; الحرب الأخرى في العراق شهادات تاريخية (٣ من ٣)- جنود الاحتلال الأمريكي يعترفون لمجلة The Nation | مجلة المجتمع

العنوان الحرب الأخرى في العراق شهادات تاريخية (٣ من ٣)- جنود الاحتلال الأمريكي يعترفون لمجلة The Nation

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2007

مشاهدات 70

نشر في العدد 1772

نشر في الصفحة 23

السبت 06-أكتوبر-2007

اختلاف الثقافات بين جنود الاحتلال والعراقيين زاد من عدد القتلى، فرفع اليد عند الأمريكي معناه قف وللعراقي «أهلًا تعال»

الجندي «باتريك كامبل»: شاهدت مقتل أول عراقي عام ٢٠٠٥م حين اقترب من الدورية، لم يكن يدرك من نحن فأطلق الجنود عليه عشرين أو ثلاثين طلقة

«باترك ليهي»: أطلق أحد القناصين ٦٠ طلقة على اثنين خرجا من سيارتهما دون أن يقوما بأي شيء ووضع القناصون مواد متفجرة مع جثة أحدهما 

أحد الجنود: منذ لحظة التحرك من القاعدة العسكرية نكون في غاية القلق، إنه الحظ الذي يحدد من سيقتل ومن سيعيش على الطريق

ما زالت الذكريات الأليمة تتحكم في جنود الاحتلال الذين أصيب الكثير منهم بعقدة الذنب جراء ما اقترفوا من جرائم بشعة في العراق، وفي هذه الحلقة الأخيرة من شهاداتهم التي سجلتها مجلة ذي نيشن الأمريكية في عدد يوليو ۲۰۰۷م، صور الجنود حالة الفزع التي عايشوها أثناء عملهم بحراسة قوافل الإمداد لجيش الاحتلال.

يقول أحد هؤلاء الجنود: «منذ لحظة تركك القاعدة العسكرية تكون غاية في القلق، إنه الحظ الذي يحدد من سيقتل، ومن سيعيش على الطريق. وإذا كنت في معارك قبل ذلك في اليوم أو الأسبوع فأنت أكثر قلقًا».

وفي هذا السياق اعترف ٢٤ من الجنود أنهم شاهدوا أو سمعوا من زملائهم أن المدنيين العزل أطلق عليهم النار أو دهسوا بالمركبات، هذه الحوادث- يقولون- أكثر مما تحصى والغالبية لم تسجل أو تبلغ. 

يقول «سيرجنت فلات» في عام ٢٠٠٥م كانت إحدى القوافل تمر في طريق الموصل، واقتربت سيارة من القافلة، وأطلقوا الرصاص على السيارة، وحدث أن إحدى هذه الرصاصات أصابت بدقة وجه امرأة ماتت على التو، كان ابنها يقود السيارة وكان لديها ثلاث بنات صغار في الكرسي الخلفي، وكن يبكين!

ويواصل «فلات» أنه في عام ٢٠٠٤م كان في ذيل القافلة حينما تعرضوا لـ «الآر بي جي»، وفي التو شاهد زميله المدفعجي يفتح النار من المدفعية عيار ٤٠ مللي على أحد البيوت الصغيرة فقط، لأنه مضاء وسط الظلام الدامس!

وفي شهادة «سيرجنت كيلي دوفتري» أثبتت حادثة كانت تحقق فيها في عام ۲۰۰٤م في طريق واسع مكون من ستة طرق جنوب الناصرية. إنها الصحراء.

وكان هناك ولد صغير في العاشرة من عمره، يعبر الشارع ومعه ثلاثة حمير، فدهسته القافلة العسكرية وما معه، ومع ذلك فإن القافلة لم تبطئ السير، أعني أن الأوامر ألا تقف أبدًا.

الدوريات

قال الجنود والمارينز الذين يشاركون في الدوريات إنهم يستخدمون تكتيك القوافل نفسه السرعة، والعدوانية في إطلاق النار لتقليل خطر الوقوع في كمين.

