; الحرب الدولية ضد "داعش".. الاختبار الأول للحكومة التركية الجديدة | مجلة المجتمع

العنوان الحرب الدولية ضد "داعش".. الاختبار الأول للحكومة التركية الجديدة

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الأربعاء 01-أكتوبر-2014

مشاهدات 67

نشر في العدد 2076

نشر في الصفحة 34

الأربعاء 01-أكتوبر-2014

بعد ما يقرب من شهر من انتقال رئاسة الحكومة التركية لوزير الخارجية السابق "أحمد داود أوغلو"، وقبل أن تظهر ملامح المرحلة الجديدة في تركيا، تجد الحكومة نفسها أمام استحقاق كبير ومتشعب يشكِّل لها اختباراً حقيقياً، وهو تأسيس التحالف الدولي لمحاربة "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش).

ذلك أن الحرب المزمع شنها ضد التنظيم المذكور، من خلال تحالف دولي يضم عشرات الدول، تنذر بعملية غير واضحة الأهداف والمعالم والمآلات، ربما تستغرق سنوات طويلة، كما أنها غير مضمونة النتائج، فضلاً عن أن تركيا لها تخوفاتها وحساباتها الخاصة بها.

تحذيرات تركية وصمت دولي

ولئن كانت السرعة التي أعلن فيها الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" عن إنشاء الحلف الدولي وأهدافه مصدر مفاجأة للكثيرين، وفيها ما فيها من معاني فرض الأمر الواقع، إلا أن وقعها كان مختلفاً جداً على القيادة التركية، وهو ما يفسر امتناع أنقرة عن توقيع وثيقة مكافحة "تنظيم الدولة" الذي وقَّعته - إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية - عشر دول عربية.

ففي المقام الأول، يشي لسان حال الحكومة التركية بالكثير، وإن لم يتم التعبير عنه بالبيانات السياسية، فقد دأبت أنقرة منذ سنوات على التحذير من السكوت عن ظلم نظام "الأسد" في دمشق، وسياسات "المالكي" الطائفية في بغداد، الذي أدى وسيؤدي - إضافة إلى الخسائر البشرية والاقتصادية والدمار - إلى تهيئة بيئة مناسبة للأفكار المتطرفة أو المتشددة.

وعلى ذلك، فلا ترى تركيا أن الحل العسكري سيكفي وحده للقضاء على ظاهرة "داعش"، سيما أن أحداً لا ينكر تمددها وحصولها على حاضنة شعبية وتعاطفاً لا بأس بهما في بعض المناطق، وتعتبر تركيا أن الحل يحتاج إلى إزالة أسباب نشوء الظاهرة، وعلى رأسها ممارسات النظامين في سورية والعراق.

حقائق الجغرافيا السياسية

ويقف وراء التخوفات التركية عدد من الحقائق التي يفرضها موقع تركيا الجغرافي وجوارها، دفعت بالساسة الأتراك إلى التصريح علناً بأن تأثير وانعكاسات الحرب الوشيكة على تركيا يختلف عن تأثيراتها على أي دولة غربية بعيدة عن المنطقة، وأن نظرة تركيا للموضوع يجب أن تكون مختلفة عن نظرة أي دولة أخرى.

وأولى هذه الحقائق هو الجوار التركي لكل من العراق وسورية عبر مئات الكيلومترات من الحدود، غير المسيطر عليها بشكل تام بالضرورة؛ مما يعني أن النيران التي ستصب على الداخل العراقي - وربما السوري لاحقاً - قد تصيب الداخل التركي، حقيقة أومجازاً؛ حيث ثمة تخوف مبرر في أنقرة من عمليات تفجيرية انتقامية في الداخل التركي إذا ما شاركت تركيا في التحالف الدولي بشكل واضح وفاعل.

