العنوان الحراك الاجتماعي وحلفاء الشيطان!
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1998
مشاهدات 72
نشر في العدد 1322
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 20-أكتوبر-1998
الحراك الاجتماعي مصطلح يعني تبادل الطبقات في المستوى والمكانة ارتفاعًا وانخفاضًا، ويجري عادة في المجتمعات التي تتعرض لتجارب إنسانية واجتماعية عنيفة.
يصنعها الغير، أو يقوم بها بعض أبناء المجتمع بالوكالة، فتتغير الصور والملامح والقيم والمثل السائدة، وتحل أخرى مكانها لتضع طبقة مكان طبقة، أو تحدث تأثيرًا عاما يصيب المجتمع كله في خلاياه وشرايينه فينفصل عن سباق التطور «الطبيعي»، إلى سياق آخر «غير طبيعي» قد يورده موارد الهلاك ما لم يكن هناك «ضامن»، يقيه شر الضياع.
ومنذ بدأت الانقلابات العسكرية تترعرع في أرجاء الوطن العربي قبل نصف قرن تقريبا أخذت عملية الحراك الاجتماعي تسرع حركتها «غير الطبيعية»، يساعدها على السرعة أحداث وحروب غير متكافئة أو غير موفقة أو غير ضرورية، فأطاحت بمنظومة القيم والمفاهيم التي تواضعت عليها الأمة، ولم تفرط فيها حتى في أشد اللحظات المصيرية حرجًا وارتباكًا، وكانت. هذه المنظومة التي تقوم على قيم الإسلام ومفاهيمه هي «الضامن الأعظم»، الذي يعصم الأمة من الضلال، ويقيها شر الخراب الداخلي. والعدوان على الذات بيد أن مرحلة الانقلابات. العسكرية، مع شعاراتها البراقة التي لم تحقق أيا منها - كانت تضع عينها بقصد أو دون قصد على «الضامن الأعظم» فحطمته بلا رحمة ولا هوادة، لأنها رأت فيه «العائق الأعظم» ضد تحقيق الشعارات البراقة، وجنَّدت لذلك النخبة الفاسدة.
تسوغ قراراتها، وتشيد بتصوراتها، وتدعو إلى إزاحة «العائق الأعظم» بكل السبل والوسائل وصارت كلمة الإسلام في معظم الأجهزة الثقافية. والدعائية والتعليمية مرادفًا لخطر أكبر وشر مستطير ووصل الأمر بالنخبة الفاسدة أو حلفاء الشيطان، إذا شئنا تعبيرًا أدق أن نصف الإسلام بالإظلام، وتنسب إليه الإظلامية، و «الظلامية»، وتستدعي فلسفة الإلحاد التنوير من في عصور التمرد الأوروبية على هيمنة الكنيسة.
ورجال الدين هناك ولم يفت البعض من حلفاء الشيطان أن يجهروا بضرورة استئصال الإسلام والقضاء على المنادين به معتدلين أو متطرفين مسالمين أو منتقمين، وصارت الغاية المثلى لحلفاء الشيطان الدخول إلى رحاب الشيطان ذيولًا لا قيمة لها أو خدمًا لا كرامة لهم.
إن مجتمعًا ينفصل أبنائه عن الدين - صانع الضمير والشعور – لا بد من أن يتردى في الهاوية.
وما الطبقة المتوحشة التي تهيمن على مسار الحياة الاجتماعية الآن إلا رأس الكتلة الطافية على الماء. أما أسفلها، فيعلم الله به إن سيادة العضلات، وفلسفة القوة والاحتماء بالكبار، دليل على انهيار قادم لا شك فيه، لأن التوحش يولد توحشًا مضادًا. والبقاء للأقوى، وبخاصة بعد أن يكون القانون قد ضاعت هيبته ومانت الضمائر، وتبلدت المشاعر.
إن التعامل اليومي في الشارع والطريق والمؤسسات والدواوين والمحلات والمكاتب صار نوعًا من الصراع الذي لا مسوغ له، ولكنه يعبر عن إرادة صراع بين قاهر ومقهور لا مجال فيها للذوق، أو التعاطف أو الرحمة، وكان الناس قد اتفقوا على تحويل قضاياهم المصيرية مع الأعداء والغاضبين والمذلين إلى حرب داخلية تتكلل بالنجاح، إذا قهروا بعضهم أو حطموا ذواتهم ومن ثم بدت الطبقة المتوحشة التي تحولت بالحراك الاجتماعي، إلى طبقة مهيمنة يقتدي بها الناس في سلوكها وأفكارها، ونمط حياتها المجتلب من بلاد الشيطان الأكبر وأعوانه.
لا ريب أن النخبة الفاسدة سعيدة بالنتائج التي وصل إليها الحراك الاجتماعي بإسقاط الدين من الواقع الحياتي حتى صار من يدخل المسجد غير آمن، ومن يدخل الملهى الليلي آمنًا. وبعد أن تحطمت الصحوة الإسلامية إلى أشلاء مبعثرة.
لقد خسر المجتمع خسارة : كبيرة - حين تنحى الدين عن تشكيل الضمير والشعور، فظهر التوحش، وشاعت اللصوصية، وازدهرت الوصولية، وتأخرنا عن بقية الأمم، ولم تبق إلا النخبة الفاسدة.
إن الإسلام حرية وشورى «أكبر من الديمقراطية» وعدل ورحمة، وإخلاص وتعاون على البر والتقوى وتكافل اجتماعي وتعاطف إنساني مع البشر المسالمين كافة، وجهاد ضد الطغاة والمستبدين والغاصبين، وحرب لا هوادة فيها ضد الجهل والتخلف والتمييز العنصري والديني والطائفي والعرقي لصالح من نسقط الإسلام أو الدين عامة من واقعنا؟ إن إسقاطه يعني بالضرورة حراكًا اجتماعيًا إلى المجهول المخيف لأن وجوده هو «الضامن الأعظم» لحراك اجتماعي مستقيم يضيف إلى الأمة ورصيدها الحضاري، ويرفع من قيمة أبنائها. اقتصاديًا وثقافيًا وخلقيًا. فهل يفقه ذلك حلفاء الشيطان؟! أشك في ذلك.