يقول باتريك كامبل: «كل مرة تخرج للطريق نطلق قذائف تحذيرية وتقع حوادث كل مرة، أول عراقي شاهدته يقتل كان حين اقترب من الدورية في ٢٠٠٥م في الخادمية شمال بغداد، لم يكن هذا الشخص في موقع يدرك أو يرى من نحن أطلقت عليه الوحدة الرشاش الثقيل وخرج من السيارة والدم في كل مكان، وكاد يغيب عن الوعي ثم توقف عن التنفس، وكنت أحاول إنقاذه ووضعت يدي تحت رأسه، وإذ بي أشعر أنها دخلت مخه، لقد أطلق عليه عشرون أو ثلاثون طلقة».

ويحكي كامبل عن شهود عيان أنه في صيف ۲۰۰٥م وقف أحد الأطفال «١٤ سنة» ليضرب إحدى الدوريات ببندقية صغيرة فما كان من كل أفراد الدورية إلا أن أطلقوا عليه النار جميعًا من أكبر سلاح لديهم وتمزق الطفل إربًا، «كان كل واحد منا مسرورًا جدًّا! أخيرًا قتلنا أحدهم»، وكان بعضهم يري الآخرين الصورة مبتهجًا، والبعض الآخر كان كمن لا يريد أن يرى ذلك مرة أخرى أبدًا.

قتل العزل

وهي حوادث كثيرة، تقول «دفيرتي»: إن رئيس الوحدة قتل عراقيًّا من ظهره، يجب أن نقتلهم هنا حتى لا نقتلهم هناك في كولورادوا، إنه يتصور أن كل عراقي هو «مشروع» إرهابي.

وقال بعض من أدلوا بالشهادة: إن قتل الأبرياء العزل كان أحيانًا يظهر على أنه قتل للمتمردين، كما حدث في إطلاق النار على تجمع «ثم قبضت على من عاش، ووضعت أسلحة ومعاول وفوؤسًا بجوار القتلى حتى يظهر أنهم متمردون».

ويحكي أحدهم عن إطلاق القناصين ٥٠ إلى ٦٠ طلقة على اثنين خرجا من سيارتهما، وتبين أنهما لم يكونا يزرعان قنابل أو أي شيء.

ووضع القناصون الأمريكيون مواد صناعة القنابل مع جثة أحدهما، وأظهر «سيرجنت كامبل» للمجلة صورة لأحد القناصين ومعه اللاسلكي في محفظته، وقد وضع هذا الجهاز فيما بعد كدليل إدانة ضد من ضرب عليه.

نقاط التفتيش: يشهد ٢٦ من الجنود الذين خدموا في نقاط التفتيش المنتشرة حول العراق، أنها عادة ما تكون بمثابة مقابر للمدنيين، فهؤلاء المدنيون العزل دائمًا ما يعاملون بالخطأ على أنهم من المتمردين، وأصول أو تعليمات التعامل في هذه النقاط غير واضحة للجنود، فهم يطلقون النار على المدنيين ويعيشون وسط الخوف من العمليات الانتحارية أو إطلاق الصواريخ والقذائف. 

كما قال تسعة من هؤلاء الجنود إنهم رأوا المدنيين العراقيين يطلق عليهم النار عند نقاط التفتيش، ولأن هذه الحوادث واسعة الانتشار فلا يحقق فيها.

يقول ليفتنت فان أنجلين: «بالنسبة لي فالأمر حقيقة عشوائي، فقط أختار نقطة على الخريطة أعتقد أنها نشطة وأنني سأقبض على بعض الناس عندها، وننصب نقطة لمدة ساعة أو نصف ساعة ثم نتحرك». ويستطرد: «لا توجد هناك تعليمات قبل المهمة».

لذا كان اختيار نقاط التفتيش المؤقتة آمنًا لهذه القوات، وبعض القوات لا يكون لديها ما ينبه السائقين مثل السلك والمخاريط والأضواء.

يقول «بوكانيفرا» الذي خدم في نقاط تفتيش تكريت «إنهم كانوا يضعون بعض الصخور على جانب الطريق كعلامة للتوقف، وبعض السيارات لا ترى هذه الصخور، أنا بنفسي لا أراها»، وكان السيارات المدرعة على أهبة الاستعداد بالأسلحة الثقيلة إذا لزم الأمر للهروب أو قذف السيارة التي لا تقف!

