العنوان الحرب على الإسلام في تونس.. الدوافع والغايات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-فبراير-1980
مشاهدات 81
نشر في العدد 468
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 05-فبراير-1980
منذ فجر البشرية والصراع القائم بين اتجاهين: اتجاه يريد المحافظة على إنسانية الإنسان بسلامة عقيدته ومنحه الحرية والكرامة، وآخر يسعى بكل ما أوتي ليوغل الإنسان في البهيمية بمحو عقيدته، وسلب حريته وكرامته، وما يزال هذا الصراع قائمًا، ولن يزال حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين.
ومن حكمة الله –سبحانه- أن يفيء الناس إلى أمره بعد الطغيان، والضيق، وفساد الأحوال، وعندها ليس لقوة مهما بلغت أن تتمكن من القضاء على هذه الصحوة.
ففي مطلع السبعينات بدأ الاتجاه الإسلامي يبحث عن موقع قدم على الساحة التونسية، مستجيبًا للنداءات التي تشعره أنه الحلقة المفقودة التي يحتاجها المجتمع التونسي لتعيد له توازنه الحضاري، وذلك بربط حاضره بماضيه، وبدأت الأصوات ترتفع في المساجد تذكر بعمق الهوة التي أصبحت تفصل المجتمع التونسي عن أصوله الحضارية، وتطالب باستئناف الحياة الإسلامية.
ولو اعتبرت تلك الأصوات آنذاك كأنها صيحة في واد أو نفخة في رماد إلا أنها ساهمت في ترسيخ فكرة فشل التيارات العلمانية والماركسية في قيادة الأمة، والسير بها نحو الطريق الحضاري الذي يجعلها تحتل دورها في المجتمع الإنساني، كما أنها أيقظت الشعور العام داخليًا ليكون على موعد قريب مع جيل جديد، تربى في أحضان النظام البورقيبي، كما تربى موسى في أحضان فرعون.
وخلال هذه الفترة كان بورقيبة يزداد تصلبًا في مسألة الانفراد بالسلطة دون اعتبار المصلحة الأمة، وتصفية العناصر الصلبة التي تحول دون تطبيق ما يريد.
وكان منطقيًا أن يحدث تصادم مبدئي بين الاتجاهين الإسلامي الوليد، وبين نزعة الحكم الفردي، هذه النزعة التي جعلت الجيل الجديد أميل للمعارضة، وأكثر استعدادًا لرفض الأوضاع السياسية، والتي كانت سببًا لإقبال الشباب المتدفق حيوية على هذا الاتجاه؛ إيمانًا بنظافة تاريخه القصير، وصدقه في التصدي للانحراف العام الذي تعيشه البلاد.
ثم جاءت صيحات المستضعفين في العالم الإسلامي كله، ونجحت الثورة الإسلامية في إیران ذلك النجاح الباهر، الذي أذهل العملاقين، وبدأت تكشف الحقائق، وتضرب البؤر التجسسية، وتعمل على توجيه الشعوب المستضعفة؛ لئلا تركن إلى جلاديها ومصاصي دمائها، الأمر الذي ترك الأثر الكبير في نفوس هذه الشعوب؛ فهبت تؤيد تلك الثورة، وتطالب بحقها المغصوب، وإذ بالمظاهرات تجتاح العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، وتقوم النخبة المثقفة من طلاب الجامعة والمعاهد العليا والثانويات في تونس بمظاهرة تأييد لأخوة لهم في إيران ضد الإمبريالية الأميركية التي تعبث بمقدرات الشعوب.
إن هذه الانتفاضات المتتالية في العالم الإسلامي أثارت حفيظة الشرق والغرب في مكمنها؛ فبدأت تضغط على حكومات العالم الثالث، وخاصة البلاد العربية مما أدى إلى تضخيم للمسألة في منظار النظام التونسي، وخاصة لدى رئيس الدولة حيث لازمه الهاجس الديني، وهز كيانه، كما هدد كيان غيره من الجذور؛ فبدأت الاتصالات على المستوى الخارجي والداخلي لضرب هذا التيار قبل فوات الأوان، وقبل أن يحل بهم ما حل في شاه إيران.
