; الحرب القادمة .. وأوهام واينبرجر | مجلة المجتمع

العنوان الحرب القادمة .. وأوهام واينبرجر

الكاتب محمد صلاح الدين

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1997

مشاهدات 67

نشر في العدد 1249

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 13-مايو-1997

من بين الكتب التي شغلت دوائر الفكر والحرب والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية كتاب «الحرب القادمة» الذي ألفه وزير الدفاع ورئيس وكالة الاستخبارات الأسبق كاسبر واينبرجر بالتعاون مع بيتر شفايزر الباحث بمؤسسة هوفر للأبحاث، وقدمت للكتاب السيدة مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة.

والكتاب في جوهره نقد مرير لما طرأ على المؤسسة العسكرية الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي من تخفيض لميزانيات البحوث والتطوير، وتخفيض لحجم القوات والأسطول البحري والجوي والبري، وهو بالتالي دعوة حارة لإعادة بناء قدرات أمريكية عسكرية جبارة برًا وجوًا وبحرًا، على أساس أن الأخطار العالمية التي تهدد المصالح والأمن القومي الأمريكي لا تقل- إن لم تزد- عما كان عليه الحال قبل انتهاء ما كان يسمى بالحرب الباردة. 

وللبرهنة على ذلك يقدم الكتاب خمسة احتمالات للحرب القادمة يؤكد المؤلفان أن أمريكا قد تواجهها وهي غير مستعدة لها، وهذه الحروب طبقًا لمنطق الكتاب قد تقع على التوالي في كل من كوريا الشمالية «أبريل ۱۹۹۹م» والخليج العربي «أبريل ۱۹۹۹م» والمكسيك «مارس ۲۰۰۳م» ثم روسيا «فبراير ۲۰۰٦م» وأخيرًا ألبانيا «أغسطس ۲۰۰۷م».

غير أن الطريف في الكتاب أنه يقدم سيناريوهات تفصيلية لوقائع كل حرب يختلط فيها الخيال بالواقع والحقائق التاريخية والجغرافية بتصورات استراتيجية وتوقعات عسكرية، يُبرز الكتاب من خلالها الأخطار التي تهدد الأمن القومي الأمريكي والقوى المعادية التي تستهدف المصالح الأمريكية، وكيف ستسلك خلال هذه الحروب المتوقعة.

ما هي الأخطار التي يمكن أن تجعل أمريكا تخوض حربًا جديدة في الخليج؟

هناك طبقًا للكتاب خمسة أخطار هي: اعتماد أمريكا شبه الكامل على بترول الخليج، والخطر الإيراني القائم، والحركات الإسلامية المتطرفة وانتشارها في المنطقة، ثم التربة الخصبة لتغذية العداء لأمريكا، وأخيرًا سعي دول المنطقة لامتلاك السلاح النووي.

قد يتوقع المرء منطقيًا أن يتولى المؤلفان تحليل كل خطر من هذه الأخطار المزعومة، والتعمق في معرفة جذوره ومسبباته وتقدير أبعاده ومدى واقعيته، ثم دور السياسة الأمريكية في المنطقة في تضخيم هذه الأخطار واستغلالها، وهل في الإمكان مواجهة هذه الأخطار ومعالجتها بأساليب وسياسات غير الحرب والدمار؟!

وقد يذهب المرء بعيدًا فيتصور أن الكتاب سينظر بعين الاعتبار إلى مصالح دول المنطقة والمخاطر التي تتهددها والثمن الباهظ الذي ستدفعه من أمنها وثرواتها وحياة واستقرار شعوبها، والعواقب الخطيرة التي تنتظرها.

لكن الكتاب لا يفعل شيئًا من ذلك وإنما يصف كيف ستسيطر إيران على أسواق البترول، ثم كيف تهجم لاحتلال دولة الإمارات ثم دولة البحرين،وأخيرًا كيف تسيطر على حركة الملاحة والتجارة في مضيق هرمز، وتنتهي المسرحية كالعادة بدخول البطل الأمريكي طبعًا وقصف المدن الإيرانية واستخدام السلاح النووي لتدمير المنشآت النووية الإيرانية.

هي عقلية الكاوبوي الأمريكي أولًا وأخيرًا، الذي يُملي إرادته دائمًا بسلاحه، ويحقق أهدافه بتخويف الخصوم والضحايا أو على جثثهم إذا لزم الأمر، وليس بالحوار معهم وبغض النظر عما لهم من حق أو ما في قضاياهم من عدل أو ما سيصيبهم من دمار وخسران، دون أن يستطيع أحد إيقافه ومقاومته أو يملك محاسبته.

