; الحركات الإسلامية في تركستان الشرقية | مجلة المجتمع

العنوان الحركات الإسلامية في تركستان الشرقية

الكاتب توختي آخون أر كين

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1997

مشاهدات 68

نشر في العدد 1241

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 11-مارس-1997

 

في 5 فبراير ۱۹۹٥م نشرت جريدة شينجانغ الرسمية أن الجيش الصيني الشعبي قد قضى على أكثر من عشر حركات وطنية ودينية في تركستان الشرقية في عام١٩٩٤م، وهذه الحركات الوطنية التي تعترف السلطات الوطنية بأنها حركات تحررية تهدف إلى فصل تركستان الشرقية عن الصين، وهي مع كثرتها وانتشارها وتعدد أماكنها يصعب تسجيلها وشرح تفاصيل أحداثها، علاوة على أن الأجهزة الصينية حريصة على التكتم وفرض السرية على أخبارها، ومنع تسربها إلى الخارج، بل ومنع انتشار أنبائها في الداخل، حتى تنفرد بما تريد تقديمه وتوضيحه إلى الناس، ولكن المسلمين رغم سياسة التزوير والتزييف التي يعيشونها يسجلون الحقائق من قراءة التصريحات الرسمية ومحاضر الاجتماعات الحزبية، وهي في الواقع لا تعالج إلا ما تسرب من خبرها وأخفق كتمها.

 ومع أوائل عام ۱۹۹۰م بدأ المراسلون يشيرون إلى أن الصين أخذت تعلن عن إجراءات صارمة وقاسية ضد تزايد النشاط الديني والحركات الانفصالية التي أخذت تتفاقم بسبب التغيرات الدولية في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية. ومن ذلك ما ذكره مراسل «رويتر»، عن تصريح لإسماعيل أحمد وزير شؤون القوميات من. احتمال اندلاع مشاكل عرقية في الصين في ١٤ فبراير عام ۱۹۹۰م، كما نقل مراسل «أسپوشیتید برس» عن دعوة زعماء الصين إلى وحدة القوميات في ١٦ فبراير عام ١٩٩٠م، ثم كتب نيكولاس كريستوف في «نيويورك تايمز» الأمريكية مقالاً بعنوان: رئيس وزراء الصين يدعو إلى الاحتراز من حركات الانفصال العرقية في ٢٠ فبراير عام ١٩٩٠م، ثم ظهر في جريدة « الفارس والخيال»، مقالاً تحت عنوان: الصين تواجه اضطرابًا في التبت وشينجانغ في ١٠ مارس ١٩٩٠م، ثم نقل مراسل وكالة الأنباء الفرنسية في ١٤ مارس عام ١٩٩٠م خبرًا عن إجراء صارم ضد الأصوليين المسلمين، جاء فيه نقلا عن صحيفة «شينجانغ، الرسمية الصادرة في أورومجي بتاريخ ٨ من مارس عام١٩٩٤م. أن رئيس حكومة مقاطعة شينجانغ تيمور دوامت شن هجومًا على القوى الأجنبية التي تعمل على فصل تركستان الشرقية عن الصين، ودعا إلى اتخاذ تدابير شديدة وتشكيل لجنة عليا تعملُ على منع تدخل القوى الدينية المعادية من الخارج، ونشرت الصحيفة المذكورة تقريرًا لحكومة تيمور دوامت عما أسمته بإيقاف جميع النشاطات الدينية غير القانونية، وتشديد سيطرة السلطات الشيوعية على الدين، ومنع تدخله في الإدارة والقضاء والتعليم والثقافة والصحة والأحوال الشخصية.