ثانياً: لا شك أن موقف تركيا يختلف عن موقف باقي أعضاء "الناتو" أو المجموعة الغربية، إذ هي الدولة المسلمة الوحيدة في الحلف، وهو ما يسبب لها حرجاً بالغاً - داخلياً وخارجياً - حين تشارك في حلف دولي غربي في المنطقة العربية.

ثالثاً: كون تركيا دولة مسلمة؛ يعني أنه سيكون هناك تعاطف بدرجة أو بأخرى من قبل أطياف من الشعب التركي مع "تنظيم الدولة" في مواجهة الحلف الدولي، وهو تعاطف لا يمكن لأحد أن يحدد منذ الآن مستواه وحدود تفاعله وردود فعله؛ وبالتالي، فلن تضمن الحكومة التركية ردود الفعل الشعبية الداخلية، التي - على أقل تقدير - لن تكون راضية وسعيدة بمشاركة بلادها في الحرب.

رابعاً: تخشى الحكومة التركية من تدفق عدد كبير من اللاجئين العراقيين والسوريين بسبب الحرب نحو أراضيها، تتراوح التقديرات بشأنهم ما بين مليونين إلى أربعة ملايين شخص، مع كل ما يعنيه ذلك من أعباء اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية على البلد المضيف.

خامساً: تخشى تركيا من مآلات الأوضاع في حال فشلت الحرب أو توقفت أو تغيرت الخطة لسبب أو لآخر؛ مما قد يعني تمدد نفوذ التنظيم أكثر نحو أراضيها.

الرهائن الأتراك

لكن أهم وأخطر ما كان يكبل يدي تركيا في ملف التحالف الدولي والحرب على "داعش" هو الرهائن الأتراك – وعددهم 49 من بينهم القنصل التركي في الموصل - في يدي التنظيم، فقد سيطر الحذر على تصريحات الساسة الأتراك حيال التنظيم لئلا يصاب المختطفون بسوء أو تتعرض حياتهم للخطر، حتى وصل الأمر بالحكومة إلى حظر تداول الموضوع في وسائل الإعلام.

ورغم أن الرهائن قد حُرروا أو تحرروا بعد 101 يوم من اختطافهم، فإن الموضوع ما زال يلقي بظلاله على الموقف التركي خوفاً من أي حادث مماثل في المستقبل داخل تركيا أو العراق الذي تكثر فيه الشركات التركية.

مآلات الحرب والهواجس التركية

من جهة أخرى، لدى تركيا مخاوف حقيقية تتعلق بسير العمليات العسكرية ومآلاتها وأهدافها غير المعلنة وانعكاساتها الإستراتيجية على تركيا والمنطقة، منها ما يلي:

أولاً: لا تشعر أنقرة بثقة كبيرة - كما كثير من شعوب ودول المنطقة - بالسياسة الأمريكية وأهدافها من وراء التحالف الدولي الوليد، سيما وأن التنظيم موجود في سورية منذ سنوات بنفس الفكر والسياسات والممارسات؛ وبالتالي، فهناك تخوف تركي من أن يؤدي هذه التدخل إلى تغيير توازنات المنطقة وخرائطها بما يضر بمصالحها.

ثانياً: تخشى تركيا أن تقع الأسلحة التي سيقدمها التحالف لبعض القوى داخل العراق بأيدي محسوبين على حزب "العمال الكردستاني"، أو أن يضعف التدخل موقف إقليم شمال العراق (كردستان)، بما يحمله ذلك من خطر كبير على عملية السلام مع الأكراد، الملف الداخلي الذي يتصدر أولويات الحكومة التركية.

ثالثاً: لا تريد تركيا أن يؤدي تحجيم "تنظيم الدولة" إلى تقوية الموقف الميداني لنظام "الأسد"؛ بما يعني استمرار معاناة الشعب السوري وتهيئة الأرضية للأفكار المتشددة.