لكن مشكلة هذا الكاوبوي الكبرى في منطقتنا أنه يعمل لحساب إسرائيل دون غيرها ولحماية مصالحها وبهذا الأسلوب الغاشم المدمر الذي لا يفكر أبدًا في الآخرين، وعلى أصدقاء أمريكا وأعدائها على السواء أن يفكروا جيدًا وطويلًا كيف يواجهون هذه المأساة.

ومن خلال الخسائر الجسيمة والتضحيات المروعة التي تكبدتها دول مجلس التعاون الخليجي من جراء حرب الخليج عام ۱۹۹۱م وكذلك مختلف دول المنطقة، يمكن للمرء أن يتصور كيف ستكون خسائر ومآسي حرب الخليج الثانية التي يتوقعها بعد حوالي عامين من الآن «أبريل ۱۹۹۹م» وزير الدفاع الأمريكي ورئيس الاستخبارات الأمريكية الأسبق كاسبر واينبرجر في كتابه سالف الذكر والمعنون «الحرب القادمة» خاصة وأن العدو في هذه الحرب هو إيران «٦٥ مليون نسمة» وليس العراق «۱۷ مليون نسمة» كما أن السيناريو المفترض لهذه الحرب يقوم على استخدام السلاح النووي الأمريكي لتدمير منشآت إيران النووية.

وليس من التجاوز أن يفترض المرء أن دول الخليج التي دفعت الثمن غاليًا من أمنها وثرواتها ومقدرات شعوبها في حرب الخليج الماضية، قد استوعبت دروسها وذاقت مرارة تجاربها ومآسيها، خاصة وقد انتهت الحرب، والمجرم الأكبر الذي أشعلها بنزوة من نزواته باق في موقعه رغم كل شيء، ونظامه الإجرامي الدموي لا يزال يمسك بمقدرات الشعب العراقي الشقيق بقبضة من حديد، ومن ثم فإن دول الخليج لن تدخر وسعًا لتجنب المنطقة كارثة أخرى من هذا النوع المروع، وربما أكبر بكثير، لا تبقي ولا تذر.

غير أن المشكلة أن الحسابات الأمريكية لا تضع من بين اعتباراتها غير الحسابات الإسرائيلية، وإلا فإن القوة النووية الإيرانية- وهي كما تشير المصادر غير الأمريكية وهم من صنع إسرائيل- ليست بأخطر على المنطقة وشعوبها من القوة النووية الإسرائيلية الثابت وجودها دوليًا والتي يقدر مخزونها بأكثر من ۲۰۰ قنبلة نووية، كذلك فإن أسلحة الدمار الشامل من كيماوية وجرثومية والمؤكد توفرها لدى إسرائيل، ليست بأقل تهديدًا لشعوب المنطقة من أسلحة صدام حسين التي تنفق الأمم المتحدة مئات الملايين من الدولارات من أموال العراقيين في سبيل حصرها وتدميرها، وتحاصر الشعب العراقي- وليس صدام حسين- بالجوع والمرض والموت جزاء مراوغة الجلاد ومكره ونكثه وهم- أي الحلفاء الغربيون- الذين اختاروا بقاءه واستمرار حكمه.

إن كتاب واينبرجر نذير خطر لدول الخليج جميعها يجب أن يتدبروا أبعاده وموحياته وكل مبرراته، وتوقعات الرجل ليس ببعيد أن تقود إليها على المدى القريب أو البعيد عقلية الكاوبوي التي تصوغ السياسة الأمريكية في المنطقة والمصالح الصهيونية التي تحكمها وتوجهها، وإذا كانت حرب الخليج الماضية قد خلفت للمنطقة من الكوارث والخسائر والتمزق ما ستعاني الدول العربية كلها عواقبه لعقود عديدة قادمة، فإن حربًا أخرى مدمرة في الخليج ستخلف لدول المنطقة كوارث اقتصادية وسياسية واجتماعية وعسكرية مروعة لا يعلم مداها إلا الله، ولن يستفيد منها أو يخرج معززًا إلا إسرائيل، وهذا هو المطلوب في نهاية المطاف.

وعلى دول المنطقة جميعها، وعلى الإيرانيين على وجه الخصوص أن يتدبروا الأمر، فليس كالخلاف وسياسات التطرف والعدوان وافتعال الخصومات بين دول الجوار الشقيقة، خطر يهدد الجميع ويفتح أبواب المنطقة على مصاريعها للمغامرين وأصحاب الأطماع في إضعاف العرب والمسلمين فوق ما هم فيه من ضعف ولن يعصم المنطقة ويحمي شعوبها إلا الاستمساك بعرى الأخوة الصادقة وحسن الجوار وتنمية المصالح المشتركة ورعاية الحقوق المشروعة للجميع على قدم المساواة.

الرابط المختصر :