 وهذه الأنباء كانت تؤكد أن حكومة الصين تحضر الرأي العام المحلي الإجراء صارم ضد حركة النشاط الإسلامي، التي فشلت المضايقات والضغوط المعنوية في إيقافها في تركستان الشرقية، فالتركستانيون لا يعتبرون الإسلام دينًا فحسب، بل يعتبرونه هويتهم الذاتية وكيانهم الوطني الذي يحميهم من الذوبان في سياسة التصبين العرقي والثقافي، وزعيم الحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة شينجانغ سونغ خان ليانغ كلمته التي ألقاها في الاجتماع الدوري الثالث عشر للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في (أورومجي) في ٢٧ مارس عام ۱۹۹۰م، هدد باستعمال القوة لوقف جميع النشاطات الدينية التي اعتبرها غير قانونية، وكذلك الحركات الوطنية التي أخذ التركستانيون يعيدون تنظيمها في ظل المتغيرات الدولية. ولم ينقض أسبوع واحد على التهديد الصيني بالضرب بيد من حديد على المسلمين والذي صادف يومهم الأول من شهر الصوم المبارك حتى بدأ الأسبوع الثاني بتحرش شيوعي ضد المسلمين إذ منعت السلطات الشيوعية بناء مسجد قرية جيكي، في بلدة «بارين»، التابعة لمحافظة «أقتوفي كاشغر»، وعندما رفض المسلمون ذلك انتهز كل من مساعد رئيس اللجنة الشيوعية ومساعد مدير شرطة محافظة أقتو لجمع مائتي مسلم لأداء صلاة العشاء والتراويح في الأرض التي يقام عليها المسجد المذكور، وطلب منهم إيقاف بناء المسجد وعدم التجمع لأداء الصلاة في المكان، وذلك في يوم الأربعاء التاسع من شهر رمضان المبارك عام ١٤١٠هـ ـ الموافق الرابع من إبريل عام ١٩٩٠م. وأخذا معهما بالقوة الإمام عيسى مولا.

ردود فعل غاضبة

وقد أثار هذا التصرف الشيوعي الحاقد غير المسلمين، فذهب جماعة منهم إلى مقر محافظة بلدة أقتو، مطالبين بإطلاق سراح إمامهم، وتمكينهم من ممارسة حقوقهم الدينية، وأدوا صلاة الفجر أمام مقر محافظة أقتو، وصباح يوم الخميس العاشر من رمضان المبارك لعام ١٤١٠هـ طلب مساعد رئيس اللجنة الشيوعية لمحافظة بلدة أقتو من رئيس لجنة الحزب الشيوعي في حكومة قنريل سواوبلاست نيوبينغ شنغ إرسال قوة عسكرية لفض هذا التجمع.

 وتواصلت الإمدادات العسكرية من مختلف قطاعات الجيش والشرطة ومليشيات جيش الإنتاج، وحاصرت هذه القوات الشيوعية المسلمين العزل، وقبضت على جمال محمد و ۱۹ آخرين من وجهاء المسلمين، مما أثار ثائرة المسلمين الذين اشتبكوا مع هذه القوات، وتمكَّنوا من أسر بعض رجال الأمن واغتنام أسلحتهم، كما اعترض جماعة من المسلمين طريق قواد فرقة سلاح الحدود في محافظة أقتو، وقتلوهم واستولوا على أسلحتهم وسيارتهم، كما اعترض المسلمون طريق مساعد رئيس الفرقة ومساعد محافظ قيزيل وقاموا بأسرهما، والاستيلاء على السيارة التي كانا يستقلانها وما كان بحوزتهما من سلاح، وقد أدت هذه الأحداث إلى سقوط عدد كبير من المسلمين العزل قتلى وتزايد عدد المصابين، ورغب المسلمون في معالجة الوضع وحقن الدماء، فطالب متحدثهم زين الدين يوسف بإطلاق سراح المعتقلين من الطرفين، وتهدئة الأمور، ولما رفض المسؤولون إطلاق سراح الذين احتجزوهم وعندئذ طلب المسلمون المتظاهرون مقابلة المسؤولين المدنيين من رجال الحكومة والحزب الشيوعي الصيني؛ لبحث المشكلة معهم، ولكن هذا الطلب رفض أيضًا واستمرت المناوشات بين الطرفين، والتي قتل فيها زين الدين يوسف؛ مما أدى إلى ازدياد ثورة المسلمين في الوقت الذي استدعى فيه الحزب الشيوعي مزيد من القوات من قاعدة لانجو الحربية بقيادة لي شوه ن خوا، والجنرال دونغ جين لين نائب قائد القاعدة الحربية، كما وصل إليها من بكين قائد الجناح العسكري في الحزب الشيوعي الصيني المركزي الجنرال وانغ وين لي، ورئيس الإدارة الأولى في وزارة الأمن والمباحث العامة سونغ جي ول. وقدرت هذه القوات المنقولة بأكثر من عشرين ألف فرد، وهي تكفي لغزو عسكري، وإشعال حروب ضارية مع جيش يماثلها في القوة، وليس مع مسلمين لا يحملون سوى السكاكين والفؤوس والعصي، ولا يتجاوز عددهم 19 ألفا و ٩٦٥ نسمة حسب إحصائياتهم الرسمية.