وجاء مؤتمر كامب تونس الذي يزعم أصحابه اجتمعوا لحل المشكلة الفلسطينية، والجنوب اللبناني، ذلك المؤتمر الذي كشف الشاذلي القليبي -الأمين العام للجامعة العربية- عن بعض ما تم فيه فقال: «إن حوارًا جرى في إطار مؤتمر القمة الأخير حول نمو ما اصطلحوا عليه بتيار التعصب والتطرف الديني، ولا شك أن توصيات تمت في هذا الشأن».
ونعوذ بالله من هذا المؤتمر ومن توصياته، وكأن المؤتمرين لم يجتمعوا إلا ليتأمروا على الحركة الإسلامية في هذه الديار، ويدرسوا الطرق الكفيلة بتشويه ماضيها، وسحق حاضرها ومستقبلها، فما أن انتهى هذا المؤتمر حتى تعالت الصيحات الحاقدة تارة والحزينة الغيورة تارة أخرى، صيحات حاقدة لا تنم إلا عن قلب أسود تجاه الإسلام وحملة لوائه والداعين إليه، وصيحات حزينة تدعي الغيرة على الإسلام والتصميم على حمايته وحماية مؤسساته في تونس، ويعجب المرء عندما يراقب هذه التناقضات العجيبة بين ما يدعيه الحاكم وما يفعله، فإن كان صحيحًا ما يصوره للأمة من حزن وغيرة على هذا الدين؛ فلم أغلق جامعة الزيتونة التي تعتبر رمزًا للإسلام في تونس وأحد المقومات الحضارية للمجتمع الإسلامي؟ ولم ألغى المحاكم الشرعية وإدارة الأوقاف الإسلامية؟ ولم فتح أبواب البلاد للشيوعية والإلحاد؟ ولم منع نشر الفكر الإسلامي فأغلق مجلتي المجتمع والمعرفة؟ ولم استمر في عملية التغريب والذوبان الثقافي والتبعية للإدارة الفرنسية فماتت اللغة العربية -لغة القرآن الكريم-، وحلت محلها الفرنسية كأداة للتخاطب والتعليم والإدارة؟ ولم فتح ابنه المستشار أول ناد للعراة في تونس، بل في العالم كله، متحديًا بذلك مشاعر المسلمين ومنتهكًا لحرماتهم؟ ولم بدأ بالغمز واللمز بقادة الحركة الإسلامية في تونس، وأبدى تخوفه من نشاطهم الذي يهدد -حسب زعمه- بتفجير حرب أهلية، وقال: إنهم لا يريدون من حركتهم هذه إلا الشقاق، والنفاق، والإضرار بالأمن، واستخدام الدين لأغراض غالبًا ما تكون بعيدة عنه؟ ولم اعتقل هؤلاء القادة، وأمر بتعذيبهم والإساءة إليهم بالضرب والشتم، ونقل الآخرين إلى مناطق نائية في البلاد؛ حتى يكونوا بعيدين عن الجماهير وعن توجيهها إلى ما يصلح دينها ودنياها، ويعيد لها إنسانيتها المسلوبة؟ ولم قتل بعضهم، وأمر برميهم في بئر رهيب اسمه «ضباط الظلام»؟ ولم شرع باعتقال الشباب الناشئ من المساجد والشوارع وفي الثانويات والجامعات، وأمر بنتف لحاهم؟ ووضعهم في أقبية السجون؟ ولم أمر زبانيته باقتحام المساجد، وسحب المدرسين والوعاظ منها بالقوة، وإيقاف الدروس والحلقات ومصادرة المكتبات، وتمزيق المجلات الحائطية والمصاحف الشريفة علنًا دون رهبة من الله -عز وجل-، كما حصل في مسجد الجبل الأحمر، ولم عمل على تهديد الفتيات المحجبات ينزع حجابهن بالقوة؟
ثم لم يستهزئ الرئيس نفسه بكتاب الله -عز وجل- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، ويفتي في الناس بما لا يعلم، ويقول:
- إن في القرآن تناقضًا لم يعد يقبله العقل بين:
- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
- إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.؟
- أسعفوني بآية ندجل بها على القوم، قال ذلك لجلاوزته أثناء بعض خطاباته.