ويروي «السير جنت ميلارد» عن حادث في تكريت عام ٢٠٠٥م «كانت الوحدة تقوم بنقطة تحكم في الطريق، وكان هذا الفتى الجندي الأمريكي «۱۸ سنة» على ظهر المدرعة، ومعه المدفع الرشاش، ويقول: إن هذه السيارة تتجه إليه مسرعة، وفي جزء من الثانية اتخذ القرار أن هذه سيارة انتحاري وضغط على الزناد «۲۰۰ طلقة في الدقيقة» تجاه السيارة، فقتل الأم والأب وطفلين «ولدًا عمره أربع سنوات، وبنتًا عمرها ثلاث»، وأخبر الجنرال بذلك، وكانت لديهم صور للحادث فاستدار الكولونيل إلى كل الوحدة قائلًا: لو كان هؤلاء «فاكين» حاجي تعلموا قيادة السيارات، لم يكن ليحدث هذا!»

قواعد المواجهة

قبل الترحيل إلى الساحة كان التدريب على الخمس Ss وهي تعلم ضبط النفس قبل إطلاق النار، أي تطلق رصاصة إنذار في الهواء، وتظهر السلاح، وتضرب ضربات غير مميتة مثل ضرب إطار السيارة، وكبح جماح المواجه بدنيًّا.

قال بعض الجنود إنهم يحملون هذه النصائح في بطاقات داخل سترهم أو خوذهم، ولكن لم تكن هذه الأوامر تطبق مثلًا كيف يفيد الصياح على سيارة بالليل. 

وذكر بعض الجنود للمجلة أن قادتهم كانوا لا يشجعون هذه السلسلة من النصائح، فقد قيل للجندي ريستا: «لا توجد مثل ما يسمى طلقة التحذير»، وقيل أيضًا: «إن قتلهم أفضل من جرحهم وبقائهم أحياء!» بل إنه في بعض الأحيان كما يروي «سیرجنت زينلو» إن طلقة التحذير انعكست من الأرض إلى العربة وقتلت شخصًا فيها. 

وقتل المدنيين عند نقاط التفتيش أمر شائع جدًّا كما أخبر الجنود مجلة ذي نيشن. 

يحكي «سيرجنت فلات» عن حادثة في يناير ۲۰۰٥م بالموصل حين أطلقوا النار على سيارة زوجين كهلين رغم اعترافه أن نقطة التفتيش لم تكن واضحة، وبقيت جثث من كانوا في السيارة ثلاثة أيام متواصلة وكنا نمر بها يوميًّا.

وفي حادث آخر كان الرجل يقود السيارة بزوجه وأولاده الثلاثة في شارع رئيس قرب الرمادي في الشتاء، وحينما لم يقف الرجل أطلق أحد جنود المارينز عليه النار، فقتل الزوجة وأصاب أحد الأولاد، وطبقًا للفتنانت «مورجانستين» وهو ضابط علاقات مدنية أنهم قدموا للأسرة للعزاء والتعويض مبلغ ۳۰۰۰ دولار.

واستنادًا للحكومة الأمريكية- كما تقول المجلة- فإن قسم الدفاع أخرج ٣١ مليون دولار لمثل هذه التعويضات بين ۲۰۰۳م- ٢٠٠٦م، وهل يرجع المال الأهل؟

كما أدلى الجنود بشهادة عن الحادث الذي بدأ بالشرطة العراقية وهي تطارد إحدى السيارات التي أسرعت، ولكن الجنود الأمريكيين مع قلقهم وخوفهم أطلقوا النار على سيارة الشرطة مما اضطرهم للدفاع عن أنفسهم، وكانت هناك معركة بالنار قتل فيها ثمانية من الشرطة العراقية، ولم يصب أحد من الأمريكيين!