حملات الاعتقال

وقد قامت هذه القوات بهجوم كاسح على قرية بارین وبلدة أقتو وما جاورها، في صباح يوم الجمعة أبريل ۱۹۹۰م، وقامت بتفتيش المنطقة كلها، واعتقلت ٦ آلاف و ٤٩٠ شخصًا من أهالي محافظة بلدة أقتو، وبدأ سلاح الجو الصيني يتعقب المسلمين الهاربين من مكان إلى مكان، وأعلنت حالة الطوارئ في جنوب تركستان الشرقية كلها لاعتقال كل شاب يشتبه في تمسكه بالإسلام، ولا شك أن هذه الإجراءات العسكرية بثت الرعب والخوف بين المسلمين، وخاصة بين طلاب العلم الشرعي، الذين يدرسون في المساجد، فهرب بعضهم إلى القرى والجبال، وحاول بعضهم أن يلتجئ إلى أفغانستان وباكستان، وألقت القوات الصـــينية الــقبض على أكثر من ألفي شــــاب في( كاشفر وينكي حصار وقار غليق وخوتن وكوجار)، وسجنوا بتهمة العمل الإسلامي، والانتماء إلى الحزب الإسلامي الديمقراطي في تركستان الشرقية، ثم أعلنت السلطات الشيوعية عن نتائج حملتها العسكرية، حيث أعلنت عن سقوط ٢٣ قتيلاً منهم ٨ من الجنود و١٥ من المسلمين و ٦٦جريحًا من الطرفين، وتفيد أقوال المواطنين أن أعداد القتلى الحقيقية من المسلمين هو 60 قتيلاً، وأما الجرحى والمصابون منهم فلا حصر لهم، ونشرت الحكومة الصينية تخليداً لموتاها كتابًا باسم « الأبطال ضحايا تهدئة الاضطراب، سردت فيه السير الذاتية لحياة الأشخاص الثمانية من رجال الشرطة والأمن والجيش الصيني الذين قتلوا.

 أدرك المسلمون حقيقة الممارسات التي تطبقها السلطات الشيوعية ضدهم، والتي أشار إلى بعضها سونغ خان،ليانغ، رئيس الحزب الشيوعي الصيني في تركستان الشرقية نفسه من طغيان الإلحاد الماركسي على المسلمين بالضغوط المعنوية والمادية، وسياسة تحديد النسل التي أدت إلى إجهاض ٢٥٠ امرأة لجنينها بالقوة في قرية بارين وحدها والتهجير الصيني المكثف إلى بلادهم، وما صاحب ذلك من حرمان حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والسياسية في بلادهم التي منیت بالاحتلال الصيني، هذه الممارسات الجائرة دفعت المسلمين إلى التفكير في مقاومتها، وإنقاذ أرواحهم وبلادهم من الاستبداد الصيني، وكان الحافز إلى تأسيس حزب سياسي يعبر عن آلامهم وآمالهم وطموحاتهم، حيث تكون الحزب الإسلامي الديمقراطي لتركستان الشرقية، عقب حركة الشباب الإسلامي، التي تفجرت في أورومجي في 19 مايو عام ١٩٨٩م، ولا يعرف حتى الآن حسب اعتراف الأجهزة الصينية شيئًا عن زعماء هذا الحزب الرئيسيين، أو نشاطه وحركاته، ولكنها ألقت القبض على ۸۰ شخصًا من أعضائه والعاملين في فروعه، ومن ذلك فرعه في بلدة أقتو. حيث كان يترأسه الشهيد جمال محمد، وكان تكوينه الإداري كالآتي:

 الشهيد زين الدين يوسف - رئيس الحزب الإسلامي الديمقراطي.

