; الحركات المستقبلية وإنهاض الأمة | مجلة المجتمع

العنوان الحركات المستقبلية وإنهاض الأمة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998

مشاهدات 79

نشر في العدد 1304

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 16-يونيو-1998

بعد انكسار الأمم وذهاب مجدها، وبعد غفوات الشعوب، وبعد أن تتوارى هويات الأمم تبرز في آفاقها أضواء آمال، وإرهاصات إصلاح، وبخاصة في تلك الشعوب التي لها تاريخ وفي صفحاتها أمجاد، فمثلًا بعد انهيار دولة الخلافة الإسلامية شعر المسلمون بالخطر الذي يهدد وجودهم وشريعتهم وعقيدتهم وحريتهم، وتأكد ذلك بما قام به الاستعمار من احتلال لمعظم الدول الإسلامية، وفرضه على شعوبها ثقافته وهويته ومحاولته المستميتة محو هويتها وعقيدتها وشريعتها، وقيامه بوأد حريتها وتكميم أفواهها وكان لا بُدَّ أن تسارع الشعوب بالدفاع عن حريتها وكرامتها واستقلالها، فقامت الحركة الإسلامية بهذا الدور، وما زالت تقوم به في كل ملمة وجائحة، وهذه حقيقة لا يستطيع أن يماري فيها مكابر، واستطاعت رغم حلوكة الأجواء ورغم حراب المستعمر ورغم عجز السلطات واستعمالها كدمى من قبل المحتل ورغم وجود أحزاب كرتونية تستعمل كواجهات لخدع الجماهير المسكينة أن تقوم بدور فاعل في وقف هذه الغزوة الكاسحة، وأن تحقق توازنًا، في الساحة القومية والإسلامية، وأن تحقق أهدافًا استراتيجية مهمة في ساحة العمل السياسي والاجتماعي والفكري، من تلك الأهداف:

1- مواجهة التيار الفكري الإلحادي الذي كان يفرضه الحكم العسكري، والذي كان يلقى دعمًا غير محدود، وتأييدًا حماسيًّا وعمليًّا لا يتوقف، لاقتلاع جذور الهوية الإسلامية والعقيدة الإيمانية التي تهدد دائمًا أعداء الإسلام، وتحول دون استغلالهم لثروات البلاد ونهب أقواتها.

 ۲- وقف تيار المذاهب الهدامة التي تدفقت على الأمة تريد تمزيقها وابتلاعها، وقد رفعت من الشعارات البراقة ما سلب ألباب البسطاء وأثلج صدور العملاء، ثم كرت على الإسلام ذاته كعقيدة، وفكر، ومنهاج، وسلت عليه السيوف، وأشرعت الحراب تريد هدمه كعقيدة وفكر ومنهاج حياة، واستطاعت بذهب المعز وسيفه أن تجيش كثيرًا من المثقفين وجملة من السياسيين وضعاف النفوس الذين ظنوا أن المادية الأوروبية مدنية، وأن الطعن في الإسلام تقدمية، وأفرز هذا الطفح الجرثومي أفكارًا ملوثة، وظنونًا متهافتة، منها:

أ- الإلحاد والشك في الله وإنكار الروح ونسيان الجزاء الأخروي والوقوف عند حدود الكون المادي المحسوس، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم:7).

ب- الإباحية والتهافت على اللذة والفتن والاستمتاع بالحرام، وإطلاق الغرائز من عقالها، وإشباع شهوتي البطن والفرج، وتجهيز المرأة بكل صنوف الفتن والمغريات والإغراق في الموبقات إغراقًا يحطم الجسوم والعقول، ويقضي على نظام الأسرة ويهدم سعادة البيوت.

ج- الأثرة الدميمة في الأفراد، فكل إنسان لا يريد الخير إلا لنفسه فقط وكل طبقة تتعالى على من سواها وتود أن تحظى بالمغانم دونها، وكذلك في الشعوب كل أمة تتعصب لجنسها وتنتقص غيرها، وتحاول أن تلتهم من هي أضعف منها.

 ٣- تجديد الفكر الإسلامي، والإصلاح الذاتي والداخلي، وإحياء روح الاجتهاد في الفقه الإسلامي مع الالتزام بالأصول الشرعية ومحاولة إنزال الشريعة على واقع الحياة العصرية، والحق أننا ما زلنا إلى حد كبير عالة على الخطوات الفكرية والجهود العملية التي بذلها أسلافنا المجددون في جميع العصور السابقة، ومن الحق أن نعرف أننا في هذا المجال نحتاج إلى وقت طويل، وجهد عظيم قام بجزء منه علماء الصحوة الإسلامية، وبقي أمامها جهد كبير ووقت مديد. 

 4- إحياء مشروع الوحدة الإسلامية، وقد كان هذا من أسس المشاريع الإسلامية التي تبنته الحركات الإسلامية، وعمل لها رواد الفكر الإسلامي، وبخاصة عندما انهارت الخلافة التي كانت رمزًا لوحدة المسلمين، وكانت درعًا حصينًا لهم، مهما كانت عيوب هذه الخلافة التي كان ممكنًا إصلاحها إذا صدقت النيات وبذلت الجهود المخلصة، والأوضاع العالمية اليوم قد نبهت المسلمين الحين وأيقظت الغافل والوسنان إلى أهمية تلك الوحدة التي تصد الغازي والطامع والمعتدي، ولأن الدول الصغيرة لم تعد قادرة على الدفاع عن نفسها أو بناء كيان اقتصادي ضخم يمكنها من مسايرة متطلبات العصر العسكرية والتكنولوجية والصناعية.

5- الفكر الإسلامي فكر تحرري ونهضوي فاعل يتحرق شوقًا إلى المنافسة على السباق للقمة، كما أنه فكر بعث حضاري له خلفية حضارية وتراث عريق ورائد في قيادة الأمم والشعوب والبعث في أوقات الضياع الروحي والخلقي. 

لهذا ولغيره من الأسباب فإن الحركات الإسلامية تعتبر الآن من الحركات المستقبلية التي لا بديل عنها للأمة الإسلامية والعالم أجمع إذا أحسن المسلمون القيام بهذا الدور المهم، دور البلاغ والتربية والريادة ودور القدوة، وإذا استطاعوا الصبر والمصابرة حتى ينزاح هذا الركام ويبلغ الكتاب أجله.

وقد أجاد من قال:

فكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرهم *** وعانق المجدَ مَنْ وَفَّى وَمَنْ صَدقا

لا تحسب المجد تمرًا أنت آكِلُهُ *** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

ولذا تظهر الخسارة الفادحة في محاولة البعض وأد هذه الصحوة الإسلامية، أو تعطيل مسيرتها، ولئن كان البعض قد أساء إلى هذا المد المبارك، فإن ذلك يجب ألا يتخذ ذريعة لضرب مستقبل الأمة وأملها في النهوض، وكل شيء يجب أن يقدر بقدره، ويجب أن يعرف كل مسؤول كيف يعالج أمراض أمته بغير القتل، قبل أن يحاسبه الزمان حسابًا عسيرًا، كما يجب أن يعلم أن أية نهضة لا تقوم بغير كفاح وأي تقدم لا يكون بغير رعاية، والسلطات دائمًا أبوة حانية، وأستاذية راعية، وأم رؤوم، وبخاصة إذا كانت الرعاية لشباب الأمة وجيلها الناهض وزرعها المرتقب، فهل نستطيع أن ننظر إلى المستقبل ونستشف في ذلك ملامح النهضات؟ نسأل الله ذلك. 

الرابط المختصر :