنها تأجيل إعلان المؤامرة حقبة من الزمن امتدت من أواسط الثلاثينيات حتى منتهى الأربعينيات.
  • وخاض الشيخ عبد القادر الحسيني المعركة نفسها متشعبة على جبهات ثلاث «جبهة الأنظمة المتهاونة- وجبهة الاتجاهات اللا إسلامية- وجبهة اليهود». ولم يكتفِ هذان القائدان بالحرب الإعلامية فقد كرسا جهودهما لوضع القضية في مكانها وتمكن كل منهما على التوالي من بلوغ الحشد الجماهيري المسلح لخوض المعركة ضد المتآمر الدولي والمتآمر العميل واليهود. وكانت سلسلة من المواجهات شهدت للحركة الإسلامية في فلسطين بالجدية والرغبة الصادقة في التحرير وتخليص الأراضي المقدسة من أعداء هذه الأمة «اليهود».

بيد أنه عندما دقت ساعة المواجهة مع اليهود عند إعلانهم عن الدولة المسخ على أرض فلسطين عام ١٩٤٨ لم تعد دعوة الإسلاميين للجهاد وتحرير فلسطين دعوة محلية وإنما تجاوزت ذلك بحسب المنطق الإسلامي في الجهاد فتشكلت الكتائب الإسلامية المنظمة لخوض معركة جادة غير تلك التي كانت تريدها الأنظمة العميلة وكان للإخوان المسلمين دور أصيل بارز في تلك الحرب ولا أدل على ذلك من الكتائب التي تم تشكيلها من عناصر إخوانية داخل مصر بقيادة أحد قادة الإخوان والتي عرفت على أرض فلسطين بكتائب الشيخ الفرغلي رحمه الله تلك التي أبلت أحسن البلاء في محاربة العدو؛ الأمر الذي دعا حكومة الملك فاروق إلى الضغط على هؤلاء الرجال الأشداء في محاولة لإبعادهم عن المعركة بعد أن شهد كل من اليهود والإنجليز بأن المقاتلين هم رجال الفرغلي «والحق ما شهدت به الأعداء».

الإسلاميون والحلول المطروحة:

جميع الإسلاميين أعلنوا رفضهم لجميع الحلول الرسمية المطروحة على الصعيد السياسي منذ بدء القضية، ورجال الحركة الإسلامية في عالمنا المسلم- حتى اللحظة- يرفضون كل طرح لا يعتمد في عناصره على الرؤية الإسلامية في حل هذه المشكلة.

وإذا كانت تطورات قضية فلسطين وما يسمى الآن بأزمة الشرق الأوسط قد أضافت إلى المسألة مئات العقد بل آلافها فإن الإسلاميين يعرفون تمامًا أن هذه العقد بمجملها تبدو هباء منثورًا أمام الحل الإسلامي الذي يصرون على أنه هو الحل الوحيد لمشكلة هذه الأمة مع اليهود.

ولما كنا في العددين الماضيين قد طرحنا رأينا بحقيقة اليهود الذين سماهم بعض حكام العرب «أبناء العمومة» وبينَّا حكم الله في الصلح معهم فإننا في محاولة لأخذ البعض إلى الطريق الأسلم الذي يرضى عنه الله ويرضى عنه المسلمون نطرح هنا الحلول التي ما زالت الحركات الإسلامية تطرحها على الساحة الفلسطينية وإذا بدت هذه الحلول مختلفة في أشكالها فإن المبدأ واحد والهدف المنشود واحد يقيم ذلك كله استراتيجية إسلامية واحدة قائمة على مبدأ الدعوة إلى الجهاد الإسلامي بمفهومه القرآني الصحيح الجهاد بالنفس والمال معًا من أجل إعادة راية الإسلام الناصعة الخالية من شوائب الدعوات الأخرى.

أشكال الحل الإسلامي:

  • يرى بعض أصحاب الاتجاهات الإسلامية المعاصرة أنه بناء على اقتران القوة بالنظام في التركيبات الحكومية المعاصرة فلا بد من إيجاد النظام الإسلامي الحاكم على بقعة من الأرض الإسلامية الواسعة يقام فيها حكم الله أولًا، ومن ثم يقوم النظام الإسلامي الصحيح في الحكم والإعداد بإتاحة وجود القاعدة المجاهدة الصلبة، ومن ثم يتوجه هذا الإعداد لتحرير الأرض المحتلة من اليهود الغاصبين ولعل انتباه القوى الدولية المتآمرة على فلسطين هو الذي يعمل على تأخير بل إعاقة قيام النظام الإسلامي على بقعة من الأرض الإسلامية لمعرفته بالخطر الناجم عن قيام مثل هذا النظام.
  • بينما يرى فريق آخر من أصحاب الاتجاه الإسلامي أن تحرير فلسطين يمكن أن يقتصر على أبناء الحركة الإسلامية ومؤيديها دون النظر إلى دور النظام والحكم في هذا الموضوع وتقتضي نظرية هؤلاء بإعداد كتائب إسلامية مستقلة مهمتها الإعداد الذاتي لدخول معركة شعبية مع اليهود لا يكون لها علاقة بالأنظمة الحاكمة في العالمين العربي والإسلامي.
  • وثمة فريق ثالث يدعو إلى تجنيد الشباب المسلم وطاقاته والعمل على دمجه بالمنظمات الفدائية العاملة في الأرض المحتلة بينما يرى بعض أنصار هذا الاتجاه أن يبقى التنسيق بين المجاهدين المسلمين والمنظمات الفدائية على مستوى القيادة فحسب على أن تبقى القواعد الإسلامية العاملة داخل الأرض المحتلة مستقلة في عملها عن قواعد المنظمات الفدائية من حيث التكتيك والكر على العدو الغاصب.

وإذا كان ثمة خلاف بين هذه الاتجاهات الحركية والثورية الإسلامية في الأشكال والتكتيك العسكري فإن الحركات الإسلامية جمعاء مدعوة اليوم إلى بذل أقصى الجهد لطرح الاستراتيجية الموحدة في المرحلة الثانية التي هي مرحلة التحرير، فثمة أناس لا يرون ضيرًا في اختلاف الأشكال المطروحة بل إنهم يرون فيها ما يكمل بعضها بعضًا؛ الأمر الذي يدعو الزعامات الإسلامية داخل الحركة الإسلامية الدولة إلى التفاؤل بتحرير الأرض المغتصبة وإذا خلصت النية وصدقها العمل فإن الإجابة الإلهية والنصر الرباني على الأبواب إن شاء الله ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج: ٤٠) صدق الله العظيم.

الرابط المختصر :