 عبد الغني تورسون ، نائب الرئيس الشهيد.

 جمال محمد الأمين العام.

 عبد الأحد تلو الدي - مسؤول العلاقات العامة.

 تروغون ساقي - مساعد مسؤول العلاقات العامة.

 أبو القاسم إبراهيم - مسؤول التنظيم.

 إسحاق عاشور - مسؤول المالية.

 رحمة الله جان أحمد . مسؤول التموين.

 عبد الله تردي - مسؤول عن علاقات الأعضاء.

محمد ترسون - منسق علاقات الأفراد.

 ومعظم هؤلاء خريجو مدرسة أئمة المساجد، وقد اتهمتهم السلطات الصينية بالإخلاص لدينهم، والدعوة إليه ومقاومة النظام الإلحادي، الذي يفرضه الشيوعيون عليهم في التعليم والأحوال الشخصية لإخراج المسلمين عن دينهم.

وعمل أعضاء هذا الحزب الإسلامي الديمقراطي بالدعوة إلى اتباع تعاليم الدين الحنيف بالحسنى، وكان مسجد قرية نور هو مركز أعمالهم، خاصة بعد أن تم تركيب مكبر الصوت في مئذنته، وهم يطالبون المسلمين بالصوم وإغلاق المطاعم واحترام مشاعر الصائمين، كما اتهمتهم السلطات الشيوعية بالتخطيط لعمل عسكري بهدف إقامة حكم إسلامي في منطقة أقتو.

 وهكذا .. ومع أن هذه الانتفاضة الإسلامية الوطنية بقدراتها المحدودة لم يتعد نشاطها قرية نائية في أقصى شمال غرب تركستان الشرقية، إلا أن وحشية القوات الشيوعية في قمعها وانتقامها من أهالي محافظة أقتو الفلاحين الضعفاء المسالمين بالعنف والجبروت فاقت كل حد فقد بلغ عدد المعتقلين ٦ آلاف و ٤٩٠ نسمة، وهي نسبة تزيد: على ٣٠ من جملة سكان محافظة أقتو البالغ عددهم١٩ ألفًا و٦٩٥ نسمة، وهو ما أثار سخط المسلمين في( كاشغر وخوتن وكوجار وأقسو وأيلي)، وهو ما أدى إلى استمرار الأحكام العرفية ضد علماء المسلمين، واستمرت الاعتقالات العشوائية، وأغلقت المساجد والمدارس الإسلامية، ثم أعلنت الأرقام المزورة عن عــدد القتلى ٢٣ قتيلاً، و ٦٠ جريحاً من الطرفين، وبلغ عدد المعتقلين من الأهالي أكثر من ۲۰۰۰ شخص.

مخاوف الصينيين

وقد أثارت هذه الحركة الإسلامية مع صغر حجمها ومحدوديتها، مخاوف الصينيين كثيرًا، مع أنهم هم الذين أثاروها باستفزازاتهم لمشاعر المسلمين، كما أكدها الأجانب المتواجدون حينذاك في أورومجي عاصمة تركستان الشرقية، ورأى المسؤولون أنَّها ثورة إسلامية شاملة اتحدت فيها قوى داخلية وخارجية، واتهمت حكومة شينجانغ المحلية جمعيات المهاجرين التركستانيين في تركيا، بينما توهم المسؤولون في حكومة الصين الشعبية المركزية أن تكون لها علاقات بالمجاهدين في أفغانستان و طاجیکستان، فاصطحب لي بينغ رئيس الوزراء الصيني، تيمور دوامت رئيس حكومة شینجانغ الذاتية في رحلته إلى روسيا فيما بين ٢٢ - ٢٦ أبريل عام ۱۹۹۰م، وذلك لبحث الموضوع مع المسؤولين الروس. وقال وانغ إينماو ـ المستشار الأول في حكومة شينجانغ الذاتية ورئيس الحزب الشيوعي الصيني السابق فيها في الاجتماع العام لأعضاء الحزب الشيوعي الصيني لمقاطعة تركستان الشرقية في ٢١ أبريل عام ١٩٩٠م: إن الحزب الإسلامي لتركستان الشرقية كان تنظيماً متكاملاً، يهدف إلى تنشيط الدعوة الإسلامية وإلغاء الحكم الشيوعي الصيني، وإنشاء جمهورية تركستان الشرقية، وهو تنظيم ذو امتداد تاريخي وشعبي يوحد نشاط المطالبين بالانفصال عن الصين داخليًّاً وخارجيًّا، ولابد ألا نستخف بذلك، هذه الحركات كانت ولا تزال موجودة، ولا يعني قمع ثورة بارين أن السلام والأمان استتب في تركستان الشرقية، بل يجب أن ندرك أن مثل هذا سيقع في كل مكان وزمان، ولابد من أخذ الحذر والاستعداد لقمع مثل هذه الثورات في المستقبل، وخاصة أن القوى الأجنبية تخطط على تغيير الصين بطريق السلم، وتركستان الشرقية هي أحد أهم النقاط في تنفيذ هذه السياسة.