- الرسول محمد «هكذا» كان إنسانًا بسيطًا، يسافر كثيرًا عبر الصحراء العربية، ويستمع إلى الخرافات البسيطة السائدة في ذلك الوقت، وقد نقل تلك الخرافات إلى القرآن مثال ذلك:
- قصة أصحاب الكهف.
- وعصا موسى وهذا الشيء لا يقبله العقل بعد التقدم العلمي.
- إن المسلمين وصلوا إلى تأليه محمد؛ فهم دائمًا يكررون «محمد -صلى الله عليه وسلم-» الله يصلي على محمد - هذا تأليه لمحمد.
- الرسول محمد أقر العرب على الشرك.
- الفطر في نهار رمضان عمدًا وبدون عذر شرعي مقبول إذا كان في الفطر مصلحة الدولة.
وهناك الكثير الكثير مما يتحف الرئيس به شعبه المقهور، والذي يتباهى به، ويعتبره من حملة الإصلاحات الأساسية في حركته للقضاء على قرون الانحطاط المعتدة على الاعتبارات الدينية، ولا يستحي من الله ولا من البشر حين يطلب من المعلمين والمربين التونسيين أن ينقلوا آراءه تلك إلى الناشئة المتعلمة، ويزيد ذلك بقوله: «إنني متيقن بأن عددًا كبيرًا من البلاد الإسلامية متفقة معنا، إنها لا تجرؤ على الإعلان بذلك».
في مقابلة أجراها معه الصحافي الفرنسي الشهير «جان لاكتون».
ولكن سرعان ما يزول العجب عندما نسمع آخر التحذيرات التي أطلقها أمين الحزب الدستوري الحاكم في تونس محمد الصياح، عندما يصف التيار الإسلامي «بأنه اتجاه يهدد نظام الحكم في تونس»، فالأصل هو الحفاظ على الكرسي، والتحكم بمقدرات العباد، وليكن بعد ذلك ما يكون، والحقيقة أن حكام تونس يعلمون تمامًا صفاء الحركات الإسلامية هناك ونقاء قادتها، ولكن الخوف على المنصب والانتصار بأمر السادة في الخارج لتصفية هذه الحركة بغية تمرير الحلول الاستسلامية والارتماء في الأحضان هو الذي أوقعهم في حملة من التناقضات لها أول، وليس لها آخر، فبينما يصرحون بأن الإخوان المسلمين في تونس عملاء للملكة العربية السعودية إذ بهم يتهمونهم على لسان الحبيب الابن بأنهم على علاقة بالزمرة، التي قامت بالاعتداء على الحرم المكي، وتارة يتهمون المسلمين بأنهم متسترون بالدين، والدين منهم براء، وتارة أخرى يقولون عنهم إنهم يغالون في طروحاتهم الدينية، ويتجاوزون حدود الواجب الديني للمسلم.
وأحيانًا يقولون إن التحقيقات مع الإخوان المسلمين في تونس أظهرت أنهم على علاقة بالاتحاد السوفياتي، وإنهم يعملون لمصلحة الشيوعيين، وفي نفس الوقت يدفع الماركسي الدموي «محمد الصياح» زمرة الماركسيين في البلد لضربهم وتصفيتهم جسديًا، ولا يخفى على أعمدة النظام هناك أن الماركسيين يصرحون أنهم سيتحالفون مع النظام الرأسمالي لضرب الاتجاه الإسلامي، وأنهم يقولون «سيأتي اليوم الذي تمزق فيه الإسلاميين، وتعلقهم على أعمدة الكهرباء».