المساءلة

أدت الاختلافات الثقافية لكثير من الحوادث، فالأمريكي حينما يرفع يده لأعلى وكف اليد تجاه أحدهم والأصابع إلى أعلى، هذا معناه: «قف»، ولكنها تعني للعراقي «هالوا»، تعال!

فالجنود يظنون أنهم قالوا: قف، ولكن العراقيين فهموا أن ذلك معناه: تعال هنا وكلما صرخ الجندي بصوت أعلى أسرع العراقي، ويكون القتل!

يقول سيرجنت «ماردان»: «إنهم كلهم عرب متشابهون لديهم لحى، للحق أنك مثلما تمشي في الصين تحاول أن تفرق بين من في الحزب الشيوعي ومن ليس فيه، هذا مستحيل». 

وتقوم بعض الوحدات بالتحقيق في أي طلقة، ولكن كما يذكر كامبل لقد أطلقنا آلاف المرات دون أن نملأ أي تقرير عن ذلك! 

الاستجابات: ولقد اتصلت «مجلة ذي نیشن» بالبنتاجون مع قائمة أسئلة تفصيلية، وطلب للتعليق على أوصاف وتفاصيل الانتهاكات التي حدثت، وطلبت المجلة بالتحديد توضيحات المبادئ الاشتباك، وعمل القوافل ونقاط التفتيش والدوريات والتحقيقات في إطلاق الرصاص على المدنيين، وحجز العراقيين الأبرياء بتهم مبنية على ادعاءات واستخبارات زائفة ومضللة.

ولكن البنتاجون أحال تساؤلات المجلة للمركز الصحفي لقوات التحالف ببغداد والذي أرسل قائدها بريدًا إلكترونيًّا للمجلة مفاده؛ أنه لا يناقش أمورًا عسكرية بعينها ولكن القوات تدربت- كما يدعي- على حماية نفسها، وأنها تحقق في أي خلل. 

وبالرغم من ذلك فإن الجنرال «وليام كلدول» المتحدث الرسمي باسم القوات في موقع «قوات التحالف» أكد أن قواعد الاشتباك واضحة.

ويلاحظ كذب الجيش حينما قال السيناتور «باترك ليهي» في سبتمبر الماضي: إن البنتاجون يقوم بعمل القليل جدًّا من أجل معرفة سبب قتل المدنيين أو حتى الحفاظ على سجل بهم! 

وتذكر المجلة كيف أن عدد القتلى من المدنيين العراقيين وصل طبقًا لـ «مجلة لانست» البريطانية الطبية إلى ما يقرب من ٦٠١,٠٠٠ مدني منذ مارس ۲۰۰۳م.

وقدر الباحثون أن ٣١٪ من هذه الحالات كان على يد قوات التحالف، وأن هذه النسبة «محافظة» حيث لم يتم حساب من لم يتأكد من مصدر قتله.

أخيرًا، يوجز العريف «فلاندرز» مشاعره أثناء فترة خدمته كجندي في العراق، فيقول: «شعرت بانحسار هائل في إحساسي بالرحمة والشفقة إزاء الآخرين، الأمر الوحيد الذي كان يهمني هو نفسي والرجال الذين معي، وليذهب كل من سوانا إلى الجحيم، هذا الخراب، هذا النسف للأجساد والمدنيين، بدأت أفكر، لماذا؟ لأي شيء هذا؟»

كانت هذه صرخات عقل الجنود وهي تتذكر الدمار الذي صنعوه باسم السلام والديمقراطية والحرية، والتي لم يذق العراقيون طعمها منذ الغزو الأمريكي، «بدلًا من أن تلوم قيادتك على وضعك على هذا الحال، تبدأ في لوم الشعب العراقي، وبالتالي هي دوامة وصراع نفسي دائم، محاولًا أن تحتفظ بإنسانيتك».

إن شهادة هؤلاء الجنود تفضح العدوان والظلم، وفي الوقت نفسه كما قال أصحابها في رسائل المجلة ذي نیشن بعد نشرها، يرجون أن تهز ضمائر الشعب الأمريكي وتوقظه من سباته ليضغط على صانعي السياسة ليخرج الاحتلال من العراق ويعيد لشعب العراق إنسانيته.

الرابط المختصر :