أحكام سلطات الحكم الشيوعي الصيني

وقد كانت السلطات الصينية تحضر الرأي العام لإجراءات صارمة ضد ما وصفته بالنشاط الإسلامي المتنامي والحركات الانفصالية، ومع أنها تعرف أن الغضب الشعبي جاء نتيجة ممارساتها الجائرة، إلا أنها تريد أن يقبلها الشعب، ويتخلى عن حقوقه بالقوة، وهذا ما كان، فمثلاً قامت السلطات بنقل المهجرين الصينيين البوذيين بآلاف إلى مناطق المسلمين يحتلون منازلهم وأعمالهم، وسرحت المسلمين من أعمالهم، واستولت على أملاكهم ومنازلهم ومنحتها للمهجرين البوذيين، وهو ما أدى إلى انتشار البطالة والأمية والفقر والمرض بين المسلمين، ثم طلب من المسلمين قبول ذلك، تحت شعار( وحدة القوميات واتفاقها) والتي لا تعني سوى: أعط عملك ومنزلك إلى المهجر الصيني وجع وتشرد كي يموت المسلمون، وتبقى الأرض بدون أهلها، إذ إن الغاية هي أن تكون تركستان الشرقية أرضًاً صينية خالية من سكانها المسلمين.

 ولم يزد العنف الشيوعي وكبت الحريات الدينية الحركات الوطنية التركستانية إلا إصرارًا على مقاومة الحكم الشيوعي الصيني، وهو كما قال محرر نشرة «المسلمون السوفييت»: يبدو أن الحياة تحت التهديد الدائم بضياع الهوية جعل شعورهم القومي يقوى أكثر فأكثر. وقد أقسم التركستانيون بأغلظ الأيمان للدفاع عن هويتهم الوطنية والثقافية إلى أن يهلك آخر واحد منهم، كما أنهم عازمون على التخلص من الحكم الصيني الظالم، والصينيون أنفسهم يعترفون بتزايد الحركات الوطنية، ويحاولون تفسيرها بالمتغيرات الدولية التي حدثت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بهدف خداع الرأي العام، ولكن تقاريرهم تكشف مدى نزوع التركستانيين إلى الحرية والاستقلال، فمثلاً في مدينة (كاشغر) وحدها قام التركستانيون يرفع ٥٩٦ شعارًا مناهضًا للاحتلال الصيني خلال ۱۷۸ مرة فيما بين ۱۹۸۷ - ۱۹۸۹م. وفي تحليل لإحدى هذه الحركات اتضح أن عدد القائمين برفع الشعارات ۷۲ شخصًا، يتكونون من الفئات التالية:

 ـ أطفال لا يتجاوزون من العمر ١٥ عامًا: ١٦ طفلاً.

 ـ طلاب المدارس الابتدائية الثانوية: ٥٥ طالبًا.

ـ طلاب المعاهد: ٢٩ طالبًا.

ـ المدرسون وأعضاء النقابات: ۲۷ شخصًا.