إن هذه الاتهامات التافهة والأساليب الضغينة لم تعد تنطلي على الشعب التونسي المسلم، الذي عرف أبعاد المشكلة، بل عادت على أصحابها بالويل والثبور، وأصبحوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، إذ بالأمة تزداد إقبالًا على المساجد والتزامًا بأمر الله -سبحانه- وإذ بالطليعة المؤمنة راحت ترفض أسلوب المراوغة الذي ينتهجه الحكام؛ فسلكت طريق التحدي للجبابرة الطغاة، لأنه أقصر طريق إلى بناء المجتمع المسلم.
ولقد أحست السلطات بورطتها تلك؛ فبدأت تراجع نفسها، ومن ثم اتبعت أسلوبًا جديدًا تحدثنا به جريدة «الديموقراطية» الصادرة في 20/21/1979م، فتقول:
«اجتمع الأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي برئيس النظام التونسي، ونصحه بأن يخفف من الحملة الإعلامية على الاتجاه الإسلامي؛ لأنه بذلك كسب عطف الشعب، وأن يتخذ طرقًا سرية وعلى مراحل لتصفية الحركة الإسلامية».
وتفيد الأنباء الواردة من تونس أن خلافًا جرى بخصوص ذلك بين «محمد الصياح» أمين الحزب الحاكم، وبين رئيس مجلس الوزراء «الهادي نويرة»؛ حيث يطلب الأول أن تكون الحملة ضد الحركة الإسلامية على الطريقة السوفياتية بالقمع والإرهاب والتصفية الجسدية، بينما يطلب الثاني أن تكون الحملة على الطريقة الأميركية.
وسواء كانت الطريقة المتبعة لذلك هذه أم تلك فمن المستفيد هل الشعب التونسي المسلم؟
حقًا، حتمًا لا؛ إذن هل المستفيد هو بورقيبة نفسه؟ ونقول أيضًا لا؛ لأنه إن حقق بعض المصالح في المستقبل القريب، فلن يحصد في المستقبل البعيد إلا الشقاء لنفسه، والدمار لشعبه ووطنه، وما الأحداث التي مرت بعالمنا في السنوات الأخيرة بعيدة عنه.
فلقد سفك عبد الناصر دم الألوف من الشباب المتطلع إلى النور، وسجن الكثيرين، واستخدم أكثر من أسلوب لذلك، فما الذي جناه عبد الناصر لنفسه ولشعبه؟
وشاه إيران الذي استذل شعبه، ومثل به، ونكل، وسرق خيراته، وتركه يئن ألمًا، وفقرًا، فماذا حل بعد ذلك بالشاه؟
إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار، لقد ذهب عبد الناصر ليلقى عند ربه جزاء ما فعل، بينما يعيش الآن شاه إيران في سجن كبير، يكاد يكون عند أصغر من زنزانة، ويقول: «إن كارتر أخرجني من إيران كالفأر الميت».
لقد أصبح هذا وذاك يذوقون ما يذوقون، أما الفئة المؤمنة فقد شقت طريقها المليء بالأشواك لتصل بعده إلى مجتمع الطهر، والفضيلة، والتقدم، والازدهار.
ونصيحة خالصة لوجه الله ترسلها لبورقيبة وأمثاله الذين ركبوا رؤوسهم، وجعلوا من أنفسهم دمى يعبث بها العملاق كما يشاء، ويستخدمهم الشرق والغرب لضرب الحركات الإسلامية في تونس، وسوريا، وليبيا، ومصر، وكل بلد يريد أن يرى شعبه النور إلى هؤلاء نقول:
عودوا إلى رشدكم، وقفوا عند حدودكم، واعملوا لصالح شعوبكم، وإلا فإن المد الإسلامي سيجتاحكم شئتم أم أبيتم، وما ذلك على الله بعزيز.
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21).
صدق الله العظيم.