رابعاً: ولا يغيب عن ذهن صانع القرار في تركيا أن الحرب قد تؤدي في النهاية إلى تقوية النفوذ الإيراني في المنطقة على حساب الدور التركي، وهو تخوف له ما يبرره إثر اتفاق إيران الأخير مع الغرب، وفي ظل التصريحات المتبادلة بين الطرفين حول دور إيراني محتمل وضروري في الحرب.

خامساً: بنت تركيا نهضتها الحديثة خلال السنوات الأخيرة على مفهوم "الاستقرار" في الداخل والإقليم، واستفادت من انفتاحها السياسي والاقتصادي والثقافي على دول الجوار جميعها؛ وبالتالي، فإن حرباً قد تستمر على حدودها لسنوات طويلة قد تعني تضرر السياحة والمشاريع العملاقة والاستثمارات الأجنبية فيها.

سادساً: تدرك تركيا أن الأحداث قد تتدحرج إلى سيناريوهات غير محببة أبداً لها، وهنا ينبغي الإشارة بشكل خاص إلى الحملة الإعلامية الغربية المستمرة منذ أشهر، والتي ارتفعت وتيرتها مؤخراً لربط اسم تركيا بدعم الإرهاب وتحديداً "داعش"؛ إذ لا تريد أنقرة أن تتحول من شريك إلى هدف لإحدى مراحل الحرب لاحقاً بشكل مباشر أو غير مباشر.

دور سلبي وإنساني

بناءً على كل هذه المعطيات، فقد أحجمت تركيا حتى الآن عن دعم التحالف بشكل صريح، وأعلنت عدم مشاركتها في الأعمال الحربية، وعدم السماح باستعمال أراضيها أو مجالها الجوي أو قاعدة "إنجيرليك" في الأعمال العسكرية المباشرة، رغم أنها أعدت إشارات على إمكان تغير موقفها جزئياً بعد تحرر رهائنها.

وعليه، فقد أعلنت تركيا أنه لا دور إيجابياً وفعالاً لها في الحرب الوشيكة ضد "تنظيم الدولة"، وأنها ستكتفي بدور سلبي يقتصر على بعض الإجراءات الإنسانية واللوجستية، تتلخص في إيصال المساعدات الإنسانية لكل من الشعبين العراقي والسوري، والمساعدة في مجال المعلومات الاستخباراتية، وضبط الحدود، وقصر استعمال قاعدة "إنجيرليك" الإستراتيجية والقريبة من الحدود العراقية للأعمال اللوجستية والإنسانية.

وفي المقابل، فقد قدمت تركيا بعض الشروط التي تجاوبت معها الولايات المتحدة الأمريكية، على رأسها تسليح المعارضة السورية، وتوسيع الضربات لتشمل سورية مع العراق، وضمانات بعدم وصول المساعدات العسكرية إلى عناصر قد تضر بالأمن القومي التركي، إضافة إلى التباحث في مدى إمكانية إقامة منطقة عازلة على الحدود مع العراق وربما سورية.

وفي كل الأحوال، تبدو تركيا في موقف لا تُحسد عليه، فمن ناحية هي مضطرة للمشاركة في هذه الحرب، لكنها لن تكون بعيدة عن ارتداداتها؛ وعليه فهي مضطرة لدخول حرب لا تريدها وتنظر لها على أنها سكين ذو حدين، تبدو فيه أنقرة زاهدة بأي مكاسب، ولكن راغبة فقط بتقليل خسائرها قدر الإمكان.

وعليه، فإن أسئلة النتائج والكيفية والمآلات ربما لن تكفي الأسابيع والأشهر القادمة للإجابة عنها أو حتى توضيح ملابساتها، إذ تبدو المنطقة على مشارف مرحلة جديدة تماماً - لها مفرداتها وآلياتها الخاصة بها - قد تمتد لسنوات؛ مما يعني أن الحكومة التركية الوليدة أمام تحدٍّ حقيقي قبيل الانتخابات البرلمانية القادمة التي ستحدد وجهة ومصير تركيا في السنوات القليلة القادمة.

الرابط المختصر :