ـ الأطفال الذين يقل أعمارهم عن ٢٠ عامًا يمثلون ۷۹.۲%.

 وهذا يثبت كما أكدت مصادر الشرطة الصينية أن الشباب المسلم هم أساس هذه الحركات الوطنية، مما يعني أنها لن تتوقف، وخاصة أن المشاركين فيها هم طلاب المدارس المعاهد والجامعات الحكومية التي تروج الفكر الشيوعي وتعاليم الحكم الصيني، لم يعد الأمر يقتصر على طلاب المساجد وحلقات القرآن الكريم، وهو ما يؤكد أيضًا أن الاستياء من استبداد الحكم الشيوعي الصيني هو استياء عام، رغم أن السلطات الصينية تحاول تبريرها، وإخفاءها وإرجاعها إلى جهات خارجية، بل إنها تكابر وتدعي أن هذه الحركات والانتفاضات لا تنتج عن استياء وطني أو ديني، ولكنها بعد كل حركة شعبية تصدر تعليمات تحارب العمل الإسلامي، وتؤكد أجهزتها أن الثائرين أو المتظاهرين يعربون عن غضبهم ضدّ عمليات التهجير الصيني إلى بلادهم، والابتزاز الاقتصادي لمواردها، وما يواجهونها من سياسة فرض الجهل والفقر والتخلف، وهي أمور أصبحت لا تخفى حتى على الرجل العادي، وغدت ظاهرة السخط العام سمة يومية في تركستان الشرقية، وقد فشلت ممارسات العنف والقتل والتعذيب الوحشي للمعتقلين، كما أن التواجد العسكري الضخم لرجال الجيش والشرطة ومليشيات جيش الإنتاج وانتشار المهجرين الصينيين وتسلطهم على مقاليد الحكم، حتى في الأرياف والقرى، لم ينجح في تهدئة الاضطرابات في تركستان الشرقية.

وفي ١٦ مارس ١٩٩٥م نقلت وكالة الأنباء العالمية في بكين تصريحاً لوانغ كوان القائم بأعمال الحزب الشيوعي الصيني في تركستان الشرقية «شينجانغ»، عن تنفيذ عدد قليل من الانفصاليين «التعبير المستخدم للإشارة إلى المسلمين الناشطين» هجمات متفرقة بالعبوات الناسفة في الإقليم المسلم الواقع في الغرب، لكن المسؤول الصيني زعم أن الإسلاميين لا يتمتعون إلا بقدر ضئيل من التأييد الشعبي، ومع ذلك اعترف المسؤول الصيني بأن الصين لديها معرفة طويلة بقمع الحركة المطالبة بالاستقلال في الإقليم الواقع على حدود عدد من جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية السابقة، وعلى حدود باكستان وأفغانستان، وأضاف هذه الحركة لا تتمتع بتأييد شعبي واسع النطاق في شينجانغ «تركستان الشرقية»، لكننا لا نستطيع أن نخمدها في وقت قصير.

الإعدام... بتهمة تأسيس حزب

 وفي ٢١ يونيو ١٩٩٥م نقلت وكالات الأنباء العالمية في بكين، نقلاً عن جريدة شينجانغ الرسمية الصادرة في أورومجي عاصمة تركستان الشرقية أن السلطات الصينية المحلية، أعدمت خمسة انفصاليين إسلاميين من أعضاء حزب الإصلاح الإسلامي المطالب باستقلال تركستان الشرقية بعد جلسة علنية للنطق بالحكم في ٣٠ مايو ١٩٩٥م. بتهمة تأسيس حزب الإصلاح الإسلامي لاستقلال تركستان الشرقية من الصين، وتنفيذ تفجيرات متفرقة في البلاد. وهكذا يُثبت الشعب التركستاني إصراره على مواصلة الكفاح المشروع لمقاومة الظلم والاضطهاد، وتحرير بلاده ووطنه في ربقة الاستعمار الصيني الذي ستبوء محاولاته بالفشل مهما اتصفت بالعنف والقسوة ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهَ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).

(*) كاتب ترکستانی متخصص في شؤون أسيا الوسطى.

الرابط المختصر :